الرئيسية / ثقافة / طفولة مجروحة

طفولة مجروحة

إنانا حاتم

تناثرت ملائكة الفرح أمام عينيّ ورقصت للتو أمنياتي، إنه حلمي الذي طالما راودني وأقضَّ مضجعي، وغافلني مرَّات ليرتسم  أمامي، فبدا كسلم  يتعربش  عليه الياسمين وتتكئ عليه العصافير المتعبة.

مع ذلك الاتصال، تنسمت فرحة الوصول للبعيد، عندما أتاني  صوته مغرداً وكأنه قادم من مواسم الحصاد: “مبروك لقد تم اختيارك كمعلمة مميزة تعلّمين الأطفال، أنتِ ومعك أربعة آخرين … ستسافرون معاً لإتمام المنافسة هناك بالعاصمة”. وضعت سماعة الهاتف غير مصدقة، شعرت بنشوة لامست أعماق روحي. لازالت تلك الكلمات بأذني  تعزف لحنا من فرح  وترسم  برأسي دروباً للأمنيات.

أخيراً هناك من يقدر عملي، رغم أني لم أسعَ لذلك يوماً، فمحبة الأطفال كانت أجمل الأشياء في حياتي والتعامل معهم وتعليمهم أعتبره هدية الله لي، ورسالة أخط سطورها بمحبة.

فجأة تذكرت بيتي وأسرتي … كيف سأتركهم وأبتعد عنهم؟

 لكن سطوة الحلم التي كانت أقوى تأثيراً ,جعلتني أكثر إصراراً، لذلك جمعت أشيائي وأفكاري وكلمات من حولي، ابتساماتهم وبعض نظراتهم، لملمت كل تلك المشاعر، رتبتها بحقيبة سفرٍ لتكون زادي هناك، وانطلقت مع زملاء لم اعرفهم جميعاً، وعبر حافلة كانت تهتز بنا، فنضحك أحياناً ونرتاب أحياناً!

 فالطريق كثيرا ما كانت محفوفة بالمخاطر في هذا الوقت وبهذه الأجواء العصيبة من الحرب، وكأننا جميعاً قررنا أن نركب قارب من سنديان الحظ شراعه الأمل ومنارته أرواحنا.

بعد مسير ساعات استوقفتنا فيها الكثير من الحواجز المختلفة اللون والشكل والمزاج، وعلى مرمى من أمنياتنا، استيقظت المدينة المثقلة بالجراح. كانت تحاول الوقوف متعبة لاستقبالنا نحن وضيوف غصّت الشوارع والبيوت بهم، فبدت خائرة القوى!

إنها الشَّام … صاحت إحدى الزميلات متلهفة بغصة: “ياإلهي شو اتغيرت”.

أصابنا جميعا الذهول، فكل شيئ كان يبدو شاحباً، الشوارع باهتة والبنايات مرهقة  والأشجار عطشى للفرح.

وعندما غافلنا أحد  الباعة بصوته المبحوح: “تعال اشتري … كلو للبيع ما عاد في شي إلا و انباع”، أيقظ بصوته داخلي مارداً من حزن، إذ كان يبيع أغراض بيته الذي سقط أمامه!

أغمضت عينيّ محاولة أن استرجع من ذاكرتي الوردية صورة الشام متذكرة صوت فيروز (ياشام عاد الصيف) وقاسيون  ورحلات علا فيها صوت الفرح.

إلى أن هزتني زميلتي محاولة  تنبيهي أننا وصلنا إلى المدرسة التي سنقوم بالتعرف على تلاميذها وتعليمهم، فتنفست الصعداء لعلي برؤية الأطفال استعيد توازن روحي.

دخلت المدرسةَ متلهفة، فاصطدمت عيناي بمعلمة تحاول أن تنظم دخول التلاميذ بعصاً ثخينة، فتصيبهم  بضربة قوية بالتسلسل، حاولت أن أبعد نظري، لكن عصاها الطويلة كانت أطول من صبري، فركضت إليها سائلة: “ليش عم تضربيهم الضرب ممنوع؟”. لكنها لم تعر سؤالي اهتماماً وتابعت غير مكترثة لكلامي إدخالهم … كالماعز!

استجمعت أنفاسي ونفضت عني غموض المشهد.

ابتسمت عندما اخبرني المدير أنه حان موعد الدخول إلى الصف، أخيراً سألتقي بالأطفال وسأنسى كل شيء!

خطوة …خطوتين  وهاأنا أمامهم. إنهم أطفال الصف الأول، ما أجملهم!

وقفت على المنبر لأراهم جميعاً، فعددهم الكبير جعل الصف يكتظ بهم، بدت وجوههم شاحبة ونظراتهم مشتتة. قررت أن انظر بعيونهم لأجعلهم  يبتسمون لابتسامتي وأتنفس معهم بهدوء وصمت لأجلب لهم بعض السكون، لكن الضجيج  الذي يحيط ويخنق المكان كان أقوى.

 عيونهم لا تزال معلقة بالفراغ وأصابعهم التي جعلوها  على شكل صليب مع أفواههم، وكأنهم قرروا عدم الخوض بحديث لم يبدأ بعد!

قلت بصوت هاديء: “حبايبي شيلو أصابيعكم عن تمكن انا بدي  اسمع صوتكن”، لكن عبثاً.

لعل اللعب وحده يحررهم  من قيد لم اعلم سره إلا بعد ان قالت لي معلمة الصف أن أغلبهم نزح من مدينته مع أهاليهم هرباً من الموت، هيئتهم ولباسهم دل على سوء حالهم!

ولأكسر حاجز الخوف، بدأت بلعبة التعارف، فبدأ الأطفال بإخباري عن أسمائهم ومهنة والد كل منهم. تفاجأت  عندما صاح أحد التلاميذ بصوت مخنوق: “أنا ما بعرف أبي  شو بيشتغل لأني ما بعرف وينو”. واقترب الثاني موشوشاً: “أبي متخبي مابيقدر يطلع من البيت ليشتغل”.

واصابتني رصاصة المفاجأة عندما قالت طفلة: “أبي بيحمل سكين”، قلت: “آه يعني ابوكي لحام؟”. قالت بثقة: “لا … أبي بيحمل سكين ليدافع عن حالو”.

 وكان كلما أنهى احدهم إجابته يعود ويضع أصبعه لإغلاق فمه، وكلما ازدادت إجاباتهم الغريبة كان يزداد حزني وخوفي عليهم.

قررت ان أوقف اللعبة وأبدأ لعبة تفرحهم. نجحت بجعلهم يضحكون بعد أن لعبت معهم، وأخيرا اتفقت معهم أن يبعدوا أصابعهم الصغيرة: “هاي  أصابيعكم الله خلقها لتكتب وترسم، لا تسكروا تمكن فيها … احكوا، لا تخافوا”.

انتهت الحصة. شعرت بأنني نجحت بكسب  محبتهم عندما طلبوا مني البقاء أكثر، فوعدتهم مطمئنة: “سأعود لكم بعد عدة أيام  وسنلعب ألعاباً كثيرة، انتظروني”.

عدت لبيتي، حاولت أن أعصف ذهني، أريد أن أرى الفرحة بعيون هؤلاء الأطفال، فجهزت لهم بعض الألعاب والمفاجآت.

لم يعد يهمَّني أمر تلك المسابقة، الأهم أنني سألتقي بهم مرة أخرى وأخلّصهم من بعض مخاوفهم.

أتى موعد اللقاء الأخير، وهاهم  جالسون ينتظرون البدء بالدرس. قررت أن ابدأ بعرض اخترته ليثير حماستهم وفرحهم، فاختبأت خلف ستارة لم يظهر من جسدي سوى يداي وقد ألبستهما  دميتين جميلتين، بدأت الدمى  تتحدث معهم، بحوار كنت قد أعددته ليرسم المتعة على شفاههم، والأمل والسلام بأرواحهم.

لكنهم لم يتجاوبوا معه، قلت لنفسي: “لعل صوتي لا يصلهم جيدا”.

رفعت صوتي … لكن  لا إجابة منهم.

يا إلهي ما المشكلة؟

أنهيت العرض مختصرة الحكاية وخرجت من وراء الستارة بقلب باهت لاستطلع الأمر، وياللمفاجأة!

نعم … كيف سيجيبون وهم عاجزون عن ذلك، فالأصبع المصلوب أمام أفواههم عاد ليخنق الكلمات والإجابات، ويخنقني!

جمعت أشيائي ,والدُمى الحزينة ورحلت مبتعدة عنهم. حاولت أن أضبط إيقاع قلبي على تراتيل صمتهم المخنوق مودعة مدينة  حطمت  الحرب  أسوارها  وشتت الحقد براءة أطفالها، فوقف الزمن راكعاً  على أبوابها.

ولا زلنا ننتظر  أصابع الشمس كي ترفع  الستارة عن الحق وتحرر ذلك الأمل المصلوب.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

ذاكــــرة الـــورق

منتهى شريف كانت تقلب بالمحطات عندما صادفت وجهه أمامها, اقتربت من الشاشة غير مصدقة. “إنّه …

اترك رد