Search
Close this search box.

تربية الأبناء مسؤولية تثقل كاهل أرامل الحرب

تربية الأبناء مسؤولية تثقل كاهل أرامل الحرب

إدلب – نهى الحسن

رفضت الأرملة الثلاثينية مها العراج فكرة الزواج الثاني، وأخذت عهداً على نفسها أن تعوض أبناءها الثلاثة عن غياب والدهم الذي استشهد في إحدى غارات الطيران الحربي على مدينتها أريحا منذ سنوات، لتجد نفسها أمام تحد كبير لتربيتهم في بيئة صحية توفر لهم التوازن على الصعيدين الوجودي والنفسي.

تقول مها لشبكة المرأة السورية: “لم يكن الأمر سهلاً بالمطلق، فهناك أمور عديدة أثرت بشكل سلبي على تربية أولادي، أهمها غياب السلطة المتمثلة بوالدهم، فالأم لوحدها لا تستطيع ضبط وقيادة الأبناء، كما أنني في الفترة الأخيرة أستنفذ الكثير من وقتي بالعمل في محاولة لتعويض أطفالي عن غياب والدهم، وتأمين جميع حاجياتهم ومستلزماتهم، مما جعلني أقصر بدوري كأم تجاههم“.

مازالت الحرب التي تعيشها سوريا على مدار عشر سنوات تلقي بظلالها السوداوية القاتمة على حياة السوريين، ولا سيما حياة المرأة الأم التي كانت من أشد  الناس تضرراً، وأكثرهم معاناة خلال أعوام الثورة، فمعاناتها في ظل غياب زوجها (مقاتلاً أو مسعفاً أو معتقلاً أو شهيداً) جعل من تربيتها لأطفالها حملاً ثقيلاً، يضاف إلى حمل الظروف القاسية التي تواجهها.

وجدت المرأة نفسها في مواجهة تحمل الأعباء المادية لإعالة عائلتها من جهة، وإدارة شؤون أبنائها والقيام بدور مزدوج معهم،  بغية ملء الفراغ الذي تركه الأب في حياتهم من جهة ثانية.

أم فادي (٢٦عاماً) من ريف إدلب الجنوبي توفي زوجها  في الحرب الدائرة، منذ أكثر من سنتين، تقول بأن وفاة زوجها أثر بشكل كبير على شخصية ابنها الوحيد فادي (٧ أعوام)، فتصرفات الطفل وسلوكه تدل على أنه أصيب بأزمة نفسية، نتيجة غياب والده الذي كان يحضر له كل مايريد، ويصحبه معه أينما ذهب، وكان يلاعبه ويدلله ويسليه.

تصمت الأم قليلاً ثم تتابع بغصة وبدموع تبلل وجنتيها: “يزداد قلقي يوماً بعد يوم، ولا أعرف كيف أتعامل مع طفلي الذي بات يردد دائما كلمات اشتياقه لوالده، ويميل دائماً للعزلة، ويبدو حزيناً في معظم الأوقات، ويبدي عنفاً وعدواناً وكرهاً متزايداً تجاه الأطفال الذين يلاقون اهتماماً وعناية من آبائهم”.

لم تكن أم فادي الوحيدة التي عانت من مشكلة غياب زوجها في تربية ابنها، فالأربعينية فاطمة الحسين من مدينة إدلب لديها أربعة أبناء، اعتقل زوجها منذ بداية الثورة ولا تعلم ما إذا قد توفي أو مازال على قيد الحياة. اضطرت فاطمة لتحمل أعباء مسؤولية تربية الأولاد والإنفاق عليهم، فراحت تعمل مستخدمة في إحدى المشافي الميدانية.

ساعات طويلة كانت تقضيها  فاطمة خارج المنزل بعيدة عن العناية بأبنائها الذين راحت تعترف وبكل صدق بأنهم خرجوا عن سيطرتها، وأصبحت عاجزة عن ضبطهم وتربيتهم.

تقول فاطمة بحزن شديد وحسرة: “أشعر بأن أولادي أصبحوا أقوى مني، وكلما زادت أعمارهم كلما قلت سطوتي وقدرتي على تربيتهم، حتى  صار ابني الأكبر قيس (١٤عاماً) يفعل الآن ما بدا له، يخرج متى يشاء، ويعود متى يشاء، ويصاحب من يشاء،حتى أنه تعلم عادة التدخين التي حاولت مراراً وتكراراً نهيه عنها، إلا أن جميع محاولاتي لضبطه ولجمه باءت بالفشل”.

وتصرح الأم بأن قيس كان يشتري علبة السجائر من المصروف الذي كانت تعطيه له، وعندما منعته عنه كي يقلع عن التدخين راح يستدين النقود من رفاقه، وتخشى من أن يسلك ابنها طريق السرقة بغية شراء السجائر اللعينة التي أدمن عليها.

وعلى الرغم من جميع الصعوبات والتحديات التي تواجهها المرأة بعد رحيل زوجها في تربية أبنائها، إلا أن هناك نساء حاولن  بإرادتهن الصلبة وعزيمتهن القوية تغيير الفكر السائد في المجتمع على أن المرأة لا تستطيع بمفردها أن تربي وتنشئ أطفالا جيدين، ومنهم أم حسام (٣٥عاماً) من معرة النعمان التي  كانت لها تجربة مختلفة تماماً في تربية طفليها عن تجربة فاطمة، حيث حاولت جاهدة بعد رحيل زوجها  أن تقوم بدور الأب والأم معاً، ونجحت  في ذلك. فقد استطاعت أن تربي أولادها بمفردها تربية حسنة، وغرست في نفوسهم الأخلاق الحميدة، كما وأصرت على أن يتلقوا تعليماً جيداً، على الرغم من تراجع مستوى التعليم في إدلب وريفها  بسبب الحرب، فقد  عملت على متابعة دراستهم، وكرست لهم جل اهتمامها وعنايتها، حتى أصبحوا من المتفوقين والمتميزين في مدرستهم.

تقول أم حسام بأنها فخورة لأنها استطاعت أن تجتاز أزمة موت الزوج، ومن ثم الإهتمام بأولادها، حتى أصبحت لهم الأم الحنون، والأب الرحيم، والموجه في كل شؤون حياتهم.

وعن كيفية تعامل الأمهات فاقدات الزوج مع أطفالهن تقول المرشدة الإجتماعية سهام الخالد (٣٩  عاماً) من ريف إدلب: “يجب على الأم أن تدرك في البداية بأن الطفل يحتاج إلى حدود ومعايير وتفسيرات وإلى الحنان والسلطة، وهذا تحد كبير بالنسبة لها، ويتطلب منها القدرة على تحقيق التوازن، كما يجب على الأم أن لا تتعامل مع ابنها على أنه رجل البيت، لأن ذلك خطأ كبير تقع فيه الأمهات، حيث يشعرونهم بضرورة تحمل المسؤولية، وتعويض غياب الأب، بل يجب على الأم أن تجعل طفلها يعيش كافة مراحل طفولته”.

ونوهت الخالد إلى ضرورة اختيار قدوة حسنة للطفل وإدماجه بها مثل الجد أو الخال أو العم حتى يكتسب منهم الخبرات المتنوعة، كما يتوجب على الأم جعل جميع أبنائها مشاركين في تحمل المسؤولية، ومتحدين في مواجهة الصعاب، فتوزع المهمات فيما بينهم بحسب سنهم وقدراتهم الإدراكية، مثلا يمكن للإبن البكر مساعدة أخيه في واجباته المدرسية، ولكن ليس من مسؤوليته أن يحل مشكلة واجهها شقيقه الصغير في المدرسة.

وشددت المرشدة الإجتماعية في نهاية حديثها عن عدم التخلي عن العلاقات الإجتماعية، فبعض الأمهات يفضلن المكوث في البيت مع أبنائهن طوال اليوم، وعدم الخروج أو استقبال الضيوف، وهذا يمكن أن يصبح خانقاً بالنسبة إلى الأبناء، لذا عليها إقامة العلاقات الإجتماعية فتسمح لنفسها ولأبنائها باستقبال أصدقائهم أو زيارتهم.

خاص بـ”شبكة المرأة السورية”

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »