Search
Close this search box.

فوضى التعليم كمقدمة نحو تقسيم سوريا

فوضى التعليم كمقدمة نحو تقسيم سوريا

 صبيحة خليل*

كان وما يزال نظام التعليم الرسمي في سوريا قائماً على رؤية أحادية شمولية، فكتب التاريخ و التربية الدينية والقومية هما المطية او الضحية الاولى في بلد الحزب الواحد لتمجيد القائد الأوحد وتعداد مناقبه التي لاتعد ولاتحصى. القائد العظيم المفدى لدرجة قربه من الآلهة، و إذا كانت كتب الدين ممنوع عليها الصور والرسومات مثل باقي الكتب المدرسية، فلابأس من رسمها بالمفردات. حتى كتب العلوم لم تسلم ولما لا وهو، أي القائد الرمز، قاهر الجراثيم والأوبئة .

وكما معظم الأشياء التي طالها التغيير  في السنوات الأربع الأخيرة التي تلت الحراك الثوري السوري كان التعليم ضمن تلك المتغيرات لا بل في مقدمتها  … فهو اليوم يقوم على نوع يشبه اللامركزية التعليمية، بحسب مكان التواجد و الإقامة والقوى المسيطرة عليها. و إذا كانت اللامركزية السياسية محل جدال حام بين السياسيين السوريين المعارضين منهم على وجه الخصوص، بين رافض و طامح بفوائدها مستقبلاً، فإن لامركزية التعليم تركت مفتوحة لكل الاحتمالات و لكل من سوغ نفسه وصياً عليها، الأمر الذي أدى ربما لشيء هو أخطر من كل النظريات الغربية في رسم الخرائط الجديدة ضمن سياقات المرحلة، والتي تعول حقيقة على استدامة الصراع  ونقعه في بركة الدم  حتى يتخمر، ومن ثم الوصول لحالة التفكك و التفتت.

ولو أمعنا النظر في واقع التعليم السوري الراهن سنجد سريعاً أن المؤسسة التعليمية  لم تعد جسداً واحداً كما كانت من قبل رغم كل مساوئه، بل مجموعة أطراف تتحرك كل واحدة منها  حسب الرؤى السياسية التي تتبعها والأجندات التي تقف خلفها وتمولها.

وبنظرة  أولية على الواقع التعليمي اليوم، نلاحظ أن المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين في سوريا كانوا سباقين في تلقف إشارات  التحكم بالمستقبل، لذا لم يكن مستغرباً هيمنتهم الكاملة على التعليم البديل في بلدان اللجوء و رفضهم إدماج الكوادر المخالفة بالرأي، و عمدوا في سبيل ذلك إلى استيراد كتب من دول الخليج عفا عليها الزمن، بل و مرفوضة في تلك البلدان لأنها تحض على التطرف … لما لا طالما أن صاحب الحاجة أرعن.

وبين حاجة رب المدرسة للتمويل ورغبة الممول بالدفع المشروط، باتت مخيلة الطفل السوري وتصوراته سلعة للبيع في هذا المزاد، بل السلعة الأكثر رواجاً في زمن التعليم البائس، فالبيع بالعملة الصعبة مقابل القليل أو الكثير من الحشو و التلقين للطفل المسكين، فكلما كانت تلاوة الطفل لسورة قرآنية أطول كلما امتلأت جيوب رب المدرسة بالدراهم أكثر.

وسط هذه الفوضى لا غرابة أن يتم تمويل مدرسة سورية في تركيا في مدينة حدودية من خليجيين، ليس فقط مع فرض مناهج تأكد ساديتهم و تفوقهم المشكوك، و إنما ترفد المدرسة بمشغل لحياكة الثوب الخليجي، وذلك لإعادة تكرير الطفل السوري خليجياً ظاهراً و باطناً، ليشعر الممول بعظمته جراء الانتصار وسط تركيا الأورو آسيوية .

والعروض تأتي متنوعة من آخرين غربيين و معايير أخرى للدفع، و لا تخيب الفطنة السورية في جذبهم أيضاً، فهؤلاء الأوربيين مغرمون بالفنون و لا بأس بعرض الطفل (السلعة) بمظهر الراقص، المغني، الممثل والرسام ليملأ رب المدرسة جيوبه من أموال هؤلاء الكفار أيضاً.

فطالما هناك غرف صفية كثيرة، كل أنواع التمويل المشروط مباح و متاح، و ذكاء الطفل السوري يخدم وربما يفوق الخدمة و التصور .

في الداخل السوري و على مقربة من الحدود التركية حيث كانتونات الإدارة الذاتية و التعليم البديل تحت لواء حزب الاتحاد الديمقراطي الـ ب ي د الذي استثمر شعور الغبن لدى الكرد في الحرمان من تعلم لغتهم الأم طوال حكم البعث الذي استمر خمسون عاماً.

فالكردية تدرس بجرعات كبيرة من الإيديولوجيا الحزبية و تمجيد قائد خلف الحدود … و الحروف تربط بدقة بأسماء هادفة الـ (آ) هو حصراً (آبو) و ليس (آر) أو (آف) حرف الـ (أو) هو (أوجلان) بدون جدال وكلما كرر الطفل أكثر كلما تحققت أهداف التعليم أكثر، فامتلاك الطفل امتلاك للمستقبل و لا يختلف اثنان على ذلك.

وفي هذا السياق .. يلعب القائمون على تلك المدارس في الكانتونات الثلاث هناك بمصائر الأطفال باستراتيجيات تعليمية مغامرة، لا ترسم إلا لمدة ثلاث أو أربع سنوات على أكثر تقدير، فلا حاجة للتفكير بمصيرهم لما بعد الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، و من كانت نظرته أبعد من تلك المدة التي رسمها الإستراتيجيون الآنيون، فلينتقل إلى مكان آخر. إذ ليس لدى حكومة الإدارة الذاتية المال أو الوقت للتفكير بمرحلة الجامعة، حتى غدت اللغة الكردية التي كانت حلم الكثيرين من الكرد في تعلمها كابوساً تقلق أهالي التلاميذ من مصير غير واضح المعالم، كونها أي اللغة الكردية ستكون السبب في حرمان أولادهم من إتمام تعليمهم الجامعي في سوريا أو غيرها من الدول .

أما سمفونية داعش و النصرة التعليمية فتبقى عزفاً آخر إنما على وترين، وتر الشريعة على طريقة ابن تيمية و وتر تعليم استخدام السلاح و القتال، و كل ما دون ذلك ضلال و فسق حسب رأيهم. وهكذا يتعلم الطفل أولى أبجديات الذبح الحلال لأخيه الإنسان. فثمة عشرات الفيديوهات على صفحات اليوتيوب تعرض ابتكاراتهم في إعداد الجيل جهاديا ليكونوا قنابل موقوته تحت الطلب، وعلى ما يبدو أن دولتهم المزعومة طامحة في الديمومة ، فهم يغلقون المدارس تارة و يفتحونها تارة أخرى، يؤهلون كوادر المعلمين والمعلمات ويدعونهم للتوبة لما ارتكبوه من ذنوب طيلة سنوات تدريسهم السابقة. غايتهم رصف الطريق أمام جهلهم المقدس. فلا حاجة للبشر إلى المعرفة، حيث المعرفة من خصائص الخالق وحده عز وجل؟!

وآخر ما تم إنجازه داعشياً هي كلية الطب في مدينة الرقة ذات الثلاث سنوات دراسية فقط، ففي عام 2017 سيتواجد في سوريا أطباء يشفون جميع الأمراض ربما بعلاجهم الوحيد ألا وهو البتر كما هي دراستهم المبتورة و المختصرة.

وسط هذه المعمعة التعليمية، تجاهلت المعارضة السورية تعثر التعليم و جنوحه و تجاذبات الأجندات المختلفة لفترة غير قصيرة، فبادر متأخراً لتشذيب المناهج التعليمية السورية لتتلاءم مع أهداف الثورة  السورية، فقام بحذف صور الأب و الابن و استطالات البعث، متجاهلاً في الوقت نفسه مسألة التعريب الممنهج في النظم التعليمية السائدة خاصة تلك المتعلقة بالمكونات السورية والتي تشكل نفوراً لدى البعض من هذه المكونات. و قدم تعديلاً طفيفاً في المحتوى ليلائم الخارطة السياسية التي يتحرك ضمنها، فمثلاً اعتبر ما كان يعرف بالاحتلال العثماني بامتداد للدولة الإسلامية، إرضاء لتركيا التي تجشمت عناء المؤتمرات و المقرات و المخيمات للسوريين و فوقها ارتكاسات فشل المعارضة. ونفس الشيء بالنسبة لخارطة سوريا التي ترسم بدون لواء اسكندرون، تلك الخارطة التي كانت ثمرة اتفاقية أضنة بين الطاغية الأب و تركيا عام 1998 و تنازل فيها عن اللواء.

أما النظام مازال كما أسلفنا يمارس طقوس عبادة وتقديس القائد على مسامع الجيل القابع في مناطقه أو تلك التي تقع تحت سيطرته وكأن ما يحصل في سوريا لا يعنيه أو يجري في منطقة بعيدة عنه.

لعل هذا الاستعراض لم يشمل نظم تعليم السوريين في الأردن و لبنان و مصر، حيث تغلق المدارس أياماً وتفتح أيام أخر، أو ربما يمنع المنهاج السوري في بعضها. فالأشقاء ضاقوا ذرعاً والأصدقاء يتململون، ومع كل سنة جديدة على الحالة السورية الراهنة، يسير جيل آخر نحو حتف الجهل و تتعدد مصائرهم حسب مناهجهم.

أخيرا لابد من القول أن فوضى لامركزية التعليم سارية في عموم سوريا و ما من حل قريب في ظروف الوضع الحالي و الصراع الدائر، و ربما يكمن جزء ليس بالقليل من خطر تفتت التراب السوري من خلال تلك الجدران التعليمية التلقينية التي تبنى هنا وهناك بين اطفال سوريا اليوم، مواطنو و مواطنات المستقبل، لا تقل خطورة عن المؤامرات التي تحاك في دهاليز السياسة الدولية.

* كاتبة سورية مقيمة في ألمانيا

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »