اعداد: المحامية حنان زاهر الدين
شهدت المرحلة الجديدة التي عاشتها سورية بعد الأحداث الأخيرة، ولا سيما بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، تحولاً بارزاً تمثل في بدء عودة اللاجئين واللاجئات إلى بلدهم وأماكنهم الأصلية. ومع وصف هذه العودة بأنها “آمنة وطوعية”، إلا أنها تبقى محفوفة بالعديد من التحديات والعقبات التي تتأرجح بين المشاعر الإنسانية التواقة للوطن، وبين الحسابات الاقتصادية والأمنية المعقدة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، تبرز النساء كالحلقة الأضعف التي تقع على عاتقها معظم تحديات الحياة اليومية؛ إذ تعرضن خلال مسيرة لجوئهن لشتى أنواع الانتهاكات والعنف والتشرد والتشتت الأسري، ليصبح حلمهن الأكبر هو العودة الآمنة والكريمة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني خطة وطنية شاملة لعودة اللاجئين تستند إلى المبادئ الدولية لحقوق الإنسان، وتتطلب إصدار تشريعات عادلة وأطر قانونية جديدة لمعالجة القضايا الجوهرية، وتوفير آليات الحماية وضمان حقوق الوصول للقضاء، وتسهيل الحصول على الوثائق الرسمية بخفض رسومها، وتقديم الدعم الفوري للعائدين لمساعدتهم على رد اعتبارهم القانوني.
ولتحقيق عودة مستدامة تضمن حقوق الجميع، نستعرض أبرز الإجراءات الإدارية، القانونية، والسياساتية التي يحتاجها اللاجئون واللاجئات عند عودتهم الدائمة إلى سورية:
أولاً: الإجراءات الإدارية والقانونية الشخصية
تثبيت وإعادة تفعيل الوثائق الشخصية: التأكد من وجود الهوية الشخصية كخطوة أساسية، وفي حال فقدانها يجب التوجه فوراً إلى دائرة الأحوال المدنية لاستخراج بدل ضائع عنها.
تجديد جوازات السفر: العمل على تجديد جواز السفر منتهي الصلاحية، ويتطلب ذلك الحصول على بيان قيد مدني حديث من السجل المدني، وتسجيل أي تغيرات طارئة أو وقائع حيوية كعقود الزواج، الطلاق، أو الوفاة التي حدثت خارج البلاد ولم تُسجل بعد.
تسجيل الأطفال المولودين في بلدان اللجوء: تعد هذه الخطوة ضرورية لضمان حقوق الأطفال في التعليم والمواطنة، وتتم عبر:
تقديم شهادة الولادة الأصلية ومصادقتها من الجهات المختصة في بلد الولادة.
تصديق الشهادة من القنصلية السورية في بلد اللجوء (إن وجدت)، ثم تصديقها من الجهات المختصة داخل سورية.
تقديم هوية الأب والأم وعقد الزواج أو البيان العائلي لدائرة السجل المدني للحصول على شهادة ميلاد سورية وإخراج قيد مدني للطفل وإضافته لبيان العائلة.
في حال غياب وثائق الولادة الأصلية للطفل، يترتب تنظيم ضبط شرطة وتثبيت زواج ونسب قضائياً، ثم اتباع ذات إجراءات التسجيل الإدارية.
ثانياً: حماية حقوق الملكية، السكن، والأراضي
التحقق من الملكيات العقارية: يتوجب على العائدين مراجعة مديريات السجل العقاري للتحقق من ملكية عقاراتهم وأملاكهم، مع الاحتفاظ بالوثائق الثبوتية أو استخراج بديل عنها، والسعي لتثبيت الحقوق الإيجارية أو الرهنية إن وجدت.
آليات حل النزاعات والتعويض: يقع على عاتق الدولة تسهيل إعادة الملكيات عبر تشكيل لجان متخصصة لحل النزاعات العقارية، وتعويض المتضررين الذين فقدوا وثائق ملكيتهم ولم يقووا على استخراجها وإثباتها، بالإضافة إلى حماية السجلات العقارية من الفساد والتزوير.
ثالثاً: السياسات الوطنية والخطط المستدامة لتمكين النساء والعائدين
إن غياب الخطط الإسعافية والبرامج الوطنية الواضحة حتى الآن يستدعي الإسراع في وضع سياسات مستدامة تتناسب مع حجم المعاناة وعزلة الاغتراب التي عاشها اللاجئون، مع التركيز على دعم النساء من خلال:
توفير البيئة الآمنة: خلق بيئة خالية من العنف ومن أي شكل من أشكال الانتقام أو الاعتقال التعسفي، بما يضمن الاندماج السلس في المجتمع.
المساعدة القانونية والتمويل: تأمين التمويل اللازم لتقديم الخدمات القانونية المجانية وتذليل العقبات المادية التي تحول دون وصول النساء للمحاكم وتوكيل المحامين، مع رفع الوعي القانوني والحقوقي لديهن.
إعادة الإعمار البشري والمؤسساتي: إن إعادة الإعمار لا تنحصر في ترميم المباني، بل تمتد لإعادة بناء المؤسسات ودمج النساء في سوق العمل عبر برامج تنموية وتدريب مهني يتناسب مع قدراتهن.
التعليم والدعم النفسي: وضع برامج دعم نفسي واجتماعي للنساء والشرائح الأكثر تضرراً من النزاع والنزوح، وتعويض الفاقد التعليمي للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة.
صنع القرار والرقابة: دمج النساء اللاجئات والناجيات في عمليات صنع القرار والخطط الوطنية لتعزيز رصد الاحتياجات وتوفير بيئة مجتمعية وقانونية تدعم التعافي المبكر والمستدام.
إن نجاح عودة اللاجئين واللاجئات لا يُقاس بأعداد العائدين فحسب، بل بمقدار ما يتلقونه من رعاية وخدمات تمكنهم من العيش بكرامة وأمان، وبوجود قوانين وتشريعات تحمي حقوقهم وتصونها. وهذا الهدف لا يتطلب سيادة القانون وحسب، بل يستدعي تضافر جهود جماعية حثيثة بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة القادرة على تحمل المسؤولية وإحداث فرق حقيقي في حياة العائدين.

