Search
Close this search box.

الأم الطفلة

الأم الطفلة

أمل العلي

في عام ٢٠١٢  وصل  إلى مدينتنا عدد كبير من النازحين،  إثر قصف الطائرات لمدنهم لإسكات الأصوات المطالبة بالحرية وقمع الثورة، التي اشتعلت في آذار ٢٠١١،  تاركين خلفهم  ذكرياتهم واحلامهم مع أشلاء  أحبة تحت ركام بيوت مدمرة. والهارب من الموت لا  يبحث إلا عن مكان آمن ليحافظ به على ما تبقى من  حياته، ولن يفكر ماذا يحدث عند خروجه من  بيته  إلى مكان آخر إلا في  نجاته من موت الجسد لإن روحه تكون مقتولة من هول ما رأت، ويعلم أنها ستموت آلاف المرات، لكن ربما أمل بتغيير ما يدفعه للحفاظ على جسده  وبقايا روحه.

وبسبب العدد الهائل الذي وصل إلى مدينتنا وتضامن الأهالي معهم  تم  فتح المدارس  لإيوائهم. وفي أحد الأيام كنت مع مجموعة من النساء والشباب، نعمل على تقديم ما أمكن للناجين كما في كل المناطق التي استقبلت النازحين اليها، حين  تعرفت على عائشة.

تلك الطفلة التي تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، لكنها تحمل أحزان العالم  في عينيها. عندما رأيتها في المرة الأولى، اعتقدت  ان  ألمها   من فظاعة الموت الذي هاجمهم ودمر حياتهم، فهي  اليوم بدل ان تتعلم في المدرسة  تسكنها مع وجوه غريبة، بدل رفاق صفها، حيث أكثر  من أسرة تسكن الصف الواحد يفصل فيما بينهم شراشف علقت على حبال. لا خصوصية لأحد إلا بصمته وانعزاله إلى أعمق  أعماقه.

كانت أسرتها مكونة من سبعة أشخاص، أب و أم و خمسة أطفال، عائشة هي الكبرى وأصغرهم رضيع.

يومها تجاذبنا أطراف الحديث أنا والأم، قالت: الطفل الرضيع بحاجة للحليب فقد جف حليب أمه من الخوف”.

سألتها: “أين هي أمه؟”.

أشارت إلى طفلة  تجلس بجانبها، شاحبة اللون، صامته وحزينة، كأنها عائدة  من العالم الآخر، لتستكشف ماذا حدث بعد موتها، ترتدي ثوباً اسود استمد لونه من الهالات التي تحيط بعينيها المعلقتين فوق وجنتيها الخاليتين من اي لون.

سألتها: “هل أنت مريضة؟”.

اجابت الأم: “لا، لكن عندما تعرض بيتنا للقصف ودُمّر وهربنا،  من شدة خوفها جف حليبها وهي لم تأكل شيئاً من يومها وطفلها دائم البكاء لأنه جائع”.

سألت: “أين زوجها؟”.

أجابت الأم: “إنه ولدي البكر، زوجناه منذ عامين من عائشة واليوم لا نعرف عنه شيئاً  حتى إنه لم يرى إبنه بعد”.

نظرت إلى عائشة الباكية بصمت وسألت: “أين أهلها؟”، قالت: “لم نعرف أين اتجهوا ولم نستطع الإتصال بهم ولا نعلم من منهم الحي ومن منهم ميت”.

يومها قدمنا ما أمكن لهم ومن ضمن ما قدمناه حليب الأطفال لعائشة وأبنها. استمرت إقامتهم لأيام في المدرسة، فقد قرر البعض مغادرة مدينتا بينما آثر آخرون  الإستقرار فيها، ومن ضمن من قرر البقاء عائلة عائشة، فوالد زوجها استطاع تامين  بسطة يبيع  الخضروات ليسد حاجة أسرته بمساعدة فاعلي الخير من أهل المدينة  واستأجروا منزلاً لهم. كما ذهب الأطفال إلى المدارس، وبقيت الأم المقهورة من فقدان الولد وضيق الحال، فلا معيل غير زوجها المنهك من خسارة إبنه ومنزله ومدينته، وبعض المساعدات مع عائشة وطفلها التي كانت دائمة الحزن والصمت، وفي المرات القليلة التي تكلمت فيها كانت تريد العودة إلى مدينتها   باحثة عن زوجها الذي ترك على عاتقها عبء تربية طفل لم يره، وعن أهلها الذين زوجوها قبل أن تعرف معنى الزواج.

لكن والد زوجها كان  يرفض الفكرة، لأنه اكتفى من  الخسائر ويريد أن يحافظ على  ما تبقى لديه من أرواح أبنائه و حفيده. مر عامان وهم لا يزالوا في مدينتنا واصبحت تربطنا علاقة صداقة مع الأسرة.

ورغم أحاديث عائشة  القليلة  كنت أعلم أنها غير راضية عن واقعها. ففي إحدى زياراتي لهم كانت عائشة لا تقوى على حراك يدها، سارعت زوجة عمها لتخبرني أن عائشة  وقعت مما تسبب في رضها، نظرت إليها لأرى دموعاً في عينيها تحاول إخفاءها، وصمتها يقول  أن شيئاً أخر قد حدث.

بعد عدة ايام طلبت من حماتها  أن تسمح لها بزيارتي، وخجلاً وافقت. يومها علمت ما كان يجري، حدثتني  عائشة عن المعاملة السيئة التي تلقاها من حماتها.

قالت: “حماتي  تعتبرني نذير شؤم لمنزلهم، لذلك تتحجج دائماً بأتفه الأمور لتضربني وتهينني. حاولت أن أتركهم وأعود إلى مدينتي، لعلي أجد أهلي أو زوجي، لكنهم منعوني وقالوا: (إذا ذهبتي لن نسمح لك ان تأخذي حفيدنا  معك فهو امتداد لولدنا وسيبقى معنا، وانا اليوم عالقة في جحيم لا أستطيع التخلص منه إلا بدفع ثمن كبير وهو ترك ولدي عندهم”.

سالتها: “هل فكرتي في العمل؟”.

قالت: “وماذا أعمل وأنا لم احصل حتى على الشهادة الاعدادية؟ لكني مستعدة لتعلم أي مهنة، وأعتقد وضعنا الصعب  لن يسمح لعمي برفض عملي، مخالفاً بذلك عادات تربى عليها، منها ان الفتاة خلقت للعمل في منزلها و لخدمة زوجها”.

وهكذا بحثنا عن عمل يناسبها، حتى وجدنا أحد المحلات بحاجة لعاملة فيه، ودخلت عائشة  معترك الحياة بطريقة مختلفة، وأصبحت تعلم كم ان مجتمعاتنا مريضة عالقة بأفكار بالية، منها الزواج المبكر، وعدم  تعليم الفتاة، ومنعها من العمل، فهي لو أكملت تعليمها لما اضطرت للعمل في أعمال متعبة وباجر زهيد،  لكن إصرارها على التغيير للخروج من مأساتها، زرع فيها الأمل بالنجاح.

وبدأت عائشة عملها الخاص  في تجهيز ما يطلبه الناس منها من مؤونة لمنازلهم، وكبر مدخولها، وقلت  معاناتها مع والدي زوجها، فبعد أن كانت مصدر شؤم عليهم اصبحت مصدر دخل لهم.

إلى اليوم لا تزال عائشة تسكن في مدينتنا، تقول: “أتمنى أن تحصل كل فتاة على حقها بالتعليم لكي لا تكون فريسة عادات جاهلة، فيزوجوها بسن مبكرة، أنا ربما استطعت تخطي تلك المحن بوجود أشخاص مدوا لي يد العون  ولكن الكثير من الفتيات لا ينجحن في النجاة، ربما ينحدرن إلى ظروف أسوأ وأقسى وربما يصبحن سلعة للتجارة. سأعلم أطفالي أن الفتاة لم تُخلق فقط للمنزل، وأن تزويجها وهي صغيرة جريمة تُرتكب بحقها، نحن رأينا الأجساد تقتل بالرصاص ولكن اليوم علمت كيف كانت الأرواح تقتل قبل الأجساد”.

في مجتمعاتنا المريضة المنهكة يتفرغ القتلة للإجهاز على الأجساد ويتفرغ الشياطين لملاحقة الأراح النقية ومحاصرتها بالعيب و الحرام والمقدس، فقاتل الجسد يقتل بفعلته لكن قاتل الروح لا تدري به البشر إلا بعد أن يعم الخراب.

اللوحة للفنان: عادل داوود

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »