الحرية لا تكتمل عند باب السجن

بقلم : روضة رضوان 

“تواجه كثير من الناجيات السوريات من الاعتقال معركة جديدة بعد الإفراج عنهن؛ معركة الوصمة الاجتماعية والأحكام المسبقة التي تحول دون تعافيهن واندماجهن في المجتمع.”

لم تكن تتوقع أن أصعب لحظات حياتها ستأتي بعد خروجها من المعتقل. هناك، خلف الجدران الباردة، قاومت الخوف والحرمان والتعذيب، وتمسكت بالأمل في الحرية رغم كل ما تعرضت له. لم يكن ذنبها سوى أنها خرجت تطالب بالكرامة والحرية في وطن أنهكته سنوات طويلة من الاستبداد والقمع.

كانت تظن أن باب السجن حين يُفتح سيطوي خلف مصراعيه سنوات الألم، وأن العودة إلى الحياة ستكون بداية التعافي واستعادة ما فقدته. لكنها فوجئت بأن الحرية التي انتظرتها طويلاً لم تكن كاملة كما تخيلت. فخارج المعتقل كانت تنتظرها معركة أخرى، أقل وضوحاً لكنها لا تقل قسوة؛ معركة نظرات الشك والأحكام المسبقة والهمسات التي تلاحقها أينما ذهبت.

حتى بعض المقربين منها، ممن كانت تنتظر منهم الدعم والاحتواء، تغيرت نظرتهم إليها. لم تكن بحاجة إلى كلمات كي تدرك ما تخفيه تلك النظرات من اتهامات وأسئلة غير منطوقة. وهكذا وجدت نفسها مطالبة بالدفاع عن كرامتها من جديد، بعد أن دفعت ثمناً باهظاً دفاعاً عن كرامة وطنها.

النساء السوريات والاعتقال: مشاركة وثمن باهظ

هذه القصة ليست قصة امرأة واحدة. فقد شاركت آلاف النساء السوريات في الثورة منذ بدايتها، فكن ناشطات وإعلاميات ومسعفات ومتطوعات في العمل الإنساني، وتحملن أدواراً ومسؤوليات كبيرة في واحدة من أصعب مراحل تاريخ سوريا الحديث. وقد تعرضت الكثيرات منهن للاعتقال والتعذيب والحرمان من أبسط الحقوق، ودفعن أثماناً شخصية وعائلية ونفسية باهظة.

لكن معاناة عدد كبير من الناجيات لم تتوقف عند لحظة الإفراج عنهن. فبعد الخروج من المعتقل بدأت مرحلة جديدة من الألم تمثلت في الوصمة الاجتماعية التي واجهتهن داخل مجتمعاتهن. فبدلاً من استقبالهن بوصفهن ناجيات من تجربة قاسية وشاهدات على انتهاكات جسيمة، وجدت بعضهن أنفسهن موضع تشكيك وإقصاء، وكأن المعتقل لم يكن كافياً

لمعاقبتهن، أو كأن الماضي في سجن الاعتقال صار بحد ذاته جريمة تستحق المساءلة الاجتماعية.

الوصمة الاجتماعية: امتداد آخر للمعاناة

إن الفجوة الحقيقية التي ما زالت تحتاج إلى معالجة لا تكمن في الاعتقال وحده، بل في طريقة تعامل المجتمع مع الناجيات بعده. فالكثير من النساء لم يحتجن فقط إلى الخروج من السجن، بل إلى من يمد لهن يد الدعم ويمنحهن الشعور بالأمان والانتماء من جديد. غير أن بعضهن وجدن أنفسهن أمام مجتمع يطرح الأسئلة بدلاً من تقديم المساندة، ويصدر الأحكام بدلاً من الاستماع.

إن استمرار هذه الوصمة لا يؤذي الناجيات وحدهن، بل يضر بالمجتمع كله. فهو يدفع الكثير من النساء إلى الصمت والخوف من مشاركة تجاربهن، ويحرم المجتمع من شهادات حية توثق مرحلة مؤلمة من تاريخه. كما أنه يعرقل عملية التعافي النفسي والاجتماعي، ويجعل إعادة الاندماج في الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.

فالناجيات من الاعتقال لا يحتجن إلى الشفقة بقدر ما يحتجن إلى الاعتراف. يحتجن إلى من يعترف بما مررن به، ويحترم صمودهن، وينظر إليهن بوصفهن صاحبات تجربة إنسانية قاسية لا بوصفهن متهمات من نوع آخر يستحققن الشك والريبة. كما أنهن يحتجن إلى دعم نفسي واجتماعي يساعدهن على تجاوز آثار ما تعرضن له، وإلى بيئة آمنة تسمح لهن باستعادة ثقتهن بأنفسهن وبمن حولهن، حتى لا يغدو التحرر من المعتقل صدمة جديدة بعد صدمة الاعتقال.

حفظ الذاكرة والاعتراف بالناجيات

إن احترام المعتقلات السابقات والاستماع إلى أصواتهن ليس مجرد واجب أخلاقي تجاه أفراد تعرضوا للظلم، بل هو جزء من حفظ الذاكرة الجماعية للسوريين. فهؤلاء النساء لسن مجرد ضحايا، بل شاهدات على مرحلة تاريخية مؤلمة، وصون شهاداتهن واحترام تجاربهن هو شكل من أشكال العدالة والإنصاف وحماية الحقيقة من النسيان.

لقد دفعت آلاف النساء، إلى جانب آلاف الرجال، أثماناً باهظة دفاعاً عن الحرية والكرامة الوطنية. فلماذا على النساء أن يدفعن ثمناً آخر من كرامتهن الشخصية؟ إن من واجب المجتمع اليوم أن يقف إلى جانبهن، لا أن يضيف إلى آلامهن أعباء جديدة. فالتعافي الحقيقي لا يتحقق بالإفراج عن المعتقل فحسب، بل يتحقق حين يجد مكانه الطبيعي بين أهله ومجتمعه دون خوف أو وصمة أو إقصاء.

نحو استجابة مجتمعية أكثر عدالة

إن مواجهة الوصمة التي تعاني منها الناجيات من الاعتقال تتطلب جهداً جماعياً تشارك فيه العائلات والمؤسسات والمجتمعات المحلية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فالدعم النفسي المتخصص يجب أن يكون متاحاً للناجيات لمساعدتهن على تجاوز آثار التجربة القاسية، كما ينبغي إطلاق حملات توعية تسهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالاعتقال وتؤكد أن المسؤولية تقع على عاتق الجلاد لا على الضحية.

كذلك، من الضروري توفير مساحات آمنة تتيح للناجيات مشاركة تجاربهن دون خوف من الأحكام المسبقة أو التشهير، والاستفادة من شهاداتهن في توثيق الانتهاكات وحفظ الذاكرة الجماعية. فإشراك الناجيات في الحوار المجتمعي لا يساعد على إنصافهن فحسب، بل يساهم أيضاً في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة آثار العنف والصراعات.

وربما تكون إحدى أهم خطوات العدالة اليوم هي إعادة النظر في الطريقة التي نتحدث بها عن الناجيات من الاعتقال ونتعامل معهن. فبدلاً من أن تبقى قصصهن محاطة بالصمت أو الشك، ينبغي أن تصبح جزءاً من الوعي المجتمعي الذي يكرم الصمود ويواجه الظلم. فالإنصاف الحقيقي لا يقتصر على إدانة الانتهاكات التي وقعت في الماضي، بل يمتد إلى إزالة آثارها المستمرة في الحاضر، وفي مقدمتها الوصمة والإقصاء.

إن دعم الناجيات ليس عملاً تضامنياً مؤقتاً، بل هو استثمار في تعافي المجتمع بأكمله، لأن المجتمعات التي تنصت إلى ضحاياها وتحترم تجاربهم تكون أكثر قدرة على تحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ماذا حدث للناجيات داخل المعتقلات فحسب، بل ماذا نفعل نحن بعد خروجهن منه؟ فالمجتمع الذي يعجز عن احتضان ضحاياه يترك أبواب السجن مفتوحة بأشكال أخرى، حتى بعد أن تُفتح أبوابه الحديدية.

فالحرية لا تكتمل عند باب السجن، بل تكتمل حين تستعيد الناجية مكانها الطبيعي بين أهلها ومجتمعها، مكرمة ومحترمة وآمنة، لا أسيرة لوصمة لم تصنعها، ولا لظلم نجت منه لتواجهه من جديد

اترك أول تعليق

الحرية لا تكتمل عند باب السجن

بقلم : روضة رضوان  “تواجه كثير من الناجيات السوريات من الاعتقال معركة جديدة بعد الإفراج…

تقدير الذات يبدأ من معرفة الذات

تقدير الذات يبدأ من معرفة الذات بقلم : إسراء حاج علي كثيرًا ما نسمع عن…

مساحات آمنة: مدخل لحماية الصحة النفسية في الغربة

مساحات آمنة: مدخل لحماية الصحة النفسية في الغربة بقلم : وفاء رضوان تُعدّ الغربة تجربة…