الرئيسية / تقارير / حكايات من سوريا

حكايات من سوريا

 

سلمى الدمشقي

حكاياتنا في سوريا لا تنتهي ومأساتنا تتفاقم كل يوم بأشكال وقصص جديدة، النزوح والهجرة دمرا  بنية الأسر وفكّكا العائلات، وكان لهما الأثر الأكبر والمدمر على الأطفال الذين عايشوا سنين الحرب هذه.

وسنحكي اليوم عن قصة نادٍ صيفي متواضع ضم حوالي خمسين طفلاً من الأسر النازحة إلى إحدى مناطق ريف دمشق، وبرغم أن هذا النادي يعتبر جيداً بتقديم خدماته إلى الأطفال وتغلب السمة التطوعية على كادره، الأ أن الأطفال المسجلين به، وربما من باب الصدفة أو لأن الواقع السوري أصبح كله مأساوياً، كان لأغلبهم قصص موجعة تربك الكادر وتجعله يقف عاجزاً أمام ما يراه ويسمعه من أطفال لا يتجاوز أكبرهم سناً الثانية عشرة.

في إحدى جلسات الرسم الحر طُلب من جميع الأطفال أن يرسموا ما يخطر على بالهم ويلونوه، إحدى الطفلات التي لم تتجاوز عامها الثامن رسمت سفينة وطفلاً غارقاً وبحراً أحمر اللون، وعندما وضحت لها المشرفة أن البحر لونه أزرق أجابتها بحسم: لا … البحر لونه أحمر…

وفي جلسة أخرى تم الطلب منهم أن يتحدثوا عن أكثر شيء يحبونه، وكانت اللحمة والفواكه وطبخة المحاشي هي المشترك بين أجوبة الأطفال، وكلنا نعرف أن بيوت النازحين وبسبب غلاء الأسعار لا تحوي هذه الأشياء وبالتالي  أصبحت حلماً للأطفال.

أيضا فتاة أخرى لم تتجاوز الثامنة قضت الأسبوع الأول في النادي وهي ترفض اللعب مع باقي الأطفال وتتعامل بعدوانية شديدة مع الجميع، ومن  يحاول التقرب منها تقوم بضربه أو إيذائه. استخدمت كل أنواع النشاطات التفاعلية معها في محاولة لدمجها مع باقي الأطفال وكان تجاوبها بطيئاً جداً، وعندما استطاعت المشرفة أن تلتقي بوالدتها، وبعد محاولات عديدة معها حكت قصتها والتي هي للأسف مشابهة لقصص كثيرة. والد الفتاة وأخواها الكبيران مفقودان منذ سنتين والمسؤول عن الأسرة هو الأبن الذي عمره الأن خمسة عشر عاماً ولديه هذه الأخت وأخوان آخران أصغر منها، ترك المدرسة ويعمل طوال النهار أجيراً بمهن متعددة، وعندما يعود مساءً  متعباً يقوم بضرب أخته لأنها البنت التي يجب أن ترعى أخويها الصغيريين، وتقوم بأعمال المنزل وتساعد أمها التي تقوم هي الأخرى بالحياكة في منزلها لمساعدة ابنها في مصروف البيت.

الأم تعرف أن ابنها يسيء معاملة أخته ولكنها لا تستطيع الاعتراف بهذا ولا تستطيع مجابهته أو إيقافه فهو رجل البيت والمنقذ للأسرة من الجوع والتشرد، وطبعاً هو أيضاً فقد طفولته مبكراً جداً وتعرض لعنف الشارع وقسوة العمل الشاق ولا يجد متنفساً لغضبه إلا بضرب أخته.

ثلاث فتيات في عمر الحادية عشرة لا يعرفن حتى كتابه اسمهن قضين أربع سنوات من الحصار في ريف حلب حيث لا توجد دراسة ولا مدارس، أتين ولديهن رغبة واضحة في التعلم وتعويض ما فاتهن، ولكن الحصة المفضلة لديهن هي قراءة القصص مثل سندريلا وبياض الثلج حيث الأندهاش يكسو وجوهن البريئة وهن يرين الصور الملونة للأميرات والفساتين المزركشة. لا يتذكرن أي قصص طفولية شاهدوها أو سمعوها سابقاً، ولم يشاهدن حتى التلفزيون حيث الكهرباء مفقودة والسنوات الست السابقة هي سنوات تشكل الوعي والمعرفة للطفل ولا يوجد في ذاكرتهن غير الخوف والظلمة والقصص المرعبة.

طفل آخر في عامه السابع أتى في أحد الأيام وآثار الحروق على يده وعندما سألته المشرفة عن الحرق أجاب ببراءة عذبت ماما مبارح حرقتني بالخاشوقة… وعندما شاهد علامات الرعب والأستغراب على وجهها قال لها لا تخافي أنا متعود على ماما لما بتعصب… وطبعاً والدته تشتغل في تنظيف البيوت لإعالة عائلتها لأن الأب مفقود وعندما تعود إلى بيتها مساءً مرهقة من تعب النهار لا تجد غير أطفالها مخرجاً لغضبها وتعبها بهم.

طفل آخر في الثانية عشرة من عمره رسم حديقة تعبيراً عن المكان الذي يكرهه وكان جوابه أنه يكره الحدائق لأنه نام بها ليالي كثيرة أثناء النزوح وقبل أن تستقر عائلته في هذا المكان وطبعاً في بيت على الهيكل.

طفلتان أختان رسمتا البيت ذاته الذي يكرهانه وكان هو بيت عمهم الذي نزحت عائلتهما إليه بعد قصف بيتهم ولما طال بهم الوقت كان العم يضربهما لأنه هو الأخر ضاق بكثرة الأولاد في بيت لا يسع عائلته لوحدها فكيف مع باقي أطفال العائلة.

طفلة في الثانية عشرة من عمرها ترفض أن تشارك بالنشاطات الجماعية وتفضل أن تبقى وحيدة منزوية وشاردة برغم إصرارها على الدراسة والتعلم، وبعد الحديث المطول معها من قبل المشرفة المختصة استطاعت أن تكتشف أنها تعرضت للتحرش والضرب من أحد أقاربها مما جعلها تفقد الثقة بالجميع.

أغلبهن صبيان وبنات يصمن في رمضان وبرغم الحرارة والتعب يواصلن الصيام. واللافت للانتباه أن الصبيان يرفضون الألعاب المشتركة مع البنات وخاصة الرياضية والبنات يخجلن ويبتعدن، وتم بذل مجهود كبير لخلق ألعاب مشتركة محببة للأطفال لتعويدهم على اللعب معاً بغضّ النظر عن الجنس.

الفقر الشديد والمدقع ينعكس جلياً في ثياب الأطفال الرثة وأحذيتهن المهترئة  لذلك نرى أن الإنطوائية والخجل هما الصفة المشتركة لأغلب الطفلات. والعنف والضرب هما الصفة المشتركة لأغلب الأطفال.

أمهاتهن أيضاً ترتسم على ملامحهن خيوط التعب والإرهاق وتحفر أخاديدها في جباههن وعيونهن، كل منهن لها قصة موجعة، لا توجد عائلة لم تفقد أحداً من أفرادها، كلهن فقدن الزوج أو الأخ أو الأبن وأحياناً أكثر من فرد في العائلة نفسها مفقود أو معتقل أو مهاجر، يواجهن المجتمع الجديد والبيئة الغريبة عن بيئتهن بكثير من التحفظ وأحياناً العدائية، كثير من الوقت والجهد يُبذل لنيل ثقتهن، لكنهن عندما يثقن يبحن بأسرارهن ويحكين ببساطة عما شاهدوه وما مر بهم، أغلبهن أميات لا يعرفن القراءة أو الكتابة ولم يعملن سابقاً، وقد فقدن تحويشة العمر في سنوات النزوح لذلك لا يجدن أمامهن من عمل غير تنظيف البيوت والخياطة وأعمال الصوف والكروشيه، وكل هذه الأعمال تستهلك الكثير من الوقت والجهد ومردودها المالي قليل، إحداهن لجأت إلى الدعارة لكسب رزقها وطبعاً لم تفصح عن هذا، لكن كثيراً من المؤشرات تدل على عملها الجديد.

هذه القصص مجرد عينة من مجتمع سوري ينوء بقصصه وهمومه ويحتاج للكثير الكثير من العمل والدعم من قبل جميع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني  العاملة في البلد حتى لا تتفاقم الأزمة إلى حد لا يمكن معه الإصلاح وحتى لا يتحول هؤلاء الأطفال إلى مجرمين في المستقبل.

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

شاهد أيضاً

“ما بيسكت صوت المرا العالي غير الكف” …

دمشق – سلوى زكزك ملأ المكان صوت ارتطام الكف الخشن الكبير على وجه الفتى، فقط …

اترك رد