Slider
قوائم

عندما يبدو الحصرم عنباً

وردة الياسين

في بيت ما في مدينة سراقب، كانت هالة (13 عاماً) وخالتها لينا (17 عاماً)، تشاهدان مسلسل “ضيعة ضايعة” على قناة  الأورينت، كانت هالة مستلقية وتجلس لينا بجانبها تحمل بيدها كتاب التاريخ  للصف الثالث الثانوي، الذي أطبقته قليلاً لتعود إلى حفظ دروسه لاحقاً عندما تنتهي الحلقة. مشهد أو مشهدان وستنتهي الحلقة، ولكن مشهد أخر تذيله كلمة “عاجل” قطع بث المسلسل.  مجموعة من الأشخاص تجمعوا في إحدى شوارع دمشق، ويهتفون: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

عدلت هالة وضعيتها وجلست مشدوهة، وصرخت لينا: “إنها دمشق!” بعد أن رمت كتاب التاريخ جانباً، ولم  تكن تعلم بأنها لن تفتحه بعد ذلك اليوم أبداً.

التيه الأول:

تقول هالة: ” كل ما تعلمته عن السياسة من المدرسة والمحيط هو: القائد الخالد، والتعريف الوحيد الذي كنت أعرفه عن الثورة هو: ثورة الثامن من أذار”. وهالة وكأي يافع تجول في ذهنه أسئلة كونية ووجودية، وأخرى خاصة بالحالة السورية الجديدة، راحت تبحث عن اجابات لأسئلتها، بداية، عند والدها، الذي كان يتسمر أمام التلفاز كل مساء، عندما يرجع من وظيفته الحكومية، يقلبه بين القنوات الفضائية “المغرضة”. ولكن والدها كان يحسم تساؤلاتها مجيباً: “سيحرقون البلاد… لنقف جانباً”.

“استنسخت المدارس والمؤسسات البعثية- الأسدية أفراداً يؤمنون قسرياً بفكرة الأبدية والخلود للقائد الممانع، والنسخة الشاذة عن تلك الفكرة، كان يتم إخفاؤها أو إتلافها، لذلك فإنه من المنطقي ان تشعري بالتيه واستهجان ما يحدث. إنها الثورة، الثورة يا هالة فلا تقفي جانباً”. كان هذا جزء من أحاديث كثيرة قالها خال هالة لها، ليساعدها على إزالة الرواسب المتراكمة في لا شعورها منذ أن كانت طفلة في “منظمة طلائع البعث”. وعن خالها تقول هالة: “امتهن خالي وقبل الثورة العزلة في غرفته المكدسة بالكتب والأعلام الحمراء،  ولكنه وبعد اندلاع المظاهرات في سوريا، طلق صمته وعزلته. وأجزم بأنني لم أشاهد أحداً أشد منه فرحاً وتهليلاً بالثورة”.

وأشرف خال هالة، كان شاباً في بداية الثلاثينيات من عمره، منتمياً لأحد الأحزاب اليسارية، التحق بالحراك الثوري قولاً وفعلاً، ويُعرف ما كان يحدث في سوريا: بأنه ضرورة وحتمية تاريخية، ويؤمن بأن التغير قادم لامحالة، وسينتج عنه علاقات اقتصادية واجتماعية أفضل وأكثر تقدماً وانفتاحاً.

“انفتاحاً… أكثر تقدماً… ها ها… ليس صحيحاً، ليس تماماً يا خالي” كانت تلك الكلمات ترتج بقوة في نفس هالة، وتزداد قوة كلما زادت هالة من سرعتها للوصول إلى المنزل. وتذكر هالة أنها كانت حصة الرياضيات عندما دخل مجموعة من الشبان الملثمين إلى الصف، وطلبوا من الطلاب والمدرسين العودة إلى منازلهم، فاليوم اضراب، “و لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس”. لم يكن التطور الجديد في أسلوب المعارضة هو ما أزعج هالة، ولكنه كان رد ذلك الشاب الملثم الذي قالت له وبكل براءة: “إن استمرار اضرابنا عن الدراسة سيؤثر سلباً علينا”، ليرد عليها وبقسوة: “وما حاجتك أنتي كفتاة إلى التعليم!”.

عندما يبدو الحصرم عنباً!

هل اقتضت الضرورة الحتمية والتاريخية أن تسيطر فصائل الجيش الحر على مدينة سراقب في نهايات 2012؟ وهل التغير القادم اللامحالة استدعى أن لا يقف والد هالة جانباً، وينخرط بالثورة من رأسه حتى أسفل قدميه، لتتوقف هي عن التقدم للشهادة الإعدادية خوفاً عليها من الخطف والاعتقال؟ وهل ستتمكن لينا من التآلف مع حسرتها بسبب عدم حصولها على الشهادة الثانوية؟

تربت لينا في عائلة منفتحة فكرياً، استحوذت السياسة في عائلتها على مساحة كبيرة من حياة والدها وأخوتها الثلاثة خاصة أخيها أشرف. وكانت لينا تشعر بالزهو أمام صديقاتها في بداية الثورة، فهي كانت قادرة على تحليل الحالة السورية وفق مصطلحات سياسية يصعب على بنات جيلها فهمها، وكانت تشارك في المظاهرات، ولطالما جاهرت بموقفها المؤيد والايجابي من الثورة.

وها هي لينا وبعد سبع سنوات تقول: “لست الوحيدة، فضريبة الانقطاع عن الدراسة دفعها ألاف من الاجيال السورية، ولكن أن تعتقد بأن اللدات الكهربائية أفضل من الانيون، وأن تشعر بأن الحظ حليفك لأن الصاروخ كان بعيداً عنك مئات الأمتار، وأن تنتابك النشوة لأنك وجدت منزلاً يأويك بدلاً من النزوح إلى السهول والخيام، كل هذا يبدو أشد إيلاماً. وتتجلى ملامح اليأس بوضوح، عندما تقتحم خلدك وباستمرار عبارة (ماذا لو؟) فماذا لو أن عائلتي لم تكن معارضة؟ ماذا لو أن والدي زوجني في سن الخامسة عشرة؟ ماذا لو أنني تنحيت جانباً؟”.

التيه الثاني:

في بداية 2015 تبدأ هالة ولينا بارتداء ثياباً أطول وأكثر ستراً، لأن مفهوم الحرية قد تغير! وتختطف الجماعات الاسلامية أشرف خال هالة أخوها للينا في الشهر الثاني من نفس العام… وفي نهايات 2015 تشاهد هالة “أحمد” ابن جيرانهم ذي السادسة عشرة عاما، يحمل بندقية ويقف على أحد الحواجز التابعة للفصائل المعارضة المسلحة، وترزق صديقتها ذات الثمانية عشرة عاما بطفلها الثاني. وتحصي  لينا في بداية 2016 ما يقارب العشرين ذكراً ممن تعرفهم وممن هم من نفس عمرها، كانوا قد قتلوا أو اعتقلوا أو غادروا البلاد. وفي نهاية 2017 لم تعد تتذكر لينا بدقة، حلمها في دخول الجامعة ودراسة الادب العربي، بل ستجتهد  الأن لإيجاد زوج مناسب بعد أن تضاءلت فرصها في الزواج، في ظل النقص الكبير في عدد الذكور، واكتساح ظاهرة الزواج المبكر للمجتمع.  وستعاتب هالة ولينا في صيف  2018 صديقتهما لميس، والتي اعتقل والدها منذ بداية الثورة، لأنها تتواصل وعن طريق الماسنجر مع شاب حلبي، يؤدي خدمة العلم الإلزامية في الجيش النظامي، فترد لميس على عتابهما: “مجبور، الجميع تائهون، و كل جيل التسعينيات يشرب من نفس الكأس ويذوق الفلقة ذاتها”.

وفي 7 أيلول 2018 تجلس لينا (24 عاماً) وهالة (20عاماً) أمام شاشة التلفاز، لتشاهدا وقائع القمة الثلاثية المنعقدة في طهران بين روحاني وأردوغان وبوتين للبت في مصير ادلب. وستعود الصبيتان من جديد وفي 18 أيلول 2018 ، لتتابعان وعلى التلفاز نتائج القمة الثنائية في سوتشي بين بوتين وأردوغان للإتفاق على مصير ادلب أيضاً.

تسأل هالة لينا: “كم تبعد طهران عن دمشق؟” فتجيبها لينا: ” لا أعلم.. ولكن سوتشي أبعد منها بكثير عن دمشق”.

خاتمة:

يقول سليم بركات في كتابه “الجندب الحديدي”:

كنا صغاراً يا صاحبي، صغاراً جداً، مثل فراخ الإوز، واقفين على طرفي الشارع كسطور الكتابة، وكان ثمة هرج كبير، هرج مهول، وكان المعلمون الذين يقفزون بين الصفوف ملوحين بعصيهم، أشبه بقطط مذعورة يصرخون: “انتبهوا، لوحوا بأيديكم حين يمر الرئيس”. ومر الرئيس، مر وسطنا ملوحاً بيديه، ثم اختلطت الصفوف الهندسية وراء الموكب، وتحولت إلى كتل سوداء متدحرجة عنيفة في فوضاها. سقطت على الأرض مراراً تصطدم بي الأجساد والأرجل، وأنا أجاهد للخروج من البحيرة الآدمية، وحين وصلت إلى البيت كان وجهي أقرب إلى التراب منه إلى وجه طفل. تلك كانت بداية العنف يا صاحبي.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة