خمار

د. صباح ضميراوي

كانت تقود سيارتها بحذر على طريق شبه ترابية في طريقها إلى حيث تعمل. على الطريق قرأت لافتة كتب عليها “مشفى الصحة النفسية”، فأحست برغبة في الضحك والبكاء معاً، وتساءلت: “هل  نحتاج مشفى للصحة النفسية أم مشفى للجراحة، التوليد أو   الأطفال؟” ثم استدركت: “أم نحن بحاجة لمسكن أو حديقة أو ملعب بعد كل مامر بِنَا؟”. بعد قليل  قرأت لافتة كتب عليها “دار أيتام وبناء مسجد”، وفكرت كم أصبح عدد الأيتام والأرامل والمعاقين والمشوهين، وهل يحتاج الأيتام مسجداً أم مدرسة؟

على جانب الطريق، وبالقرب من دار الأيتام كانت تقف أمرأتان مخمرتان والسواد يغطي كل مافيهما. كان البرد قارساً، وقد بدأت زخات المطر بالتزايد والطريق شبه خالية إلا من بعض الرعيان مع  أغنامهم وحمار يجبرونه  على المضي بالعصا. أشارتا لها بالوقوف، ترددت، لكن الطفل الذي تلفه إحداهما في هذا البرد القارس جعلها تتخذ قرارها لتقلهما في طريقها إلى القرية المجاورة.

في الطريق قالت لهما: “لولا الطفل لما وقفت لكما”. تساءلت الكبرى: “لماذا؟”، أجابت بعد تفكير طويل: “بصراحة وبكل صدق، ولا تؤاخذيني على ما أقول، هذا الخمار يخيفني في زمن الخطف والسرقة والفوضى. قد تكون إحداكما رجلاً مجرماً متخفياً بزي أمرأة،  أليس كذلك؟”. أجابتها الكبرى: “ربما معك حق”. واستدركت: “ثم متى كنّا نضعه في بلدنا بالله عليكما؟”، أجابت التي تحمل الطفل: “معك حق ونحن لم نكن نضعه عندما كنّا في مدينتنا. صحيح  كنّا  محجبات، ولكن من يدعم هذا الميتم يضع شرطاً لنا وهو عدم خروجنا وحركتنا بدون خمار وإلا نصبح في الشارع، وأنا أرملة وعندي ٧ اطفال فماذا افعل؟”. ثم التفتت إلى مرافقتها وقالت: “إنها ابنتي وعمرها ١٣ عاماً، وهي أيضاً لا يُسمح لها بالخروج دون خمار ونقاب، بينما كانت منذ عام فقط تلعب في بلدتنا  مع الأطفال في الشارع”.

سألتها: “ومن يدعم الميتم؟” ردت الأم: “رجل سعودي قلبه لله. وعلى فكرة نحن  نحضر الدورات الشرعية باستمرار لأنهم يجبرونا عليها وعلى الصيام والصلاة، ونحن  مجبرين على تنفيذ ما يريدونه وإلا فالشارع مكاننا. كيف كنّا وكيف أصبحنا. كان زوجي عاملاً بسيطاً ونشطاً،  وكان لاينقصنا شي على حياته. صحيح أننا لم نكن في بحبوحة في عيشتنا، لكن الحالة مستورة، ولم ننم يوماً ونحن جوعى أو محتاجين. لكن وبعد استشهاده برصاص قناص على مدخل حينا بتنا نحتاج كل شيء بدءاً من أجرة المسكن  والملبس وثمن الحكمة والدواء.

“لم يكن أحد من أقربائنا موجوداً، الكل نزح أو جرح أو قتل. وعندما أخرجونا قسراً من بيتنا بسبب كثافة القصف، وضعونا في مخيم للنازحين حيث البرد في الشتاء والحر في الصيف. في الصباح يرسلون لنا ربطتي خبز من إحدى المنظمات لتأتي منظمة ثانية وتضع لنا برميلاً فيه طعام مطبوخ في فترة الظهر  ليتقاسمه أهل المخيم كلهم بإشراف مدير، والعياذ بالله لا يعرف الله، أما السلة الشهرية فقد تأتي وقد لا تأتي والأمر مرهون برضى المدير علينا وفهمك كفاية. وبسبب الحاجة، أرسلت أولادي الصبيان للتسول في البلدة المجاورة، وبعدها  بدأوا ببيع البسكويت أو المناديل من تاجر جملة كانوا يعيدون إليه بضاعته التي لم تبع في نهاية اليوم لقاء أجر لا يكفي لإحضار الخبز.

“وعندما جاءت إحدى الجهات إلى المخيم وسألوا هل يوجد فيه أرامل وأيتام، كانت فرحتي لاتوصف لأَنِّي سأرتاح من تأمين كل شي في الوقت الذي لا أملك فيه أي شي. لم أكن اعرف أنني سأنتقل من وضع سيء إلى أسوأ. وهكذا سجلت، وبدون تردد، اسمي وأسماء أولادي السبعة وانتظرنا  وطال الانتظار. وبعد الكثير من الأسئلة والتأكد من موت زوجي برصاصة قناص وبأنه لا معيل لنا غيره نقلونا إلى هذا الميتم، عفواً السجن الذي نقيم به مع عشرين عائلة غيرنا. وهم يبنون قربنا مسجداً ليكون مدرسة شرعية لأولادنا، ويقولون انهم سيبنون المزيد من البيوت لاستقبال عائلات لشهداء آخرين”.

لم تستطع إكمال الحديث معهما لأنهما كانتا  قد وصلتا إلى وجهتهما. راحت بعدها بتفكيرها بعيداً … إلى مؤتمر نسائي كانت قد حضرته منذ أيام لتمكين النساء، فشعرت بالدوار وذهبت بها الذاكرة إلى الكثير من النساء اللاتي لم يتعلمن وليس لديهن مهنة يمارسنها ومع ذلك أصبحن معيلات بدون مورد. نساء قادمات من مختلف المناطق المجاورة، ومختلف القصص عن حاجتهن للعمل وعن التحرش بهن واستغلال حالة العوز التي يعشنها.

تذكرت وفاء القادمة من وسط البلاد مع اطفالها المعاقين لأنها تزوجت من قريبها، والذي تزوج عليها من غريبة عن العائلة ليأتيه أطفال أصحاء، وابنها الوحيد غير المعاق، الذي طُردت بسببه من  المخيم لانه قد بلغ الرابعة عشرة من عمره، والشرعي لا يحلل وجوده مع النساء. مما اضطرها للإنتقال إلى مخيم آخر للعائلات وليس للنساء فقط.

وتذكرت نورا التي تعمل لدى عائلة حيث تعتني بمريضتهم المقعدة، وكيف تترك ابنتها طوال النهار لأنهم لايسمحون لها بإحضارها معها. ولن تنسى كيف هربت من بيت كانت تنظفه لأنها اكتشفت أن صاحبه أحضرها فقط ليتحرش بها، وكيف أخذت بالصراخ حتى سمح لها بالخروج، وكيف تتقاسم الأجر مع إحداهن كي تبقي ابنتها عندها.

تذكرت صفاء القادمة من العاصمة، والتي تعمل لتصرف على أبناء أخيها القصر بعد استشهاده وليس لهم معيل غيرها. كانت ممرضة وذنبها أنها أسعفت المتظاهرين في بلدتها، والآن لم تستطع تأمين عمل لها بالتمريض. ولما فشلت فتحت في خيمتها مكاناً لبيع مستلزمات العائلة وأكلات بسيطة للأطفال.

أما أم خالد فلها قصة غريبة، كانت تعبر كل يوم إلى تركيا  لتعود إلى المخيم مصطحبة معها الدخان والدواء. وعندما تم إغلاق المعبر اضطرت للبقاء في المخيم ورضيت بالزواج من رجل كبير كي تساعده ويعيلها.

قصص لا نهاية لها لم يخرجها من دوامتها سوى وصولها إلى مكان عملها.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

تسول أم مجرد امتداد للحرب؟

سلوى زكزك على أوتوستراد العدوي تقف بنية في حوالي العاشرة من عمرها، قُصّ شعرها على …

اترك رد