الرئيسية / مقالات / من “زهرة الصحراء” إلى “شوكة الصحراء” … أسماء الأسد مرة أخرى!

من “زهرة الصحراء” إلى “شوكة الصحراء” … أسماء الأسد مرة أخرى!

هنادي زحلوط
لم تكن الزيارة الأخيرة التي أطلت من خلالها أسماء الأسد مع زوجها للجرحى السوريين فاقدي الأطراف محض مصادفة سواء في شكلها أو موضوعها، وحتى في توقيتها.
السيدة التي لطالما اشتُهرت بأناقتها، وبكونها السيدة الأولى الشابة المثقفة والمتعلمة، والتي شكلت أداة مهمة في واجهة النظام الاعلامية وبروباغندته التي تهدف للقول أنه نظام علماني متحضر، السيدة التي لطالما ظهرت باطلالات باهظة، اختارت هذه المرة الظهور مع زوجها بملابس رخيصة الثمن، وحاولت الاختباء وراء هذه الملابس المتواضعة لتحاكي فقر وبؤس الأسر التي زارتها.
حرصت أسماء الأسد على مرافقة زوجها مع أولادهما الى منازل جرحى فقدوا أطرافهم في المعارك الدائرة في سوريا منذ سن سنوات، جرحى لم يكتب لهم الحظ في أن ينالوا بعد الطرف الاصطناعي الوحيد الذي يؤمنه المركز المتخصص الوحيد في دمشق لفاقدي الاطراف التابع لمشفى ابن النفيس، والذي تم افتتاحه سنة 2014 بعد أن زاد عدد فاقدي الأطراف ليصل الى مئات الآلاف في صفوف الجيش النظامي السوري والميليشيات التابعة له.
وبينما يُكتب لعدد قليل من الجرحى الحصول على طرف اصطناعي، وتؤمن الميليشيات ذات التمويل الجيد أطرافا لجرحاها بطرقها الخاصة، كميليشيا صقور الصحراء الثرية على سبيل المثال، فإن الجرحى من بقية الميليشيات ينعزلون عن المجتمع ويجلسون في مدنهم وقراهم فريسة للاكتئاب، إثر تحولهم إلى أفراد غير منتجين، وإحساسهم بأنهم أصبحوا عالة على أسرهم، بحيث يقعون ضحية لصراع بين حقيقة أنهم فقدوا أعز ما يملكون في سبيل النظام، بينما لم يقدم لهم هذا النظام سوى الإهمال، وهؤلاء يصبحون في أغلب الحالات ناقمين على المجتمع غاضبين وتزداد عدائيتهم.
الأزمة تفجرت وأعلنت عن نفسها هذه المرة عبر ملاسنة كلامية بين أحد فاقدي الأطراف ووزير الصحة، رشح مضمونها عبر الصفحات الموالية التي قالت ان الجريح شتم وزير صحة النظام بأفظع الألفاظ، ويبدو أن زراً أحمر ما استدعى هذا الظهور العاجل للعائلة الحاكمة بملابس الفقراء، قبل اشتعال ثورة ما في صفوف الموالين.
أسماء الأسد- المرأة الأنيقة التي أسست الأمانة السورية للتنمية لتكون من خلالها واجهة النظام المشرفة على الأنشطة الثقافية في البلاد والتنمية فيه- “زهرة الصحراء” كما عنونت صحيفة فوغ الفرنسية التي اعتذرت صحفيتها القائمة بمهمة مقابلتها عن هذه المقابلة بعد ان أثبتت التقارير ضلوع عائلة الأسد في قمع انتفاضة سلمية، مرة عبر الاعتقال والتعذيب لنشطائها السلميين، ومرات عبر إطلاق سراح إسلاميين متطرفين من سجونها، سلوك كان كفيلاً باعتراض طريق ثورة نادت بقيم العدالة والحرية وحقوق الانسان.
قيم كانت أسماء الأسد صورة المرأة المثقفة المتحررة رمزاً لها في شرق متخلف، صورة نمطية لطالما حلا للغرب تزيينها، قبل أن يكتشفوا أنهم يدعمون في الشرق مجرمي حرب بملابس فاخرة، وأن ثورات تقوم ضد هؤلاء.
ثورات قام ويقوم بها مواطنون غاضبون، فكرة سيطرت على عقل السيدة الاولى وأجبرتها على التنكر مع عائلتها بأزياء فقيرة وملابس بسيطة، لتقول لهؤلاء البسطاء الغاضبين أنها منهم، وأنها أم الجميع، تقبل أبناء الشهداء، أو أبناء الجرحى، أم تظهر فقط لتأخذ صورة معهم على عجل، وربما تكون هذه الصورة البسيطة للاستهلاك المحلي في أحسن أحوالها.
فيما الصورة على الأرض هي أعقد من ذلك بكثير.
على الجانب الآخر تتوارد الأخبار عن ورشة حدادة في دوما يملكها رجل يدعى ابو صلاح يقوم بتصنيع أطراف اصطناعية لفاقديها، في مناطق محاصرة تنظر فيها الخدمات الطبية، ويموت الناس فيها جوعا ومرضا وتشردا، ويزداد يوميا عدد الشهداء، كما عدد فاقدي الاطراف فيها تحت وقع القصف.
وبينما يبدو أن النظام يحاول الاستجابة للطلب المرتفع على الأطراف الاصطناعية بمركز ثان في الساحل، فإن الجرحى الغاضبين يقوم بعضهم ببيع الطرف الاصطناعي الوحيد المتاح لهم مدى الحياة للحصول على مبلغ مالي فوري يسد الرمق بعض الوقت أمام ارتفاع الاسعار، حيث يبلغ ثمن الطرف الاصطناعي اليوم في سوريا حوالي خمسة آلاف دولار.
جشع وفساد وفقر، جشع من فاقدي الاطراف الذين يفترض بهم الحرص على طرف يحصلون عليه ليعاودوا الاندماج في الحياة ويعودوا اناسا منتجين لهم ولعائلاتهم، وفساد يجعل من الاطراف الاصطناعية مجالا للبيع والشراء وليس هنالك من يحاسب، وفقر يصل بالمرء إلى بيع أعضائه!
مزيج رهيب كان النظام أول صانعيه، وتقف سيدته الاولى اليوم للقول انها هنا للمساعدة!
فهل يكفي تبديل الملابس وادعاء الفقر في منع الفقر ذاته؟
وهل يكفي ادعاء التقية في مكافحة الفساد؟
سيدة النظام الأولى تعاود اليوم تسويق صورتها ولكن ليس للغرب هذه المرة، فليس هذا في حساباتها او حساباته اليوم، لكنها تعيد تسويق صورتها مع الفقراء هذه المرة، تسرق منهم حتى فقرهم الذي لا يملكون سواه؛ لعلها تكسب ولائهم الذي أصبح على المحك، فمن يصدق هذه الثرية التي تملك مع زوجها ثروة تقدر بمائة وعشرين مليار دولار مودعة أغلبها في بنوك الغرب بينما يرزح شعب بلادها تحت فقر مدقع بغالبيته العظمى؟
لكنها تستمر بالتنكر، زهرة مرة، وشوكة مرات، وليس بيدها سوى المحاولة وقد خلت او تكاد خزائن نظامها من ثقة الناس، بل وامتلأت بالغضب منه.
خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

الكوتا النسائية: خطوة أولى لنيل حقوق السوريات أم أخيرة؟

هنادي زحلوط لم تبرح مجموعات نسوية بل وناشطون مستقلون يطالبون بكوتا نسائية في الائتلاف السوري …

اترك رد