الرئيسية / ثقافة / “لمن هذه؟” … انتبه إنهم يشيرون لـ”امرأة”
اللوحة للفنان "سمعان خوام"

“لمن هذه؟” … انتبه إنهم يشيرون لـ”امرأة”

د. صباح ضميراوي

كان البرد شديداً هذا اليوم، فالشتاء رمى ثقله بقوة منذ أيام. ترى كيف سيكون الطقس غداً، حيث ستكون جولة جمانة الخارجية الأولى، ولديها يوم ملئ بالعمل والمخاطر؟ ماذا ستلبس كي يبدو منظرها مقبولاً على حواجز المتشددين؟ من المؤكد أنها ستختار أحد الثياب الفضفاضة، ولن تضع على وجهها أي شي. فكرت أن تعبس عند المرور على الحواجز، وأن تجلس في المقعد وحيدة إلا من خوفها وقلقها.

سرحت جمانة بعيداً، لتتذكر صديقتها ورفيقة طفولتها مرام، التي كانت تعمل في مشروع للدعم النفسي للاجئات في مخيمات النزوح، والتابع لإحدى المنظمات. استحضرت قصة مرام المثيرة والمخيفة والمضحكة في آن واحد. كيف استوقفها حاجز طيار لبعض المتشددين المهاجرين في طريق عودتها إلى البلد المجاور، برفقة فريق طبي إغاثي، كانت ترتدي عباءة سوداء، لكن عندما لاحظوا أنها لا ترتدي الخمار، بل الحجاب الأبيض فقط، جن جنونهم وأنزلوها من السيارة، ثم بدأوا يدورون حولها ويسألون: “لمن هذه؟”، وكأنها سلعة يجب أن يستملكها أحد. وعندما صمت الجميع خوفاً، حاول المتشددون أن يقتادوها إلى محل إقامتهم، عندها تدخل السائق وقال لهم إنها طبيبة وكانت تقوم بواجبها المهني، ووعدهم بأنها لن تعود إلا بلباس شرعي كما يريدون. وافقوا على مضض، وكانت هي خائفة ومنهارة، كيف لم يدافع أحد عنها من رجال الفريق، وكيف صمتو كالنعام؟ ولما ابتعدوا عن الحاجز اعتذرو منها وقالوا: “سيكفرونا”، فقالت: “وماذا لو كانوا أخذوني وكبّر احدهم  علي؟”، ثم ضحك الجميع حسرة وقهراً.

نامت جمانة  ليلتها والهواجس تملؤها من اليوم التالي. في الصباح، وقبل موعد الانطلاق، كانت  تجرب الثياب لترى أيها اكثر احتشاماً. في  السابعة صباحاً حضر السائق، وانطلقت السيارة مع فريق العمل إلى ضاحية قريبة نزح إليها الكثيرون بسبب القصف الشديد. كانت الخطة تقتضي وضع القوائم وتسجيل دفاتر العائلة لكل النازحين في ذلك المخيم حيث يتوجهون، وبعدها سيتم توزيع بعض المعدات لهم لزوم المنامة والاغطية، التي ستقيهم، وغالباً لن تقيهم، برد هذا الشتاء القارس.

كم كانت الطبيعة جميلة، فالأشجار على جانبي الطريق، والسهول الممتدة إلى مالانهاية كانت تُشعرها بالارتياح. بدات زخات المطر تتوضع على أغصان الأشجار وكأنها لؤلؤ جميل براق، والألوان الخضراء بكل تدرجاتها مع لون التراب ورائحته الاخاذة كانت تمنحها شعوراً أخاذاً بجمال هذه الارض. فتحت النافذة قليلاً، كانت رائحة التراب المبلل بالمطر، والتي تعشقها تملأ المكان، وبدأ الجميع بالغناء: “جنة جنة جنة … إنت  يا وطنا”. تخلل الغناء الحماسي بعض الدموع لمن فارق بيته أو بستانه أو مزرعته، ولديه احساس شبه اكيد بانه لن يعود. ثم تذكرو يوم كانوا يهتفون:  “سلمية … سلمية”، وهم يسمعون أصوات الرصاص.

والجميع  في ذروة هذه الأحاسيس الجياشة، طلب منهم السائق الهدوء لأنهم سيمرون على حاجز قد يعتبر الغناء حراماً، وقد يُطلب منهم التوقف. ارتفعت يد الملثم تطلب من السائق التوقف، توقفت السيارة وباغت الملثم السائق  بسؤال: “هل لديك سلاح؟”، وطلب منه أن يفتح باغاج السيارة ليتأكد. قال السائق في نفسه: “وكأن من يحمل السلاح سيمر أمامك، كم أنتم اغبياء وجهلة”. وافاق من شروده على صوت الملثم ثانية: “قلت لك افتح الباغاج، ألم تسمع؟”. ولما اطمأن الملثم، الذي يحمل بارودة قديمة، بان السيارة لا يوجد بها سلاح سمح له بالمرور، وعادت الأصوات لترتفع بالغناء الحماسي من جديد. ثم بدؤوا بأغاني فيروز الصباحية، التي تنعش الروح. تارة كانوا يضحكون ويصفقون، وتارة تتساقط الدموع لذكرى بيت أو قريب أو حبيب غاب وغالبا لن يعود. ولما وصلو إلى المكان المنشود توزع الفريق وبدوؤا بالعمل وتسجيل البيانات، ليتم فيما بعد توزيع المطلوب. أحضر المسؤول عن المخيم دفاتر العائلة ليتم تسجيلها حسب الأصول،  وتنظيم القوائم ليتم التسليم فيما بعد. وبينما هم منهمكون في عملهم، دخل شاب وطلب منهم ان يحصل على حصة مما يوزعون، فاجابته جمانة: “هل تقيم في المخيم؟”، تجاهل سؤالها وقال: “أريد حصتي”، أجابته بهدوء: “هذه المواد لمن يقيم في المخيم، ولديه دفتر عائلة، وليس لعامة الشعب، لأنهم بحاجة ماسة إليها أكثر بعد أن فقدوا بيوتهم وأرغموا على ترك ديارهم”. نظر الشاب إليها شذراً وغادر المكان.

تابع الفريق عمله بالتسجيل والتدقيق. كانت الأعداد كبيرة  ستستغرق منهم وقتاً طويلاً، ولكن هذا أحد شروط الممول، التوزيع بدقة وللمستحقين وهم فقط ضمن الخيام. وبعد فترة ليست بالطويلة دخل فريق الحسبة إلى المكان وبدؤوا بالتفتيش والمراقبة ولما رأوا جمانة، استعاذوا بالله وبسملوا وحوقلوا، ثم بدأ الحساب بالسؤال أولاً إن كان معها محرم، بمعنى هل يصطحبها أب أو اخ أو زوج؟ فأجابوهم: “هو لا يعمل معنا”.

وبعد فترة صمت طويل والنظر إلى جمانة من عاليها لأسفلها، انتقدوا لباسها رغم انه محتشم، وحجتهم أنه ليس لباساً شرعياً، أي لا تردتي عباءة سوداء فضفاضة تخفي ملامح الجسد، ونقاب يغطي وجهها، كله عدا العينين. وهنا تدخل مسؤول المخيم، وهو ابن المنطقة نفسها وقال: “هي متحجبة ولباسها محتشم، والجميع هنا في المنطقة يرتدي مثل لباسها وليس لدينا عادة ارتداء الملابس الشرعية التي تطلبونها، كما ليس من عاداتنا أن يمشي  محرم مع المرأة في تنقلاتها، ونحن فريق كامل فيه شباب من كلا الجنسين، وهم يعملون لخدمة النازحين المتضررين”.

لم يعجب حديثه رئيسهم، فبدأ بالصراخ والاستغفار وهو يقول: “لا بد أن نأخذها معنا للمحاسبة وتعليمها كيف تلبس، وكيف تخرج”. فتدخل أحد أعضاء الفريق، وكان سريع البديهة، وقال لهم: “لا بأس سنلحق بكم فوراً، ولكن سنذهب بسيارتنا، فنحن مسؤولون عنها أمام اَهلها”. فقبلوا. لكن الشاب لم يلحق بهم، بل طلب من السائق أن يوصله إلى بيت احدى قريباته في القرية المجاورة، وأنزل جمانة، ثم عاد إليهم ليخبرهم بأن أباها قد حضر وأعادها معه ولم يرض أن تحضر ابنته اليهم.

وهناك رأى الشاب الذي حضر اليهم يتوارى داخل المكان. وبدأوا يتوعدونهم إن رأوها ثانية فعقابهم سيكون شديداً، لأن سلوكها مخالف للشرع كما يدعون. انتظرت جمانة في منزل القريبة حتى ساعة متأخرة من النهار، ولما حل الغروب أحضروا سيارة ثانية غير سيارتهم وتسللوا في طريق العودة بحذر، وهم بين ضحك وقلق وقرف وخوف.

كانت الطريق خالية من الحواجز ومن السيارات والظلام يبعث على الخوف الشديد، وكانت جمانة  تذرف الدموع طيلة الطريق، وتحاول ان تطمئن اَهلها بأنها بأمان وأنها في طريق العودة اليهم. تملكها خوف من أن يحرمها والدها بعد هذه الحادثة من العمل الذي أحبته ووجدت إنسانيتها فيه، وكيف ستقنعه بذلك؟

كانت تعلم أن عائلتها بحاجة لعملها، لكن امانها وسلامتها أهم عندهم. وذهبت مخيلتها ثانية لصديقتها مرام، ولما تذكرت أنها ماتزال على رأس عملها تفاءلت ورسمت احلاماً جميلة لوطن بلا عنف وبلا قيود.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

سحر حويجة تكتب عن “المرأة السورية في ظل النزاع”

سحر حويجة تعتبر الحروب أحد أشكال العنف السياسي، يتولد عنها مباشرة، أشكال متعددة ومختلفة من …

اترك رد