Search
Close this search box.

معتقلات بتهمة الجوال

معتقلات بتهمة الجوال

هند المجلي

كان لثورة الحرية في سورية أن تنطلق عاجلاً أم آجلاً، وكان للنظام أن يكون لها بالمرصاد ليحاربها ويقمعها بكل عنف ووحشية. فالمواطنة في سورية لها ترتيبات أخرى، حيث لا حقوق ولا حريات ولا رأي ولا موقف ولا حتى تعاطف مع الثورة بأي شكل من الأشكال.

وهكذا قمع النظام وبعنف ثورة سورية الشعبية التي انطلقت منادية بالحرية والكرامة، وطال عنف النظام البشر والشجر  والحجر والحيوان، اعتقالاً وتعذيباً وقتلاً وتدميراً وحرقاً، ووصل حد استباحة كل شيء للإنسانية والخصوصية  من صورة أو رسالة  أو اسم أو انتماء لمدينة ما. فلم تكن الجوّالات ولا الحقائب الشخصية ولا الحواسيب  ولا الهويات الشخصية بمنأى عن بطشه. وكان للجوالات الشخصية أن تشارك في الثورة، من تصوير للمظاهرات ولرجال الأمن وهم يطلقون النار على المتظاهرين وصور الشهداء الذين قضوا في المظاهرات وصور المعذبين واثار التعذيب وصور المنازل المدمرة، وكان لها  ولأصحابها نصيب كبير في دفع أثمان باهظة للمشاركة بالثورة حتى وان كانت مشاركة من باب تعاطف أو مصيبة شخصية، وتمت اعتقالات كثيرة  بتهمة  صورة أو أغنية في جوّال، للنساء فيها حصة كبيرة.

وهذه بعض من  قصص معتقلات كانت تهمتهن الأساسية … صورة على الجوال!

هدى

النازحة من حمص إلى دمشق، والتي اضطرت أن تذهب إلى إحدى الكنائس في باب توما لتأخذ حصتها من المعونات الغذائية التي توزعها الكنيسة. كانت المرة الأولى التي تمشي في شوارع دمشق القديمة وتأسرها بجمالها، تتوقف عند باب توما لتلتقط صورة ترسلها لابنتها … انظري ما أجمل دمشق وأبوابها. كانت تريد مشاركتها اعجابها وانبهارها بدمشق القديمة، رغم ماتعانيه من هموم كثيرة هي هموم نسائنا جميعاً في سورية، من تشرد وفقر تخوضه لأول مرة في حياتها. لا مأوى لها ولا عمل لزوجها، حيث تركوا كل شيء في حمص وهربوا انقاذاً لحياتهم وحياة أولادهم، وما أن تخرج جوالها من حقيبتها وتضغط زر التصوير حتى تجد أنها محاصرة بالعديد من رجال الأمن ليخطفوا جوالها من يدها ويطلبوا هويتها. كانت هويتها زلزالاً مدمراً، انتماء لمنطقة ثائرة، وهو سبب كاف لتعتقل من أجله أو تقتل. كانت من باب سباع في حمص. تعالت الصيحات: “باب كلاب أيتها المجرمة … وتصورين أيضاً أيتها الإرهابية؟”. وما أن يفتحوا الجوال حتى تدوي صيحات انتصار رهيبة، لقد قبضوا على المجرمة القاتلة الإرهابية، ففي الجوال صورة لشهداء بابا عمرو: “كيف ستفلتين من العقاب أيتها الفاجرة؟”. تحاول أن تشرح قصتها: “لا شأن لي بالثورة، أنا مجرد امرأة نازحة منكوبة، لا أحد يسمعها، ولا مجال للهرب، كل هذا في دقائق كأنها دهر”. وبسرعة البرق تم اقتيادها الى فرع الأمن، وابتدأت رحلة  التحقيق والتعذيب مباشرة. لقد وصلوا الى العصابات الارهابية، ستعترف لأي جهة تعمل ولمن ترسل الصور . لا أحد يصدق روايتها، يجب أن تعترف. هذه المرأة هي من دمّرت سورية. وتقسم أيماناً وأيماناً وتبكي: “لا علاقة لي بأحد، إنها صورة … صورة أردت إرسالها لابنتي”.

أخيراً تم توجيه تهمة لهدى مفادها التعاون مع الإرهابيين وتصوير مواقع عسكرية وارسال الصور إلى العصابات المسلحة من أجل تفجيرها.

أمضت هدى أكثر من مائة يوم في كابوس الاعتقال، وهي تخضع للتحقيق والاهانة، عقوبة انتمائها لباب سباع وصورة شهداء بابا عمرو على جوالها، وربما أغنية من أغاني الثورة .

نوال

النازحة أيضاً من حمص، وثقيم في إحدى المدارس  في دمشق مع العديد من الأسر النازحة من مناطق ساخنة، والمدارس هي فروع أمنية أيضاً  وسجون، خوف من التفوه بأي كلمة، أو تعبير عن ألم مصيبة، تفتيش الهويات عند أي حركة، وحتى تفتيش هويات الزائرين والعاملين في الإغاثة، وتحديد أوقات الخروج والدخول الى المدرسة.

كانت نوال الأم لولدين صغيرين، تمسك بجوالها حين بدأ أمن المدرسة في التفتيش فجأة، ودون تردد أو خوف ناولت جوالها  لعنصر الأمن، وكانت الكارثة الكبرى. تغير كل شيء فجأة وكأنه مسه الشيطان: “قفي مكانك، لا تتحركي”. ثم اتصل بدورية الأمن التي لبت النداء خلال دقائق، ليقيدوا يديها ويدفعونها بعنف ووحشية أمام أعين زوجها  وولديها وكل النازحين المقيمين في المدرسة. لا أحد يمكنه أن يسأل في حضرة الأرباب الأمنيين، الكل يرتعد من أن يقتادوه معها أو يطلقون عليه الرصاص. وتتوجه بها السيارة مسرعة الى فرع الأمن. يدفعونها دفعاً، تقع لمرات عديدة ويضربونها لتقف من جديد وتتابع المسير وتزف بسيل من المسبات والشتائم. وما أن دخلت الى الفرع حتى اجتمع العديد من عناصر الأمن والمحققين، وبأسلوب همجي دفعوها لتقع على الأرض، وأمروها أن تنام على بطنها وترفع رجليها وانهالوا عليها بالضرب والشتائم القذرة. وما أرعبها جداً تهديدات العناصر بالاغتصاب إن لم تعترف بأسماء العصابة المسلحة ومن أرسل لها الرسالة وأين مكانه: “اعترفي من أرسل هذه الرسالة؟ أين هو؟ ما اسمه؟ اعترفي عن الإرهابيين الذين تتعاملين معهم”. تجرأت وهي تبكي وتتألم أن تسأل عن الرسالة، وهي تقسم أنها لا تعرف شيئاً، ولا تفهم ماذا فعلت. كانت الرسالة: ” أنا رايح فجّر الحاجز … ادعيلي”.  أقسمت أنها لاتعرف شيئاً عن الرسالة ولا المرسل ولا شأن لها بكل ما يسألونها عنه. واعترفت أيضاً أنها لم تذهب للمدرسة يوماً ولم تتعلم القراءة والكتابة. لم يشفع لها قولها، فيقين لديهم أنها إرهابية  وأنها تعرف مرسل الرسالة وأنها تتعاون معه. وتكرر التحقيق معها يومياً، وبنفس الطريقة، لأكثر من ستة شهور قضتها في الفرع وسجن عدرا الى أن تحولت الى محكمة الإرهاب.

رابعة …

المرأة الدمشقية، ابنة العائلة العريقة المعروفة بالعلم والدين، تزور صديقة نازحة في إحدى المدارس التي يقطنها النازحون. تقف على الباب لتعطي هويتها أولاً قبل السماح لها بالدخول، حيث يتعامل عنصر الأمن بازدراء، بطريقة وقحة لا احترام فيها. يأخذ هويتها , ويهملها بطريقة مستفزة. لم تحتمل ذلك وطلبت منه أن يعطيها هويتها ويأذن لها بالدخول. ربما رفعت صوتها في حضرة سيادته الذي لا يحتمل العصيان فتبرز وتجحظ عيناه من هذه المرأة التي تتجرأ وتطلب منه أن يستعجل. يهجم عليها ويضربها ويصفعها على وجهها، لتأتيه النجدة الأمنية حيث يعلمون أنها تطاولت على عنصر الأمن، فيشاركونه سبها  وضربها وتهديدها. فجأة طلبوا جوالها لينفجر البركان: “ماهذا؟ صورة جنازة لشهيد وقد كفّن بعلم الثورة”. كان هذا كافياً لتحال الى المقصلة. وبسرعة البرق زجوها في تلك السيارة العجيبة وانطلقوا إلى فرع الأمن، حيث قام عناصر الفرع بمهمتهم التحقيقية على أكمل وجه من ضرب وشتم وتعذيب، لانتزاع اعترافات تناسب التهم الجاهزة لديهم. كانت الصورة لابن أختها الذي استشهد في إحدى مظاهرات دمشق القديمة  وبسببها اعتقلت في الفرع لمدة قاربت الشهرين.

علمت مؤخراً أنها سافرت خارج سورية، وعلمت أيضاً أن ابنها  استشهد تحت التعذيب منذ فترة قصيرة في أحد الفروع الأمنية.

كثيرات اعتقلن بسبب جوالاتهن، وقصص كثيرة مماثلة عن تعرضهن لكل الانتهاكات بسبب صورة أو رسالة أو عبارة أو أغنية تشير للثورة من بعيد أو قريب، ومنها ما كان يدعو للضحك رغم الألم، كقصة تلك السيدة التي أوقفها الحاجز وفتش جوالها فعثر على فيديو سجلته بنفسها وهي تغني أمام حفيدتها لتكرر بعدها بصوت الطفولة بعضاً من هتافات الثورة. وقصة المرأة التي ذهبت الى بيتها المهدم في حرستا والتقطت صورة لبيتها، ولاقت مالاقته من التعذيب  بسبب هذه الصورة ثم تعترف بتهمة أنها ترسل الصور الى محطات أجنبية وعربية مغرضة!

هن نساء ربما عشن على هامش الحياة سابقاً، ثم جاءت الثورة وحركت فيهن مشاعر قوية. ربما تجرأن أن يقلن  لا للظلم بعد الآن، ولا لاعتقال أبنائنا  وقتلهم وتهجيرهم وتشريدهم، ولا لقمع الحريات. نريد أيضاً وطناً يحترمنا ويكرّم أبناءنا، نريد سورية دولة المواطنة والقانون والحريات.

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »