Slider
قوائم

حول الخطاب النسويّ

نبال زيتونة

إذا أردنا تتبّع خطى الخطاب النسويّ، وتفحّص دلالاته وتجلياته على ضوء المنجز الأدبي المغاير بالمقارنة مع المعطيات الأدبيّة والفكريّة السائدة، لابدّ لنا من الوقوف على تعريف يخرج النسويّ الذي تكتبه المرأة أو الرجل على خلفية من الوعي الفكري والاجتماعي، الخارج على منظومة الثنائيات والمتضادات، عن إطار “الأنثويّ” السائد الذي تكتبه الأنثى بحكم جنسها وفئتها، اعتمادا على سلسلة المقولات والمسلمات التي أرستها الذاكرة الفحولية، ورسختها في إطار المجتمع الأبوي أحاديّ النظرة، بعد أن تمّ تقويض أسس المجتمع الأموميّ، واستبعاد المرأة من ساحة الفعل والتعبير على مدى قرون عديدة.

فـ “النسويّ” كما ترى توريلموي كلمة سياسية مستحدثة، تختلف عن “الأنثى” التي تحمل في طيّاتها معنى بيولوجيا، كما تختلف عن مصطلح “الأنوثة” الذي ترى فيه مفهوما حضاريا. والأنوثة ليست صيغة جوهريّة للمرأة كما يروّج أعلام الفكر الذكوريّ، إنما هي نتيجة موقع نسبيّ وهامشيّ في المجتمع الأبويّ. على هذه الخلفية المعرفية الواعية، لابدّ أن تبدأ السياسة النسوية الملتزمة بالتغيير.

أما كون الكاتبة أو الناقدة أنثى، فهذا لا يعني النسوية في شيء. وليس بالضرورة أن يكون النصّ الذي تكتبه المرأة نصّا نسويا، لأن النسويّة قبل هذا وذاك، خطاب قائم بالفعل، يعمل على خلخلة الخطاب الذكوريّ، ويشكّل خطرا على بنية المجتمع الأبويّ، ويهدّد سلطته بما يحدثه فيه من فجوات، وبما يثيره من شكّ حول مصداقيّة قيمه الاجتماعية ومنظوماته الفكريّة والأدبيّة المتوارثة. ومن الممكن أن ينخرط الرجل في مشروع النسوية الجديد، ويساهم بوضع لبنة في بنيانه، لكن ليس بإمكانه أن يكون أنثى.

على ضوء ذلك، لابدّ للنسويّ أن يعمل من خلال الأدب والنقد معا على الكشف عن المناطق المعتمة في الخطاب الأبوي، تلك التي تتخفّى تحت ستار من الموضوعية المحايدة لتمحو التفرّد والفردية والاختلاف. كما يعمل على إرساء مفاهيم نقديّة جديدة، تواكب العصر وتطوراته، ويضع معايير تتلاءم مع المنجز الأدبيّ الجديد المخالف للسائد والمتطاول على المحظور. هنا ستكتمل الدائرة لتهمّش ذاكرة الفحولة، وتضع المسلمات على بساط البحث من جديد. وستعيد هدى بركات النظر في مفهومها للأنوثة ولذاتها الأنثوية، هي التي قالت ذات مرّة أنها تكتب أدبا كالرجال. وستعمد هي وغيرها من الكاتبات للوقوف بصدق، في ضوء المفاهيم النسويّة الجديدة على قضيّة التفرّد والاختلاف.. الاختلاف ليس بحكم جنسها وفئتها الأنثوية الموازية للدونيّة والسلبية، والارتداد نحو الداخل، هذا الداخل الذي يتمحور على عقدة الشعور بالنقص تجاه الفحولة. من مثل هذا المنظار ستطل الكاتبات على أنوثتهن الموازية للذكورة ويكتبن أدبا إنسانيا على خلفية نقدية تواكب منظور العصر وتغيراته، ويحدثن زوبعة على الساحة الأدبية والفكرية، تعصف بالخطاب النقديّ السائد، وتكسر ثوابت ومعطيات الفكر الفحولي القائم على خلفية من القيم الأبوية المقدّسة. إذ إنّ كل الأحكام القاطعة على الصوت الأنثويّ ليست سوى تطبيق لغة نقدية قديمة على نصوص جديدة، كما تشير شيرين أبو النجا.

11164116_10206631441451622_221330793_n

فأين الخطاب النسوي اليوم من هذا كلّه؟

من أين يبدأ وكيف ينتهي؟

في جوّ من الاضطراب وتداخل المصطلحات وغموضها، على خلفية سلفية تنتقص حقّ الأنثى وقدرتها على الكتابة، وتقصيها في أحسن أحوالها إلى الكتابة عن السيرة الذاتية والقضايا الأسروية والاجتماعية، تلجأ المرأة الكاتبة إلى الخروج من تلك الدائرة، والهروب من أنوثتها الموازية للدونية إلى الكتابة والإبداع على طريقة الرجل وبأسلوبه، وكأنما هو المثل الذي يجب أن يحتذى، إذ تقول مي زيادة في رسالة لها إلى باحثة البادية: “نحن بحاجة إلى كاتبات تتجلّى فيهن عبقرية الرجال”. وكأنما استسلمت المرأة لمقولات الذاكرة الفحولية وقيمها التي أفقدتها الثقة بنفسها وبقدرتها على الإبداع. ومن أجل أن تعيد المرأة اعتبارها، وتنتزع من السلطة الأبوية الاعتراف بوجودها، تعمل من خلال إبداعها على تقليد الرجل، وتشحذ قواها وتناضل من أجل مجاراته والتساوي معه في غمرة سيادة الذكورة وانفرادها بكلّ الصفات الإيجابية على ضوء مسائل التضاد والثنائيات، التي يروّج لها أصحاب المدرسة البنيوية، إذ يزعمون أن المعنى لا يتضح إلا من خلال التضاد والثنائيات: “رجل – امرأة، أسود – أبيض، ذكورة – أنوثة”. ومن مصلحة الأبوي أن يكرّس منظومة المتضادات تلك، التي نفرد فيها الرجل بالحيّز الإيجابي، فلا يبقى للمرأة إلا حيّز السلبية. فالأبوي يعتقد أن “الأنوثة” هي جوهر المرأة، ومن مصلحته للحفاظ على سلطته القياديّة في المجتمع أن تتقولب النساء في قوالب الأنوثة المعدّة لها من وجهة نظر أحادية، فيرى في الأنوثة العذوبة والحياء والخنوع. وعلى الداعيات إلى النسوية أن يفككن هذا الاختلاط الذي يقصي المرأة عن حيّز الإيجابية والفعل، ويضعها أمام خيار صعب، فإما سلبية أو لا تكون. وهذا ما أوقع المرأة في مطبّ الاسترجال لتنفض عنها غبار السلبية، فتحاول الابتعاد عن القضايا الذاتية والفردية والاجتماعية لتتناول قضايا الرجال، فتفرغ فيها دواعي النقص، إذ يزعم علماء النفس من الفحول أن الأنوثة رجولة ناقصة، فتبتعد عن ذاتها الأنثوية المختلفة لتدور في حلقة الاسترجال. من هنا عمدت بعض الكاتبات إلى التمثّل بالرجل والإبداع على طريقته وبأسلوبه، وكثيرا ما غلين في مجاراته، فكان إبداعهن مشوّها من الداخل، يفتقد إلى الصدق والعفويّة في التعبير. فقد عمدت الأخوات برونتي إلى اتخاذ أسماء مستعارة يمكن قراءتها على أنها أسماء رجال، وأعلنّ في أكثر من مناسبة أنهن كنّ يأملن أن يعتبرهنّ القارئ رجالا، فلا يحاكمهن ضمن معايير وضعت لقراءة ما تكتبه النساء. ووصف بعض النقّاد أسلوب إميلي بالخشونة والقوة. والخطاب النسويّ الجديد لا يقبل بكون الأنوثة فحولة ناقصة، بل يعمل على إرساء قيم أنثوية قائمة يذاتها مقابل قيم الفحولة. والمسعى الإبداعي النسويّ مازال مرشّحا لإحداث هذا التغيير. إذ إنّ إدراك المرأة لأنوثتها الموازية للذكورة سيساعدها في عدم الوقوع في مطبّ الاسترجال بصيغه التقليديّة، ويكفي أن يكون ما تكتبه المرأة ذا رؤية شجاعة ولغة غير مكبوحة وبصيرة نافذة، فإن امتلكت المرأة ناصية الوعي لذاتها الأنثوية، استطاعت أن تعيد إلى وجهها ملامحه وتزيح عنها ركام المنظور الذكوري، فتشخّص الواقع النسوي وتصحّح النظرة غير المنصفة والأحكام المتضادّة مع حركة التاريخ، ليس من أجل الانفصال بحصة من الأدب مقابل الأدب الرجولي، بل من أجل خلق أدب إنسانيّ يختلف باختلاف جنس كاتبه، ويحظى بحيّز من التميّز الفردي وليس الجنس الفئويّ.

ويبقى السؤال: هل تستطيع المرأة أن تضفي على الإبداع صبغته الأنثوية الإيجابية في قلب ثقافة الفحولة التي تكرّس الاختلاف بالمعنى السلبيّ، فتستحوذ الذكورة على العقل، في حين لايتعدّى نصيب المرأة حدود الجسد.

تلك القسمة يروّج لها عمالقة الفكر الذكوري من سقراط إلى أفلاطون وداروين والمعري ونيتشه والعقاد وبودلير. لكن إطلاق الرؤية النسوية من أسر الجماعة المتوارثة سوف يساعد المرأة على تأسيس ذاكرتها الأنثوية بإبداع يعيد إلى الجسد الإنساني توازنه بالوقوف على قدمين اثنتين مؤنثة ومذكرة. فالكتابة أرض وفضاء وليس من مبرّر يباعد بين الأنوثة والذكورة، والتفاعل هو الغاية.

فلا بدّ إذا من إعادة النظر وإعادة القراءة لخلخلة البنية الأحادية من خلال الاعتراف بالرؤية الذاتية للذات وللعالم. ولا يضير الإبداع أن تؤسس المرأة لذاكرتها الأنثوية خارج دائرة الخوف والخجل، ولا بدّ من إضافة مصطلح الأنوثة مقابل الذكورة لتصبح الأنوثة قيمة بذاتها في الخطاب الأدبي. ولابدّ من الخروج من دائرة السلبية التي رسمت لها إلى خطاب شجاع، ليس بحملها القلم وامتهانها الكتابة فحسب، بل بإرسال خطاب صريح ومهدِّد على إيقاع جديد تتحدّد معالمه بتجاوزها لقيم الفحولة وخلق نصّ ذي قيمة إبداعية له وظيفة تواصلية، إضافة إلى خصوصيته وقدرته على كسر المنظومات التعبيريّة السلفية، وخلق منظومات جديدة دون مجاملة.

اللوحة الداخلية للفنانة العراقية “يمام سامي”

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة