Slider
قوائم

دمية في عنابر الموت!

تركيا – ياسمينا بنشي

السجون سيولد منها مئات آلاف القلوبِ التي انفطرت من شدّة الألم في شبه دولة يحكمها نظام وحشيّ ليس لديه أية معايير للإنسانية، آلامٌ نفسية كانت أشدّ وقعاً من الآلام الجسدية, القضبان الحديدية القاسية وحيطان الغرف المظلمة أصبحت وحدها الشاهد على وجع وعذابات النساء السوريات اللواتي أفنين سنواتٍ من أعمارهنّ معتقلات ومغيّبات قسراً في غياهب السجون السورية ليكنّ فيها (إن نجوْنَ) شاهداتٍ أيضاً على انتهاكاتٍ لم يعرفها البشر من قبل.

في شهر يناير من العام 2014 وفي ليلةٍ باردة من ليالي المهجع السادس في الجناح الرابع- إرهاب (الموقفات) كنا قد افترشنا الأرض ببطانية السجن الخشنة أنا وصديقتي ابنة داريا وبدأنا الحديث همساً عن اخوتنا المعتقلين في سجن صيدنايا العسكري والذين انقطعت أخبارهم عنا، كانت صديقتي  تتحدّث عن إخوتها الثلاثة… محمد صاحب القلب الطيب، وعبد الستار وأطفاله، ومجد الأصغر عمراً طالب كليّة الحقوق، وأنا بدوري أتحدّث إليها عن شقيقي الصغير أشرف الذي تولّيت مهمّة الاعتناء به وتربيته بعد وفاة أبي وأمّي… قضينا الليلة حنيناً واشتياقاً وأملاً برؤيتهم جميعاً خارج هذه الجدران في بلد حلمنا يوماً ما بحريّته وكرامته!

في صباح اليوم التالي اقتربت مني شابّة معتقلة في المهجع ذاته وحدّثتني بصوت منخفض: “أنا سمعت حديثكما ليلة الأمس وأعتقد أنه بإمكاني مساعدتكما في الوصول لأخبارٍ عن أشقائكما”، سألتها: “وكيف ذلك؟”،  فأخبرتني أن شقيقها مساعد في الأمن ويعمل في سجن صيدنايا، وهو متبرئ منها بسبب اعتقالها بتهمة الإرهاب، غير أنّها سترسل الأسماء من خلال زيارة والدتها لها الى السجن والتي بدورها سوف تسأله.

قبل يوم من الزيارة جهّزنا ورقةً دُوّن عليها أربعة أسماء، اسم أخي واسم إخوتها الثلاثة، وخبأناها في رأس دمية صغيرة (كانت تباع في ندوة السجن) وأعطيناها لوفاء كي توصلها لأمها، ولحظنا العاثر ارتبكت وفاء بشكل مفاجئ عندما أعطت الضابط بعض الأساور الخرزية المشغولة يدوياً ومعهم تلك الدمية… فكّ الضابط رأس الدمية واكتشف أمرنا, لقد وجد الاسماء المخبأة بداخلها، وماهي إلا بضع ثوانٍ حتى انهال على الشابة بالضرب أمام والدتها وأمام كل من كان يزور معتقلة تخصه خلف السياج، دخلت وفاء من باب الجناح دحرجةً بقدميه، علِمَ أنّ الورقة تخصّني وصديقتي، غير أنّه لم يتفوه معنا بكلمة على غير العادة، ثمّ أمر بتفتيش الجناح بكافة مهاجعه، بعد ذلك قام العناصر بحبسنا في الساحة، ومن ثم قلبوا الخزائن والأسرّة وكسّروا أدوات المطبخ، حمداً لله استطعنا وقتها إخفاء مجموعة الأوراق التي كنّا ندوّن عليها بعض المعلومات من خلال صديقاتنا في الجناح الخامس- إرهاب (إيداع) عندما مررناها من أسفل الباب الواصل بين الساحة المخصصة لنا والممشى المخصص لمهاجعهم.

عُوقب الجناح بسببنا ثلاثة عشر يوماً حُرمنا فيها جميعاً من الخروج الى ساحة التنفس، مع عدم السماح لنا بشراء الحاجيات الضرورية، وحُرمت وفاء من زيارة أمّها لمدة شهرين كاملين!

في الشهر الثالث من العام ذاته أطلق سراحنا أنا وصديقتي ابنة داريا ضمن مبادلة واحدة بين النظام وفصائل المعارضة واختارت كل واحدة منّا منفاها الإجباري كيفما تيسّرت طرق التهريب وذلك بسبب منعنا من السفر.

أمضينا الأيام تلو الأيام… الشهور والسنوات في انتظار حريّة إخوتنا، لنتلقى نحن الاثنتين ما بين الشهر السابع والثامن من هذا العام خبر استشهادهم جميعاً تحت التعذيب داخل سجون النظام السوري، وتحديداً سجن صيدنايا, ضمن قائمة المعتقلين المتوفين التي أرسلها النظام الى قيد النفوس في المدن والمحافظات ولتأبى أقدارنا ألاّ تتفارق في محافل الحزن والأسى.

 

-يذكر أن هنالك العديد من المعتقلات اللواتي كان أحد أفراد عائلاتهنّ معتقلاً لدى النظام السوري في ذات الوقت، فمنهم من كان في سجن دمشق المركزي المعروف باسم سجن عدرا ويمكن زيارته، ومنهم من كان داخل أحد الأفرع الأمنية أو سجن صيدنايا حيث يستحيل الوصول إليه.

حالاتُ ظلم وانتهاكات كبيرة وثّقت بحق العائلات، أذكر منها قصة الشابة نايفة التي اعتقل شقيقها الأصغر أثناء البحث عنها بعد اختفائها واعتقالها على أحد الحواجز، وبعد الضرب الشديد والتعذيب واعترافات بالجملة عن أعمال لم يقترفها ولا وجود لها أصلاً، حُكم على شقيقها بخمسة عشر عاماً بتهمة ارتكاب أعمال إرهابية وأصبح يراها من خلال زيارات المعتقلات النساء لذويهم المعتقلين في سجن عدرا للرجال، أما الحاجّة حميدة التي اعتقلت مع ولدها الشاب على أحد حواجز مدينة حلب فلم تكن بحاجة لتسأل عن زيارة لابنها لأنّه ودّعها مبكراً في فرع الموت 215 بعد أن استشهد تحت التعذيب والاغتصاب بأداة حادة  أمام عينيها… تلك الحالات هي غيض من فيض لويلاتٍ وعذاباتٍ نفسية تعيشها المعتقلات داخل سجون النظام السوري.

وتبقى الثورة السورية هي تلك المرأة التي خرجت من رحمها نساء رفعن صوتهن في وجه الظلم والطغيان وتحدّين أعتى وأقبح نظام على هذه الأرض الى أن غصت بهنّ السجون…تلك السجون التي سيولد منها فجر حرية جديد.

من مذكرات سجن عدرا

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة