Search
Close this search box.

بين ثقافة الموت وثقافة الحياة

بين ثقافة الموت وثقافة الحياة

إنانا حاتم

تستيقظ مدينتنا المتعبة على ترانيم الحرب وتراتيل صمت مخنوق كل صباح، فكل يوم يزداد عدد النازحين المكدسين على طرقاتها، بوجوههم الشاحبة وذاكرتهم المحملة بالرعب والحزن تكوي قلب المدينة الحجري.

هي المنطقة  الآمنة، وان كانت  قد نجت من نار القصف والقذائف والبارود، لكنها لم  تنج من الاحتراق بفقدان أبنائها، إن كان بالموت أو القتل أو بالهجرة ،  فسكانها يعانون  من خوف يهددهم كل يوم ، بالخطف والموت والغلاء الفاحش الذي يهدد عيشهم وكل تبعات الحرب الأخرى التي تترك المستقبل مشوشاً وغير آمن.

تكتمل لوحة مأساة المدينة بمشاهد أبنائها أنفسهم وهم يقفون متباهين بأسلحتهم، يستعرضون أمام الناس قدراتهم على تعاطي كل أنواع الممنوعات وبوضح النهار.

يقول أبو صفوان  وهو والد أحدهم  : “ياريت متّ قبل ما اشوف ابني هكذا، وطى رأسي بمشاكله وسلوكه السيء!” يختنق صوته بالبكاء ويعود ليكمل : “كل الحق على من سلمهم سلاح وجعلهم يعتقدون أنهم أكبر من الجميع.. وما عاد ردوا على حدا”.

مشكلة هؤلاء الشبان تتعقد مع ازدياد وتيرة العنف، فلقد تم توريطهم ببيع وتجارة الأسلحة والممنوعات، وغدوا أداة بيد من هم أقوى شأناً منهم ، وأكثر عنفا في ظل غياب واضح لدور الشرطة والأمن ، فقد تستوقفك هنا بالشارع الكثير من المشاهد الغريبة ، كرؤية شاب يحمل بيده قنبلة ويلعب بها كالكرة وآخر ينصب( الدوشكا ) بسيارته ، ليحمي خطيبته أثناء خروجها من منزلها!

ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن ما يحصل  هو رؤية الكثيرين  يمشون وحيدين في الشوارع وهم يحدثون أنفسهم بكلمات مسموعة. هو الجنون قد أصاب الجميع ، أو ربما كان حديثهم مع أنفسهم نجاة من هذا الجنون؟

يجتاز أبو ياسر الشارع غير آبه بالسيارات المسرعة وكأنه يستعجل ملاقاة الموت بعد أن فقد ولديه في هذه الحرب .

وعلى جانب الرصيف جلست أم همام تندب حظها،  فلقد  علمت للتو أنها حاملٌ بصبي جديد وقد تحل الكارثة عليها إن  لم تجر عملية إجهاض سريعة،  فعندها سيُطلب ابنها الأكبر للخدمة العسكرية ، هو من  بقي لسنوات ولدها الوحيد.

بدت السيارات المصطفة حول الساحة متعبة مع سائقيها من الانتظار لزبائن لن يأتوا، فما عاد معظم الناس  يجرؤون على الصعود بسيارة أجرة،  بعد أن حصل الكثير من عمليات الخطف. يقول أبو محمود وهو سائق سيارة أجرة قائلا :” إن بقي الوضع هكذا سأبيع السيارة،  كلنا صرنا مهددين، ربما أرتاح أيضاً من وقفة الذل على الكازية”.

هو الشارع ذاته وبالقرب من الساحة ، يصل مجموعة من شباب  البلدة ، حاملين آلاتهم الموسيقية ويبدأون العزف بعد أن يقوموا بتنظيف الشارع  بأيديهم ويضيئون بعض الشموع.

ربما للموسيقى سطوتها كالحرب!  فمن أكثر الأمور غرابة اليوم تلك الفترة التي كان فيها الأهالي يرسلون أولادهم وبشكل لافت لتعلم الموسيقى والرسم برغم ظروفهم المادية الصعبة. قالت إحدى الأمهات مؤكدة: “لازم يتعلم أولادنا الفرح. هذه الحرب جعلتنا طوال الوقت متوترين وغاضبين. أولادنا يستحقون الأفضل. المستقبل لهم. ربما الموسيقى تخفف من سطوة العنف وتجعلهم يستمرون في الحلم ببناء مستقبل هنا ” .

يقول  رامي  وهو مدير أحد المعاهد الموسيقية الجديدة في المدينة  :” عندما افتتحت المعهد لم أكن أتوقع أن يقبل الأهالي على تسجيل أولادهم لأني أعرف تماماً أن الجميع يعاني من وضع اقتصادي متدهور ، لكني فوجئت بان الكثيرين اقبلوا للتعلم. الكل يريد لصوت الموسيقى ان يعلو فوق صوت الحرب ، ونحن نريد لصوت الموسيقى أن يعلو ويعلو أكثر”.

في تلك المدينة الهاربة من الجحيم وفي تلك  الساحة العريقة بآثارها، جذب صوت الموسيقى المارة في الشوارع فاقترب الكثيرون ليستمعوا إلى مجموعة الشباب الذين جهزوا آلاتهم للعزف، لكن فجأة نجح صوت الرصاص البعيد   بجعلهم يتجمدون في الساحة مرعوبين،  فتلك السيارة التي مرت من الساحة أتقن من يركبها إطلاق الرصاص وتخويف الناس!

صرخ سامر وهو صاحب أحد المحلات : “قلنا لكم هذا الزمن ليس للموسيقى وما صدقتمونا. ولك نحنا هون بحالة حرب”.

لن يكون لصراخ سامر الكثير من الأثر فمع ابتعاد السيارة ورشقاتها سيعود كل شيء كما كان ويتجمع  الناس حول الموسيقيين وتصعد سلمى الصغيرة إلى أعلى مكان وسط الساحة وتبدأ الرقص بحركاتها البسيطة الناعمة فتجعل الجميع يصفق لها وسيعلو صوت الموسيقى معلنا حق الجميع في الفرح والحياة .

يقول أبو أحمد وهو النازح للمدينة مع أسرته: “هربنا لعندكم ليعيش أولادنا، خليهن يفرحوا، تعبنا من الحزن ومن الحرب”.

هنا  في مدينتنا يعلو صوت الغناء والموسيقى كما يعلو صوت الرصاص ، لا يزال أهلها الطيبون يجتمعون كل صباح ليجلسوا أمام بيوتهم فيحتسون فنجان قهوتهم ويبدؤون يومهم متحمسين لقراءة كف النهار. هنا لا تزال النساء تصنع مأكولات جديدة من مكونات بسيطة.

تشرح أم هشام لجاراتها طريقة صنع الكباب المشوي من العدس، وهن بكل آذان صاغية، يستمعون ويستمتعون وهي تصف لهم كم هي شهية : “والله نفس الكباب وأطيب، اعملوها وخلوا ولادكن ينبسطوا، حرام من زمان ما ذاقوا أولادنا الكباب”.

لا تزال مدينتنا المطلة على الكون تتشبث بالوقوف على شرفة الحياة  وقد قرر أهلها أن يشكلوا من أبنائهم لجاناً تقف ضد كل من حمل الشر داخله ومحاسبته. وها هي تستيقظ كل صباح  لترتشف الأمل وتنعم بصوت الموسيقى في ساحاتها والذي علا فوق صوت الرصاص والعنف.

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »