Slider
قوائم

تبدلات واهية في الأدوار الجندرية!

لجين العرنجي

بعد سنوات من نزوح قسم من أهالي الغوطة الشرقية إلى ريف دمشق-جرمانا، أسست العديد من هذه العائلات أعمالاً ومهناً ومصالح جديدة، ولم تعد إلى الغوطة عندما سنحت الفرصة بذلك، واستقرت دونما أي تفكير بالعودة، وخاصة من تهدمت بيوتهم جراء القصف.

حاولت “شبكة المرأة السورية” أن تتواصل مع بعض نساء هذه العائلات النازحة لمعرفة دور المرأة في هذا التغّير الجديد وبالذات “عملها خارج المنزل”.

كيف كان الحال سابقاً؟

أخبرتنا أميرة، 33سنة، خريجة كلية الشريعة: “لا مجال للعمل في الغوطة، فالمكان الطبيعي في تلك البيئة لي ولأختي هو المنزل، وتقتصر مهامنا ونشاطاتنا ضمنه، وتصلنا حاجياتنا لمتناول يدنا دون أي عناء”.

أما بسمة، 36 سنة، فقالت: “لم يكن يخطر في بالنا أن نعمل أبداً، فالأحوال المادية كانت (فوق الريح) فلماذا نفكر بالعمل؟”.

بينما علقت حلاوة، 35 سنة، قائلة: “أعنت زوجي لمدة سنتين عندما كان مدخوله المادي لا يسد كل متطلباتنا، ولكنه كان يجلب لي الصوف وأدوات الخياطة ويرد منتجاتي كل يومين إلى أصحاب العمل بذاته ويأخذ المقابل المادي ويشتري حاجيات المنزل”.

تكررت الحالات التي تثبت ندرة خروج المرأة للعمل في البيئة الأصلية، ولذلك كان من المهم معرفة تفاصيل أكبر عن هذا الجانب.

ما الذي كان يمنع خروج المرأة للعمل؟

ردت أميرة على هذا التساؤل بتساؤل آخر: “أليس من العار على الرجال أن نعمل؟ هذه هي الصورة النمطية التي كانت تدور في خلدنا عندما كنا نعلم عن نساء يعملن، كما كنا ننظر لرجالهن نظرة دونية!”.

تتابع بسمة: “أزواجنا وعائلاتنا ومجتمعنا، كل هذه المكونات كانت ترفض عملنا خارج المنزل، وكأن هذا الحال هو الطبيعي والبديهي”.

وتكمل وداد، 37 سنة، أم ل 3 أولاد: “اضطررت ذات مرة للعمل في مشغل خياطة نتيجة سوء الأحوال المادية، بمردود مادي جيد يومياً، واستمريت لأسبوع كامل، وأظهر صاحب المشغل اهتماماً بعملي السريع والمتقن، إلا أن زوجي الذي كان يوصلني للمشغل صباحاً ويعيدني بعد الظهر منعني أن أعود إلى العمل نهائياً وكان علي أن أنصاع دون أي شكوى وإلا سيخبر عائلتي بعدم طاعته، وتحملت سوء المعيشة مع أنه كان من الممكن تحسين الأحوال”.

غالبية هذه النساء كن ملتزمات بما قدمته بعض المراكز في المنطقة من تمكين مستمر، فمنهن من تعلمن بعض الحرف كالخياطة والكروشيه وصناعة المنظفات والشمع ومن ثم حضرن بعض جلسات التوعية حول الصحة وتربية الأطفال، وفي مرحلة متقدمة قدم أحد المراكز لهن توعية حقوقية بسيطة حول الحقوق التي يجب أن تتمتع بها المرأة بالعموم وهي محرومة منها في الدستور السوري، وحول قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة كالقرار 1325 والقرارات الرديفة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “السيداو”، كل ذلك جعلهن يتحدثن عن واقعهن بشكل أكثر وعياً من ذي قبل. وأصبحن يعين أن الحرب برغم قساوتها ودمارها، كشفت لهن كنساء مستوراً مختلفاً تماماً عما تعودن وتربين عليه.

إذا ماذا حدث لأدوراهن الجندية بعد استهداف مناطقهن ونزوحهن؟

عبرت بسمة أن حياتها انقلبت رأساً على عقب إثر نزوحهم، فهي تضطر للعمل في تنظيف البيوت سراً لعدم قبول زوجها بذلك، علماً انه من الرجال الذين انسجموا مع البيئة المضيفة، ولم يعارض أي نشاط اجتماعي قامت به زوجته.

بينما اعترفت أميرة أن كل شيء في البيئة المضيفة أصعب من ذي قبل، كالمعيشة وظروف السكن، إلا أن هناك ثقافة جديدة اكتشفتها من الاختلاط ببيئة مختلفة بالعادات والتقاليد والتفكير، ولاحظت الحرية التي تمتعت بها صديقاتها العاملات، وعبرت عن رغبتها الكبيرة في العمل والخروج من المنزل مثلهن ومثل نساء المنطقة، بيد أن عائلتها وخاصة أخوها يمنع ذلك، وهي تعاني حتى اليوم بالرغم من المحاولات المستمرة لكن دون جدوى.

أما وداد، فقد عانت الكثير، عندما بدأت تصنع المنظفات وتسوقها، من تدخل زوجها وتسلطه، ورغبته بعدم خروجها، إلا أن ظرف عمله الطويل أدى إلى اضطراره للسماح لها بالتعامل مع المجتمع، ويوماً بعد يوم بدأ ينسجم مع هذه الحال.

وترى حلا أن الحرب كانت قذرة بكل التفاصيل، ولكن وجهها الآخر الذي جعلها تعمل في مكتب كعمل جزئي، هو شيء لم تكن لتتخيله البته في بيئتها السابقة.

تكررت الحالات التي لم تسمح للمرأة بأي دور جديد مع تغير الظروف، وكذلك تعددت الحالات التي غيرت من الدور الجندري للمرأة وسمحت لها بالعمل والانفتاح بشكل بسيط ومنهن من شاركن بشكل أكثر فاعلية.

فنسرين، 38 عاماً، والتي فقدت معيل الأسرة في الداخل وخرجت مع طفليها، تغير واقعها تماماً من امرأة سجينة الجدران والعادات البالية إلى امراة تعمل في مشغل للخيزران مع الرجال، وتحدد ساعات عملها، وتطلب راتباً تستحقه، وتدفع إيجار منزلها بعد معاناة طويلة، أثبتت بعدها أنها قادرة على تحمل المسؤولة بشكل جيد عن تأمين حياة كريمة لها ولأطفالها بالإضافة للمشاركة بمبادرات اجتماعية عديدة.

هل غياب الرجل المعيل هو الحل للنساء المحرومات من حقوقهن ومنها حق العمل؟

يبدو أن نتيجةً اشكالية ومريرة هي التي فرضت نفسها في وضع المرأة النازحة، إذ أن أغلب اللواتي تم النقاش معهن صرحن أنهن بحاجة إلى موافقة رجل العائلة (أب /أخ /زوج) كي يمارسن السلوك الجديد الذي اكتسبنه بعد معارفهن الجديدة، إلا أن تسلط وهيمنة هذا الأخير هي من تحدد درجة مشاركة المرأة وعملها وخروجها عن المألوف المعروف في المجتمع القديم وعاداته وتقاليده، وخاصة أن مخالفة الرجل في هذه الأوساط ترجع إلى مخالفة دينية تخشى أغلب النساء من الوقوع فريستها، ولكن معترك الحياة في غياب المعيل الرجل أو عدم قدرته على اعالة الأسرة هو ما ساعد على قيام المرأة بدور فعال ومن المفروض أن يكون هو الطبيعي. فإلى متى سيبقى قيام المرأة بالدور الذي تراه بنفسها مناسباً معلقاً بما يسمح به الرجل؟ وإلى متى سيبقى هذا الحق مغيباً بمعنى الحق وليس كضرورة؟  من ثم إن غياب المعيل ليس حلاً، وإنما هي حالة طارئة فرضت نفسها، فمتى ستستطيع المرأة بوجود المعيل والعائلة والمجتمع والدين والقانون امتلاك ذاتها وحقها بالعمل وأين وكيف؟

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة