Search
Close this search box.

عندما يتحول الكورونا إلى خلاص!

عندما يتحول الكورونا إلى خلاص!

منتهى شريف

تسير بين الناس بخطى متأرجحة، مستندة إلى عكازها، فاتحة عينيها على وسعهما وكأنها تبحث عن شيء ما  بين نسمات الهواء وعلى الإسفلت وتحت الأقدام،  ثم ترفع رأسها  للأعلى كل حين علَّها تجده  في الغيوم أو بين حبات المطر ثم  تقترب من السيارات المركونة إلى جانب الرصيف، تاركة  كف يدها يلامس كل شيء، تقول هامسة لنفسها بصوت متهدج: “كنت أعرف أن أمراً سيحدث …”

يصيح السائقون من بعيد منبهين المرأة المسنّة إلى خطورة ما تفعله ويسرع بعض المارة لمساعدتها، لكنها تبعدهم بعكازها، فيبدأ أحدهم بمحاولة اقناعها بأن ما تفعله سوف يؤذيها، ويحدثها بكلمات بسيطة عن ذلك المرض الخطير المنتشر وعن خطورة لمس الأشياء، فتجلجل بضحكة ساخرة تنهيها بكلمة حاسمة: ” بعرف!”

 أم فؤاد من النساء اللواتي أفقدتها الحرب وانعدام الأمن ابنها الوحيد نتيجة لعملية خطف لم يعد منها على الرغم من بيعها كل ما تملكه لإنقاذه.

اقتربت لمساعدتها وسرت بجانبها في الطريق إلى بيتها، تاركة مسافة حذرة بيننا دون أن أتلفظ بحرف.

كانت أعين الناس مشدوهة، انه  تحد جديد لهم،  تحد مضحك مبكي،  فذلك الفيروس الصغير لم يكن أول الحروب التي تُشن عليهم  ولن يكون آخرها. منذ تسع سنوات وهم يذوقون، كل في دوره، مرارة ولوعة الفقد والتهجير والخوف والعازة، وهاهم يسمعون عن ذلك العدو الجديد الذي  يستطيع أن يقتحم بيوتهم  دون أسلحة. يختطف أحبتهم بدون أن يطلب منهم دفع فدية، يعتقلهم في بيوتهم ويحرمهم الحصول على ربح قوت يومهم. هم كانوا يجاهدون للحصول على قوت يوم واحد، فكيف سيستطيعون اليوم أن يملؤوا بيوتهم بمؤنة تبعد عنهم شبح الجوع لمدة قد تطول. عدوهم الجديد لا يحتاج لمدافع أو قذائف يرميها على  بيوتهم، ولن تمنعه كل تلك الحواجز التي قصمت ظهورهم لسنوات من الدخول إلى مناطقهم، هو قادر على قتلهم ببساطة وبأقل تقدير قادر على تركهم أسرى عزلة قاهرة، لن يكونوا قادرين على تحملها لأن شيئاً من يومياتهم البائسة لن يتغير سوى للأسوء.

راقبته من بعيد، جاد عامل التنظيفات الذي دأب لأعوام على تنظيف حينا، كان هذه المرة يعمل دون قفازات، توقف لينظر  للمارة وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، وما أن اقتربت منه لأنبهه عن ضرورة أن يحتاط أكثر، حتى أشار لي بالابتعاد .

سألته مستغربة :”خايف على حالك مني؟”

قال ضاحكاً: “لا أنا مثل كل هالناس الي شايفتيها هون… عم دوِّر عليه”.

بعينيه الضيقة لمحت ذلك التوق الغريب للابتعاد، إنه الوله للتلاشي، للتبخر كذرات الماء تحت ضوء الشمس.

اليأس يلتف حول عنق جاد منذ تسع سنوات، كل محاولاته للهروب من البلد ثم إيجاد عمل يكفيه شر العوز وعائلته، كلها بائت بالفشل. لسنوات كنا نراه كل يوم يضمحل، هو الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين، بأم أعيننا  راقبناه كيف بدأ  يشيخ وشعرنا بروحه تهرم. هو مثل الكثير من الشباب الذين حكم عليهم أن يبقوا ببلاد لا عمل فيها ولا مستقبل بعد أن أوصَدت  الحرب الطرق  أمامهم، فتحولوا لمساجين محكوم عليهم بالعزلة والخيبة واليأس.

كانت عيناه هذا الصباح تلمع  بشيء مختلف وكأنه بدا مستعداً لسفر مؤكد، لا رجعة منه، سفر لمكان آمن، لا يحتاج لجواز سفر ولا لحقائب.

استندت للحائط غير مصدقة ما أراه، الازدحام في الشوارع، على الرغم من كل التنبيهات من انتشار ذلك الفايروس اللعين، كيف لهؤلاء الناس أن يسخروا من وباء عالمي يحصد يومياً مئات الأرواح، كيف لهم أن يتحدوه هكذا؟

توقفت أم فؤاد وبدأت تلوح رافعة يدها للسماء، قائلة: “شكراً يا رب”.

سألتها مستغربة عن سبب شكرها لربها فقالت: ” هذا المرض عادل، جاء بوقته لينظف الناس”.

“وأنت؟ ألا تخافين أن تمرضي أو أن تتسبي بعدوى للناس؟”  

ردت ساخرة: “أخاف؟ لم يعد عندي شيء أخاف منه أو عليه”.

لكن ملامحها كانت تشي بخوف من نوع آخر، إنّه الخوف من النجاة هذه المرة.

ماهي الا لحظات حتى مرت سيارة مسرعة كادت تصدمنا، كان يقودها رجل يضع كمامة على وجهه،  لكن الكمامة لم تمنع شتائمه وكلماته النابية من التطاير من فمه إلى أسماعنا. ثم أطلق زمور سيارته على نحو صاخب جمدنا في مكانينا فتطايرت مياه الشارع عبر عجلات سيارته علينا.

 قالت مشيرة له: “قلت لك بدنا كثير لننظف”.

سرنا معاً والصمت رفيقنا إلى منزلها الذي كانت تعيش فيه وحدها، كان الأطفال في طريقنا يملؤون الشارع الترابي، ويتقاذفون الكرة فيما بينهم والفرحة تملأ عيونهم، شاكرين الكورونا على هذه العطلة المفاجئة.

سألت أصغرهم عن سبب كل هذه الفرحة فقال: “إنه عيد الكورونا”.

الأمهات أيضا فرشن الأرصفة واجتمعن أمام البيوت ودار بينهن حديث عن هذا المرض الغريب وهم يلعنن عيشتهن وأقدراهن.

عدت مسرعة للبيت تتقاذفني مفردات ومشاعر مختلفة متناقضة كالحقد، الحذر، الخوف، التعاطف، الحب… عند الباب حاولت التخلص من كل ما يمكن أن أكون حملته معي من فيروسات كي لا أؤذي عائلتي. تخلصت من معطفي الذي علقت به مياه الشارع التي قذفتني بها عجلات سيارة كانت ستقضي على حياتي، لكني لم استطع التخلص من شتائم سائقها في رأسي. نزعت حذائي الذي التصقت به تفاصيل الدروب الملوثة، لكني لم أستطع نزع همومهم عن كاهلي. ثم اتخذت قراري بأن أتوقف عن التفكير في آلامهم طالما أني لن أستطيع فعل شيء لهم. لكن، وككل صباح، عدت في اليوم التالي إليهم لأحمل عن كاهلهم حصتي من جديد.

اللوحة للفنان الأذربيجاني: Seyran Caferli

خاص بـ”شبكة المرأة السورية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »