Search
Close this search box.

الصراع على التعليم وجيل سوريا الضائع

الصراع على التعليم وجيل سوريا الضائع

خولة دنيا

 لاحقتنا مؤخراً صور موتٍ جديدة.. تشبه صوراً في الذاكرة، ولكنها توجع الحاضر والمستقبل فينا…

صورة معلمات المدرسة بأجسادهم المقطوعة الرأس… وأشلاء الأطفال حولهم… صورة المجزرة الجديدة في حلب، التي اتقنتها براميل الموت، ولم تخطئ تلك المدرسة البسيطة التي أقيمت لمساعدة الأطفال الباقين في مناطق الحصار.

مجزرة جديدة تفتح وجعاً أكبر هو وجع التعليم السوري… وجيل سوريا الضائع كما وصفته منظمة (أنقذوا الأطفال) في تقريرها حول التعليم في سوريا.

تذكر الشبكة السورية لحقوق الإنسان 3873 مدرسة دمرت بشكل كامل أو جزئي في سوريا على يد النظام، كما ذكرت الاستخدامات الجديدة المتنوعة للمدارس وكأننا بصدد براءات اختراع جديدة اختص بها النظام السوري، وهو تحويل المدارس لمراكز اعتقال وتعذيب في ظل زيادة العدد الكبير للمعتقلين وخاصة في السنة الأولى للثورة السورية، حيث تحول نحو 1000 مدرسة إلى مراكز اعتقال وتعذيب بيد المخابرات والقوات التابعة للنظام السوري، ذلك عندما لم يكن بعد قد تم بناء مراكز اعتقال جديدة أو افتتاح مراكز جديدة، كما لم يكن بعد قد بدأ حشو الأقبية بالأجساد الواهنة لمئات آلاف المعتقلين الذين أصبح موتهم كذلك لا يثير أي إجراءات رادعة لوقف الموت تحت التعذيب.
الاستخدام الآخر للمدارس كان كمراكز نزوح حيث أن أكثر من 650  ألف نازح سوري يسكنون في المدارس وخاصة في ريف دمشق وحلب وحمص وأدلب.

بينما تحول ما لايقل عن 150 من المدارس المتضررة إلى مشافي ميدانية لمعالجة ضحايا القصف العشوائي ومع ازدياد الخوف من نقل الجرحى إلى المشافي الحكومية تحت خطر اعتقالهم وتعذيبهم أو تصفيتهم.

في ظل هذا النقص الحاد بالمدارس وبأعداد المدرسين، وعدم الاستقرار والقصف والقتل المستمر، أين نحن اليوم من وضع التعليم والمدارس، ومستقبل سوريا؟

يقول تقرير اليونسيف أنه يوجد اليوم أكثر من 7 ملايين طفل سوري متأثرين بالحرب. ومنهم 2.8 مليون طفل خارج المدرسة بين الداخل والخارج، حسب ما ذكرت منظمة (أنقذوا الطفولة) في تقريرها حول انهيار التعليم في سوريا (جيل سوريا الضائع)، حيث يذكر التقرير أضرار تقدر ب 3 مليارات دولار في قطاع المباني المدرسية لوحده. في الوقت الذي انخفض فيه معدل التعليم في سوريا بمقدار 50% عن مستوياته قبل الثورة. وبما أن الاستثمار في التعليم هو استثمار مستقبلي فهناك خسارة لارباح مستقبلية تقدر بـ 5.4 من الناتج المحلي بسبب حرمان الاطفال من التعليم.

وفي الوقت الذي كانت نسبة التعليم في سوريا تبلغ 95% للأعمار بين 15-24 سنة. اليوم وبعد أربع سنوات من الحرب أصبحت سوريا تحتل المرتبة الأولى في أقل نسبة تسجيل في المدارس عالمياً.

 الصراع على التعليم

يحتل التعليم أهمية خاصة ليس للمستقبل فقط، ولكن للحاضر أيضاً، فمن جهة يقوم النظام بتدمير كل أشكال الحياة والاستقرار التي تعني أن الناس ما يزالون مستمرين وقادرين على إدارة شؤون حياتهم وبناء مستقبلهم، وذلك من خلال قصف المدارس واعتقال وقتل المدرسين والأطفال. ومن جهة أخرى تقوم الكتائب المسلحة وبعض الجهات الداعمة بتهميش التعليم، ومحاولات فرض أنواع أخرى من التعليم كالتعليم الديني، أو التمييز في التعليم حيث يتلقى الذكور فقط تعليمهم في مناطق سيطرة داعش، ويتم تجنيدهم للقتال في سن صغيرة عندما يصبحون قادرين على حمل السلاح بعد تعبئتهم عقائدياً، فالأطفال يعتبرون خزان احتياطي مهم للمقاتلين على كل ضفاف الصراع الدائر. لهذا يكتسب التعليم أهمية خاصة من حيث إبعاد الأطفال عن ساحات القتال، وجعلهم بأمان أكثر ولو كان ذلك عن طريق توفير تعليم في المنازل إن لم تتوفر أمكنة آمنة لهم لجمعهم فيها.

في مثل هذه الظروف يصبح الحصول على التعليم نوعاً من الرفاهية للأطفال في مناطق الحرب أو للأطفال اللاجئين، حيث يضطر كثير منهم للعمل لتأمين احتياجات العائلة المعيشية في ظل فقدان المعيل لعدد كبير جداً من الأسر، وبسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

إضافة لظروف البلدان المضيفة للاجئين السوريين، حيث لا يتم الاهتمام بقطاع التعليم، ففي لبنان مثلاً 78% من الآطفال السوريين لا يتلقون أي نوع من التعليم، ففي ظل ازدياد التضييق على اللاجئين وعلى استقبال الأطفال في المدارس، نرى تضييقاً إضافياً على الخيم المدرسية التي يتم إنشائها ودعماً لاستقبال الأطفال.

يمكن للتعليم أن يغير من مستقبل أطفال سوريا ومن النمو الاقتصادي والاستقرار في سوريا وفي المنطقة حولها. فالمدرسة تزود الأطفال بالمهارات اللازمة للحياة وتوفر لهم الحماية، إذ أنهم بذهابهم إليها يكونون أقل عرضة للتجنيد في الجماعات المسلحة وللزواج المبكر ولعمالة الأطفال. وإن لم يتوفر الدعم والاستثمار الجدي في التعليم فإن فرصة الأطفال السوريين في مستقبل مزهر يعمه السلام ضئيلة.

ويذكر تقرير (جيل سوريا الضائع) أنه: “وبالنظر إلى تجارب الدول الأخرى التي تأثرت بالنزاعات يمكننا التنبؤ بأن النزاع الحالي قد يؤدي إلى انخفاض معدل سنوات الدراسة بنصف عام على المدى الطويل. قد يبدو ذلك انخفاضاً بسيطاً ولكن عندما يطبق على امتداد التعداد السكاني يصبح كبيراً حيث يزيد من التكلفة السنوية على الاقتصاد السوري فوق ال 821 مليون جنيه استرليني (1.26 مليار دولار أمريكي) أي 3.1% من إجمالي الناتج المحلي”.

 أخيراً

من حق كل طفل الحصول على التعليم مهما كانت الظروف، ويعتبر أولوية حتى في ظل الحرب، فالتسريع بمعافاة المجتمع والخروج من الحضيض يتطلب كوادر متعلمة وقادرة على النهوض بالمجتمع، إضافة إلى التحسن في الوضع المعيشي، لأن دخل المتعلمين أعلى بكثير من دخول غير المتعلمين. فإذا أضفنى لذلك أهمية جعل الأطفال بمنأى عن الحرب المباشرة، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعونه باشكال شتّى كفقدان أفراد من العائلة، والنزوح واللجوء، وعدم الحصول على تعليم كامل 100%، يصبح التعليم يحتل الدرجة الأولى من الأهمية في الظروف الحالية للسوريين.

لهذه الأسباب كلها نجد كثيراً من المنظمات تحاول تلافي النقص الحاد في مجال التعليم، وكذلك مبادرات الأفراد وتبرعاتهم التي تجعل التعليم البديل ممكناً، كتجارب التعليم المنزلي أو الخيم التعليمية، أو ترميم المدارس واستخدامها من جديد، أو تأهيل أقبية واستخدامها كمدارس. كل هذا يتطلب تكاتفاً وصبراً وضغطاً دولياً على المنظمات المعنية بحقوق الطفل، وكذلك منظمات الأمم المتحدة، لتوفير ما يلزم لتعليم الأطفال.

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »