Slider
قوائم

“حُمرة” … سؤالٌ مفتوح، والجواب مفاجئة

رنا مبارك

في منطقة برالياس اللبنانية، على بعد عشرة كيلومترات أو مايزيد قليلاً عن معبر المصنع الحدوديّ مع سورية. أسدلت الشمس غروبها مع إبتسامات عارمة على وجوه الحاضرين من جمهور المخيمات المجاورة في سهل البقاع، وهم يستمتعون مع مجموعتين من السيدات والطفلات اللاجئات من أقرانهم، من خلال عرض “حمرة” المسرحي، ثمّ الحفل الموسيقي لفرقة زهورات.

على وقع غناء الطفلات اللواتي تمركزن بعدهن على المسرح، ليغنين “على بلد المحبوب وديني”، دردشت شبكة المرأة السورية مع السيدات السوريات المؤديات لعرض “حُمرة”، في الغرفة المجاورة، وهنّ يتناولن المياه ويأخذن قسطاً من الراحة، بعد جهد المواجهة مع الجمهور.

بدأت شمس كلماتها: “أول مرّة طلعت عالمسرح، شعرت بخجل كبير، بس لما خلصنا والناس اللي حضروه عجبهن وانبسطوا منه، اتشجعنا أكتر بتاني عرض، وزادت قوتنا، لوصلنا لليوم.  عم حس في ناس عم تسمعني، تغيرت كتير شغلات بحياتي، صار عندي جرأة أكبر بالحياة العادية”.

لتزيد سميرة عليها: “نفسيتي ارتاحت، صرت أعرف آخد وأعطي مع العالم. كلّ ما منعمل عرض بقوى أكتر”.

أمّا أم حسن  التي رددت أثناء العرض: “إييها ولاتفاولوا علينا، إييها الباص جاي يودينا على بلادنا، تنشوف أهالينا”، أدركت مدى نيّة الجمهور هذه المرّة برغبته في  العودة لبلده.

أم محمّد رأت ما تقدمه هو إحياء الأمل لدى كلّ من يحضرهن، على سبيل انتظار كلّ شيء جميل في هذه الدنيا. فتروي لنا  أنّ عرضهن من صميم نساء تركوا بيتوهن، كلّ شي بَنينه، نزحن وعائلاتهن خارج الوطن، لاقوا الصعوبات، سُلِبت منهم الراحة. “حبينا نقول وجع كل حرمة فقدت بيتها، أهلها، ووطنها. منتمنى يلاقي عرض حمرة أكتر من هادا الاقبال. كتير من النسوان اللي شافوه قالوا ياريتنا معكن نزوّد العرض بقصصنا”.

و اضافت مع شمس: “التقاليد غلط انه الواحد يطلع عالمسرح،عيب انه نحن سيدات من مجتمع محافظ نعمل هالشي، كانت البنت ما بيصير تطلع وتفوت، كنا اكلين هم انه زوجي اذا شافني، بابا، اخي…هلئ هنن شافوا اللي قدمناه كتير عظيم، بخلي كل امراة تتشجع لتطلع تحكي وجعها”.

عرض “حُمرة” هو عرض مسرحي من إخراج سارة زين، تأليف وتمثيل مجموعة من النساء السوريات النازحات إلى لبنان، واللواتي شاركن في عدّة تدريبات مع مؤسسة العمل للأمل منذ عام 2015 و قد قُدّم هذا العرض مسبقاً  في بيروت، طرابلس، حلبا والبقاع.

أما فرقة “زهورات” فهي فرقة موسيقية مؤلفة من 6 خريجات طفلات، من مدرسة العمل للأمل للموسيقى تقدم عزفاً من غناء مقطوعات من التراث السوري والعراقي والفلسطيني والمصري.

تقول لينا، إحدى الحاضرات لعرض “حمرة” هذه المرّة، فقد حضرته قبل تسعة أشهر، في منشن، عندما عُرِضَ للمرّة الأولى:

“لم أتوقع الصعود المبهر الذي حققنه هؤلاء السيدات، من يراهنّ في المرّة الأولى على خشبة المسرح، لا يصدق كيف بدأ العرض، ومتى انتهى، دون أن يشعر بأنّه ملّ، فالقصص واقعية، من وجعهنّ، آلامهنّ في بحّة الصوت، وكلّ حركة يقمن بأدائها.”

وتضيف لينا: “لقد شعرت بسعادة غامرة، عندما شاهدت سيدات ملتزمات على خشبة المسرح، وزادت فرحتي عندما رأيت هذه المرّة تطوّر الأداء ليصبح اقرب للمحترفين في هذا المجال. تعبيرهن عن حكايات الألم الآن، بيننا كلاجئين مثلهنّ، وعلى خشبة مسرح، أعطاني من القوّة ما لايقاس، بكسر النمطيّة المجتمعية القاتلة. فلاحدود لنا سوى سياج المخيم، ولا مساحة لنعبّر عن قهرنا إلاّ بين بعضنا.”

حُمرة نتاج المفاجئات

تحكي لنا مخرجة العرض سارة زين، عن مسار المراحل التي أنجبت حُمرة: “المرحلة هذه لم تأتِ بالصدفة، إنّما هي تتابع الأحداث، ولم تُخلَق بالفطرة منذ البداية.”

لقد بدأت العمل للأمل برنامجها لمحو أميّة ( 87 امرأة) في عام 2015م، وأثناء تسليم شهادات التخرج للمشاركات، لاحظت مديرة العمل للأمل الأستاذة بسمة الحسيني، طبيعة الإحتفال التي يقمن بها السيدات ببعضهن، الأغاني والزغاريد والأهازيج.

كان لافتاً للنظر بالنسبة لإدارة العمل للأمل، وطرح أمامهم التساؤل حول الموضوع، أنّ السيدات قادرات لوحدهن القيام بإحتفال مميز من دون أي تكلّف، وهذا يشدّ لإستكمال شيء آخر معهم. فقررت المؤسسة الإستمرارية معهن، ليكون الإقتراح بتفعيل تعلمهن الكتابة، وتوجيهه ليكتبن قصصهن بشكل مطوّر يحمل قيمة الحكاية، عن طريق برنامج الكتابة الإبداعيّة مع كاتبة السيناريو إيمان سعيد، وفعليّاً تمّ اختيار (27 سيدة) حسب قدراتهن  التي يمتلكنها أكثر من غيرهن.

تعلمت هؤلاء النساء  مع إيمان بشكل متقطّع خلال سنة واحدة، كيفية كتابة الحكاية، ذروتها، متى تبدأ وكيف تصبح مشوّقة أكثر، العناصر المجمّلة للحكاية.. كلّ هذه التفاصيل، كي تصبح الحكاية اليومية من قصصهن ليست روتين وحسب، إنّما قصة جذابّة لقرائها. وبالفعل كانت النتيجة مدهشة وجيدة جدا، حيث يوجد في جعبة العمل للأمل حالياً مجموعة كبيرة من قصص هؤلاء السيدات.

وهذا خلقَ الفكرة الجديدة  لتعمل المؤسسة على تحويل هذه الحكايات لعرض محكي يشاهده الناس. وقد خلق معه التحدي الأكبر، هل النساء قادرات على الصعود للمسرح أمام الناس، ليخبرنهن بحكاياتهن دون تمثيل؟

طرحت العمل للأمل الفكرة على المجموعة، ودرست قابلية تحقيق الموضوع،  لتظهر التحديات، فهناك العديد من الظروف التي تمنع السيدات للمشاركة، منهن رفض، منهن قبل في البداية ثم تراجع، ولكن احدى عشرة سيدة استمرت في هذا التدريب. بعضهن لم يتكمن من المشاركة على الخشبة، فشاركن بتسجيل أصواتهن ضمن العرض.

وُلِد  عرض “حُمرة” ليثير اهتمام المئة والخمسين من حضوره في منشن ببيروت نهاية 2017م، جرأة السيدات وثقتهن بأنفسهن، تعاملهن مع الجمهور والحالة التي وضعن فيها بشكل مميز ومثير للإنتباه.

لم يتوقف في مكانه، بل ذهب بجولة حول مناطق مختلفة من لبنان، استناداً على إرادة هذه المجموعة.

الفنّ أصل وليس كمال

تعتبر سارة زين هذا العرض هو التجربة الإخراجية الحقيقية الأولى لها، بعد تجارب مغلقة في جامعتها، والمدارس التي علمّت فيها.

كما  تؤكد على الثقة المتبادلة التي تأسس عليها إبداع “حُمرة”، عندما أتت بالصدفة لتدرب النساء، بدل أن تكون مساعدة مدربة، جاءت لتساعدهم على الصعود بشكل يليق بهن على خشبة المسرح، لتقولب العمل بالحدود الدنيا للخط الدرامي. لم يكن مطلوبا منها الإبداعات الإخراجية، وفي كل مرة أثناء التجهيز للعرض، اكتشفت أفعالا منهن تمنحها القوة للذهاب بأبعد من المتوقع. وتوصفه بأنّه اختبار متبادل لها ولهنّ، وعمل حساس  في غاية الأهميّة، الصدق والبساطة هي مفتاح هذا الإختبار. فقد خلقت سارة العرض من التعامل والتفاعل الجماعي بينها وبين السيدات، على حدّ تعبيرها.

تعثرت سارة بمشكلات مختلفة منها اصطحاب الأمهات لأطفالهن أثناء التدريب، منع الأزواج من ذهاب الزوجة للتدريب بمفردها، الأوضاع التي تتحكم بها إدارة المخيم أثناء خروج النساء منه، عدم السماح لهن بالمبيت خارج المخيم أثناء الجولة خارج المنطقة، وغير ذلك…

فهذه البيئة لها أوضاعها الخاصة، والتي شكلت عائقاً أساسياً أمام هذا العرض في بعض الأحيان، وتمّ تخطيها.

تتالي الجهود المكثفة من التدريبات التي قدمتها سارة للسيدات، أوصلهن للذهاب بجولة للعرض، استطعن فيها تأديته دون مرافقتها لهن بسبب إنشغالها. ولكنّ إيمانها بإحداث التغيير عن طريق الفن، وانطلاقاً من تجربتها الخاصة قبل أن تدرس الفن، تجد سارة أنّ الفن منطلق التاثير على شخصية الفرد، أهله، محيطه، وترى تاثيره الحيّ على المجتمع.

كما أنّها تصف ما تقوم به منظمة العمل للأمل، هو الأساسي جداً، فهم يعملون على الجذور في الأنفس، والنتائج واضحة للعيان، بقناعة المجتمع لأهميّة الفنّ، بعد مواجهة شاقّة في البدايات.

ولكنّ الثقة التي زرعوها يحصدونها الآن، على سبيل المثال السنة الفائتة تقدّم لمدرسة الموسيقى في المنظمة قرابة المئة من الأطفال، بينما هذا العام تضاعف العدد ليصبح أربعمئة وثمانين.

في الوقت الذي لم تصل العمل للأمل لكلّ أفراد المجتمع، وبظلّ رفض العديد الآخرين لهذه المواضيع في مجتمعات مغلقة مهمّشة، تعيش مخلفات الحروب .

وتختم سارة زين حديثها: “مابعد حُمرة، سؤالٌ مفتوح، والجواب مفاجئة”.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة