Search
Close this search box.

 حساب..عندما يقايض أطفالنا الفرح بالواجب

 حساب..عندما يقايض أطفالنا الفرح بالواجب

 

منتهى شريف

 قفز حازم من مقعده مشيراً للعلبة الكرتونية الكبيرة التي وضعت عند باب غرفة الصف، بينما كان الأطفال مشغولين بحل بعض التمارين الحسابية الخاصة بالجمع والطرح والضرب والقسمة؛ عندما  أثار بحركته انتباههم  وفضولهم، فتعلقت نظراتهم بها، تاركين الكتابة محاولين استكشاف الأمر.

طلبتُ منهم إكمال الحل، ولكن عبثاً أحاول، وقبل أن يغلف اليأس محاولاتي أدخلت المعلمة الإدارية من الباب المفتوح أصلاً علبة ثانية وثالثة ورابعة، فزاد الهمس وعلت الضجة.

  • سأل سامح متحمساُ: “يااه شو ممكن يكون فيهم ؟!”
  • أجاب رام وهو يحاول أن يخترق الصناديق بنظراته الثاقبة: “أكيد فيهن ألعاب وهدايا من بابا نويل، ربما أرسلهم لنا لأنه ما قدر يوصل لعندنا”.
  • قال سام: “يمكن فيهن دفاتر وأقلام”
  • فجأة علا صوت سارة: “أتوقع فيهن بسكويت من المعونات”!

بلغ حماسهم أشده عندما أمسكت المعلمة الإدارية مقصاً حاداً وبدأت برفع اللاصق عن الصناديق ثم بدأت بفتحتها  بخفة ساحرة، لتُظهر ما تحتويه من البسكويت المغلف المحشو بالتمر والمحتوي بداخله على ثلاث قطع صغيرة.

باشَرَت المعلمة بالتوزيع من المقعد الأول حيث يجلس جواد، راحت تعد له القطع المغلفة، واللهفة تملأ عيونَ زملائه، بدأت بالعد الزوجي: اثنتان، أربعة، ستة، ثمانية، عشرة ! أكمل الأطفال معها العد دون انتظار موافقتها، كانت حدقات أعينهم تتسع وأصواتهم تعلو تدريجياً  كلما تقدموا بالعدِّ: ” ستة عشر،  سبعة عشر ….إلى أن وصلت لنهاية الحصة المخصصة له وهنا زاد توتر الصوت، فنطقوها سوية:  عشروووون!

حشر جواد كل قطع البسكويت في حقيبته وراح يتخيل نفسه مزهواً وهو يوزعها على إخوته، تابعت المعلمة التوزيع وتابع الأطفال العد معها بذات الحماس، بعدها بدأت مهمتي في مساعدة الأطفال لإغلاق حقائبهم التي انتفخت بشكل ملفت قبل أن ينصرفوا لبيوتهم  مع كنوزهم اللذيذة.

في الحقيقة لم تكن سعادتي أقل من سعادتهم، فأنا أيضاً نلت حصتي من البسكويت المعدّ خصيصاً لنا، نحن الذين أفقرتنا الحرب وبات شراء قطعة من البسكويت بالنسبة لنا نوعاً من الرفاهية غير الممكنة.  

 ولأول مرة بدأ ينتابني ذلك الشعور الجمعي الغريب عندما مشيت معهم وشعرت مثلهم بفرح باذخ، سرعان انتشرت  بالشارع رائحة الفانيليا التي فاحت من أفواه الأطفال بعد أن أطلقوا لأنفسهم العنان بأكل أول واحدة من القطع العشرين.

ركض نحوي بعض الأطفال متسائلين إن كان توزيع البسكويت سيكون كل أسبوع  فحاولت أن أكون إيجابية وأبث فيهم روح الحماس  لدفعهم نحو مزيد من الالتزام بالدوام، إذ بتنا نعاني في المدارس من مشكلة عدم حضور التلاميذ في أيام الشتاء وكلما سألنا الأهل يتذرعون بالبرد والخوف عليهم من المرض وبالطبع السبب الحقيقي هو عدم القدرة على زيارة الطبيب بسبب ارتفاع سعر الاستشارة وكذلك الغلاء الفاحش للدواء وعدم توفره في أحيان كثيرة بالإضافة لأسباب كثيرة أخرى منها الخوف على الأولاد من الخطف أو التعرض لمخاطر الفوضى والسلاح العشوائي فلقد باتت سلامة وأمان الأطفال بالنسبة لذويهم أهم من تعليمهم بكثير .

 في طريقنا خارجين من المدرسة تجمع غالبية التلاميذ حول بائع الفول الذي وافق على مقايضة قطعتين من البسكويت بكأس فول صغيرة، وحذا حذوه البائع المجاور للمدرسة فامتلأت أيادي الأطفال بغزل البنات والحلوى والبالونات.

لكن صراخ جاد جعل الجميع يجمد مكانه، فلقد اختفت الحقيبة التي جمع فيها مع اخوته كل البسكويت المخصص لهم، كان قد تركها معهم وذهب ليتفق مع بائع الخضار ليبدلها  ببعض الخضار والفاكهة، هاج الجميع مستنكرين ما حصل، وبدأنا نبحث عنها في كل مكان لكننا لم نجدها !

علامات اليأس بدت على جاد الذي استند الى الجدار وبدأ يبكي بقهر، جلست بجانبه محاولة أن أجد حلاً، فانضم إلينا الكثير من الأولاد، دموعه  كانت غزيرة لحد جعل أخوه الأوسط  يضمه بقوة: “لازم حسبناها مليح ولم نضعهم  كلهم في حقيبة واحدة،  ستون  بسكويته…  كنا رح نعمل أشياء كثير فيهن “

بلحظة واحدة فتح الجميع حقائبهم، وكل منهم قدم  قطعة من حصته لجاد، لكنه هز رأسه رافضاً ذلك فرحت أحاول اقناعه بقبولها وهو صامت يهز برأسه بعدم القبول، فجأة شاهدناه  قادماً من بعيد، كان حمودة، الأخ الأصغر، مقبلاً باتجاهنا يجرّ الحقيبة الممتلئة على الأرض.

هرع الأطفال لملاقاته ومساعدته، فوقف جاد ومن عينيه يتطاير الغضب، عندما  اقترب أكثر منه،  قال الصغير متلعثماً : أخذتهم لجيب  بدالهن  قنينة غاز!  نظر جاد لأخيه غير مصدق، فأكمل الصغير شارحه: لكن البياع قال بده بطاقة! شو يعني بطاقة ؟

 انفجرنا جميعاً بالضحك فاقترب جاد من أخيه الصغير وهمّ برفعه وهو يضحك، وتعالت الضحكات المختلطة بالدموع، ودرنا جميعاً معهما في فلك الحساب، قفزنا محاولين اللعب مع الأرقام الشريرة التي يصعب  التقاطها، فلوحت  لنا باستهزاء هاربة من بين أصابعنا  لعالمها الخرافي … ثم صمت الجميع!

من بعيد اخترقت أسماعنا أصواتهم، كانت قادمة من آخر الشارع، وكلما اقتربوا كانت كلماتهم تبدو أكثر وضوحاً وكثافة وهم يهتفون : “بدنا نعيش”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »