Search
Close this search box.

ما أصابتهم من علل … قصة موت بطيء

ما أصابتهم من علل … قصة موت بطيء

وجيهة عبد الرحمن

في مخيمات اللجوء قصص لايمكن استيعابها، مخيمات تأسَّست لتكون ملاذاً آمناً  للسوريين الذين توزّعوا في كافة أنحاء العالم، بحثاً عن مكان يقيهم الموت، الطريق التي سلكوها لم تدَّخر جهداً في إزهاق أرواحهم، فالموت الذي هربوا منه في سوريا كان في انتظارهم، في البحر والبرِّ والغابات المترامية الأطراف.

حين لجأ السوري إلى المخيمات أو هرب إلى الدول الغربية، هل كان بمأمن من نفسه التي تحوَّلت إلى آلة قتل بطرق غير اعتيادية، أتساءل هنا هل يختلف موت عن آخر طالما النهايةُ نهايةُ إنسان كان يمشي ذات يوم في مناكب الحياة، غير مبالٍ بالأمس الذي قد يحمل إليه نهاية لم تكن بالحسبان، نهاية أشد إيلاما( الموت المجازي) كيف لا وقد أصيب بشتى صنوف الأمراض النفسية التي انعكست على حياته فأودت بعضها بعمره، والبعض الآخر غيَّرت مجرى حياته باتجاه المعاناة إلى الأبد، كما هذه القصص:

السيد(ك) لم يكن يشكو أيَّة علَّة أو مرض قبل مغادرته البلد، وفق شهادات كثيرة من أترابه الذين كانوا يسكنون معه في الحي ذاته، فهو ينتمي إلى أسرة معروفة في البلد، لكنه فيما بعد تحوَّل إلى وحش آدمي، يغرس مخالبه في عنق زوجتيه، وهذا ما لم يكن بالحسبان. يقول ودموعة تسيل بغزارة: “مابعرف ليش هيك بساوي”. حتى هو نفسه غير راضٍ عما يقوم به من سلوك يخالف شرع الله في التعامل مع الزوجة، التي هي أمانة مودعة لدى الرجل، ما أن تتحوَّل ملكيتها إليه،إذ أن المرأة في بعض الأوساط في مجتمعاتنا الشرقية لاتزال سلعة أو بضاعة، يصبح مسؤولا عنها من يمتلكها.

 ولدى التحدث إلى زوجتيه السيدة(ن) والسيدة(ع)، لم تدَّخرا جهداً في إخفاء ما أصابهما من مرض ربما لن تشفى منه الواحدة منهما، وخاصة الزوجة الثانية (الجديدة) والتي أقدمت على الانتحار أكثر من مرة، فقط لتضع نهاية للعار الذي لحق بها منذ زواجها بالسيد( ك)، تقول: “والله مابيستحي، شو هاد”، تبكي بصوت عالٍ، ثم تستأنف: “أنا مابقى بدي عيش معاه، الحمد لله ماعندي أولادي”، ثم تابعت، “أنا بخاف الله ياجماعة”.

تزوج السيد( ك) بزوجته الثانية منذ أقل من عام، بينما كان في إحدى مخيمات اللجوء في تركيا، ولكنَّه لم يمنحها الكرامة التي كانت تحلم بها، والتي تزوجت لتنالها، على أن زواجها  وهي في المخيم سيقيها الحاجة وفقدان الكرامة، ولدى التحدث إلى الزوجة الأولى( القديمة) السيدة(ن)  كما يصفها الناس، رفضت التكلم بوجود أي شخص، خجلاً مما آلت إليه أحوالها بعد أن تزوج زوجها بامرأة أخرى أصغر منها سناً وربَّما أجمل كما قالت: “هي أصغر مني وأحلى، بس يحبني مثلها”.

قالت السيدة(ن) الزوجة القديمة للسيد(ك) أنا لم أقف في طريق زواجه، ولكن أن يتحوَّل هذا الزواج بعد عدة أشهر إلى عاااار، فهذا مالاأطيقه ولاطاقة لي باحتماله:

_ شوهالزلمة، والله ماكان هيك، قالت بصوت منخفض وقد نكَّست رأسها، بدت على وجهها علامات السخط من كونها أنثى في زمن باتت فيه المرأة مرهونة بشرطها الأنثوي، وكل حياتها مرتبطة بأعضاء انثوية قد يستخدمها البعض للنيل من نفسه، أو من الزمن أو المرأة ذاتها، أعضاء قالت عنها السيدة( ن) :

_ يعني قطعة لحم بحجم الخمسين غرام  تقدر تخرِّب الزلمة، وتخليه فاين.

كل القصة أن السيد(ك) كان رجلا سوياً لايمكن الشك بقدراته العقلية ولا اتزانه، الذي كان مضربا للمثل عندما كان في سوريا، وقبل النزوح إلى تركيا،  كان رجلا ودوداً يحبه أبناء الحي جميعاً، نزح إلى تركيا بعد أن تهدم بيته بما فيه من أثاث وأحُّد ابنائه بسبب برميل متفجر، فلجأ إلى إحدى مخيمات اللجوء في تركيا، وبعد مضي فترة قصيرة تزوج بالسيدة( ع) رغما عن زوجته الأولى وأولادهما الثلاثة، وما حدث بعد ذلك أنه كان عادلا معهما ، ولكن في المضاجعة فقط.

لأنه لدى مضاجعته لإحداهما كان يُجبر الأخرى على التفرج عليه ومشاهدته، الأمر الذي أصبح له بالغ التأثير على الثلاثة معاً، فالرجل لايمكنه القيام بمثل هكذا سلوك إلا إذا كان  يشكو من مرض نفسي، ربَّما ألمَّ به من هول مصابه لما فقده، الزوجة الأولى أصيبت بمرض الهذيان المستمر وفقدت قدرتها على الاستيعاب،  أما الزوجة الجديدة  فلم تحتمل ماكان يجري، وما كانت تُجبر عليه من أمر وصفته بالـ (المشين) فراحت تُقدِم على الانتحار المرة تلو الأخرى، لتكون آخرها قطع شريان يديها الاثنتين، ولكن شاء القدر أن تبقى على قيد الحياة، فقد تمَّ إسعافها إلى إحدى مشافي أقرب مدينة إلى المخيم المزعوم، ليتم استدعاء الأخصائيين النفسيين للتدخل.

وهناك ما أصيب بداء القلق المعمَّم كما تمَّ تشخيص مثل تلك الحالات، فالسيد (س) وعمره خمس وثلاثون عاماً تراوده أفكار مقتحمة تدفعه إلى الخوف من كل شيء، يخاف الإقدام على أي سلوك أو تصرف ظنَّا منه أنَّه سيدفعه للموت، هو رجل في مقتبل العمر ولديه ثلاثة أطفال، حين قدِم إلى المخيمات كان يدرك ما يفعل، كان على يقين بأنَّه ينقذ عائلته.

لكن هاجس الموت لم ينفك يلاحقه، حتى بعد أن استقر في أحد المخيمات  التركية المتاخمة للحدود السورية، ظلَّ هاجس الموت يطارده، ليفقد فيما بعد متعة الحياة، متعة إنقاذه لأولاده وزوجته، يقول:

_ الموت في كل مكان، ملك الموت ينام في المخيم ويطاردني، لاأشعر بشيء ، أشعر دوماً بحملٍ ثقيل على أكتافي، طالما حاولت أنزال الحمل، لكنني في كل مرة كنت  أكتشف أنني لاأحمل شيئاً. ولدى سؤاله عن علاقته بزوجته، إذا ماكانت  لاتزال كما في السابق، والتي وصفها بأنَّها كانت حبُّ عمره وأنه ملك السعادة بزواجه بها قال:”أحبها ولكني لم أعد استمتع بالنوم معها ومضاجعتها، أو لنقل لاأرغب  بالمضاجعة، ويستأنف:

_ لاأستطيع … لاأستطيع ، ثم بدأ بالبكاء، طوال تهدُّجه، بدا كأنَّه  يبكي، لكن لم تنزل دمعة واحدة من عينيه.

وفي قصة أخرى نكتشف أنَّ المخيمات تحولهم إلى أشخاص يهلوسون كثيراً، نتيجة الاكتئاب الشديد، يصل البعض منهم إلى مرحلة الهلوسة وتخيل الأشياء  والتي يكون الموت جزءاً كبيراً منها.

السيدة( ف) تعيش على أنَّها ميتة منذ زمن بعيد:

_ أنا ميتة من زمان ، السيدة(ف) الجميلة لم تكن  تدعي المرض ولم تكن تدعي الألم، بل كانت تعيش حالتها الخاصة بها، حالتها التي لم يكن لعقولنا استيعابها، تتكلم كثيراً ولكن بجمل غير مترابطة، تارة تتحدث على أنَّها ميتة، تارة أخرى تشعرالآخرين أنَّهم موتى أيضاً، تبكي بحرقة لأنَّها تظنُّ أنَّها تقتل أولادها عندما تطعمهم، فتردد هذه العبارة دوماً:

_ جتلت أولادي، ما أعرف ليش، انا لمن أنطيهم أكل أجتلهم،  ثم تحاول أن تقنع الاخرين بأنَّها ميته:

_ لاتكولو إني عايشة، أنتم تضحكون علي، أنا ميتة من زمان.

هاجسها بالموت، موتها وقتل أولادها، لم يكن من الفراغ،  فحين استضافتها ذات مرة إحدى قريبات زوجها في المدينة، قالت :

_ أكلت (ف) بنهم ونامت بهدوء.

السيدة(ف) امرأة نحيلة يكاد عظمها يظهر تحت جلدها الخشن ، الذي يبَّسه امتناعها عن الطعام، ومطاردة الموت لها، في خيمتها تموت أو تعيش كأنها ميتة منذ زمن بعيد، لكنها ترتاح حين لاتكون هناك ، في معظم الأحيان تهرب إلى خارج المخيم بالكامل.

و قصة هذه السيدة من أفظع ما سمعت، قصة امرأة تمتنع عن إرضاع طفلها بينما ثدييها ممتلآن، بإمكانها توزيع الحليب على أكثر من طفل.

 حالما رأيت الطفل الرضيع ظننته في سن الثلاثة أشهر من عمره، ولكن حين سألت عن عمره ردَّت:

 عمره الآن سنه وعشرين يوما بالتمام والكمال، ثم شاحت بوجهها، لم يكن لدى هذه السيدة الرغبة في خوض حديث لم تقتنع به منذ البداية وهو( الرضاعة الطبيعية) وفوائدها. السيدة (ج)  تعيش في مخيم تابع لمدينة تركية على الحدود السورية القريبة جداً، تزوج زوجها بامرأة أخرى في المخيم، بينما كانت حاملاً بهذا الطفل الذي في حضنها. سكنوا جميعاً في الخيمة ذاتها، ولكنَّه فصل بينهما بساتر من القماش. تقول السيدة(ج): “بينما كنت ألد الطفل كان زوجي يمارس الجنس مع زوجته الجديدة، منذ ذلك الحين صوته تعشش في رأسي، أحاول النسيان ولا أنس، كلما قمت بإرضاعه أسمع طنيناً  في رأسي وماكان يقوله لها بينما يضاجعها”.

هذه المرأة، وانتقاماً من زوجها، امتنعت عن إرضاع طفلها، فلذة كبدها، والذي كان نحيفاً جداً، ذكَّرني بأطفال المجاعات في الصومال والسودان ومالي وغيرها من دول جنوبي إفريقيا.

بعد هذا السرد لقصص من مجمل آلاف القصص التي يتم الكتمان عليها في مخيمات اللجوء أو بين الأوساط التي لجأ إليها السوريين، قصص من صلب قصص الأسر السورية والتي باتت عرضة لشتى صنوف الموت يجدر بنا القول:

إن الإنسان السوري من هول مصابه، بات لايعرف كيف يعبِّر عن حنقه مما آلت إليه أحواله وأوضاع بلده، لذلك يعمد إلى سلوكيات غاية في الغرابة، لتودي به سلوكياته تلك إلى موت آخر، ليضاف نوع آخر من أنواع الموت التي جربها السوري، وبذلك نتأكد من  أن المخيم بالرغم من كونه سقف إيواء وجدران، إلا أنه لم يكن ابداً ملاذاً آمناً يقي النازحين إليه، من أمراض قد تكون بمثابة الموت.

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »