هذا ليس موتنا !

سعاد الخطيب*

القنَّاصُ في الخبز المؤجَّلِ
صيّادُ الأطفالِ في علبِ الحليب
الموزاييك الّذي فَقَدَ أصالَته المحليّة
واستبدلَ أشلاءنا بفسيفسائِه
مَنْ عَبَرَ بساتينَ الغوطةِ بنعالٍ غريبةٍ
مَنْ تَرجَّلَ من برميل
أو نِقَابٍ أسود
كلُّ ذلك …
ليسَ موتاً سوريّاً
……
….اغتالوا موتنا
******
كانَ موتُنا طائراً يسرحُ بيننا
يمدُّ يدَهُ إلى الرُّفوفِ كالأُنس
يشاركُنا انتقاءَ الصُّور
وعطرَ الرحيل
يتدثَّرُ بالملاءاتِ النَّظيفةِ
ينصاعُ للحمَّامِ وتمشيطِ الشَّعرِ
كطفلٍ حديثِ الولادة
*******
كان موتُنا أنيقاً
لا يرحلُ
قبلَ أنْ يأخذَ حصتَه من الآس
و يضعُ وردةَ الشُّرفة
في جيبِ قميصهِ
ومن بابِ اللَّباقة..
يتركُ طيفَ ابتسامةٍ
في سريره
******
كان موتُنا حنوناً
يتركُ لنا عتبةً للوداع
لدعوةِ أصدقاءِ الجنازة
وإذا ما بدأتِ الأمهاتُ بالمراثي
كان موتُنا
يتوارى في صندوقِه خجلاً ً
لا يعكّرُ صفوَ الحزن:
“يا صحن تفاح
مرشوش ماوردي
رحت ع الرِّيق
ولا مِتْغَدّي”…
يفردُ فسحةَ الشَّجنِ كاملةً
حتّى آخرِ مرثيَّة:
“يا قلب لوَّعوك بعُود شُومَر
عليّي من أمور الدَّهر شو مر
أَمَرّ من زومٍ عن الصبر انزل”…
*** ***
امرأةٌ تصرُخ بغتة
أمسكَتْ بالعبارةِ الّتي تحومُ على رأسِ لسانِها منذُ الصَّباح:
” يا الله…
الأولاد الضَّالون
لم يعودوا ليلبسوا أكفانَهم…”
ترقدُ غمغمةٌ خَشِنَةٌ
في حناجرِ الأمهات
الحدقاتُ تتكَّسرُ بلا دموع
في التغريبة
لا مجالسَ عزاء
تبعثُ المراثي من سباتها
الرَّاحاتُ تهيمُ طيوراً فَزِعَةً
كأنَّها انتُزِعَتِ الآن
من لوحة غرنيكا
…. …..
الغرابُ
يسخرُ مِن أكفانٍ مكدَّسةٍ
في خزائننا
يمتَدحُ براعتَنا في الحفر.
*****
إذا استثنيتُ قصيدتي
لا شيءَ بشريّاً في المشهد
… إنها غرنيكا بيكاسو!
__________________
(*) من ديوان: “عتبة النقص”/ الشاعرة السورية سعاد الخطيب

اترك أول تعليق

بياناتك أمانك: كيف تحمين نفسكِ في العالم الرقمي؟

بياناتك أمانك: كيف تحمين نفسكِ في العالم الرقمي؟   أصبحت الهواتف الذكية والإنترنت جزءًا أساسيًا…

ورقة موقف حول واقع النساء في سوريا ومتطلبات المرحلة الانتقالية

تهدف هذه الورقة إلى تقديم رؤية حقوقية وسياسية للحركات والمنظمات النسوية السورية الموقعة عليها حول…

عودة اللاجئين إلى سورية: تطلعات إنسانية وتحديات قانونية وإدارية في مرحلة التعافي

اعداد:  المحامية  حنان زاهر الدين ​شهدت المرحلة الجديدة التي عاشتها سورية بعد الأحداث الأخيرة، ولا…