الرئيسية / تقارير / الحب في بلاد اللجوء
اللوحة للفنان "وليد نظامي"

الحب في بلاد اللجوء

فرنسا – سلوى زكزك

جئتِ طوعاً أم قسراً، لا فرق! أنتِ الآن لاجئة في بلد غريب.

العاطفة هي من تخفف وطأة الوحدة، الدهشة، الخوف، وقرار أنكِ  ستمضين هنا وقتاً طويلاً وأنت تحت وطأة الاختبار، أجل إنه اختبار دقيق وطويل، وأنت في تجربتكِ الأولى، الصادمة في اللجوء.

قررت سهى الذهاب مع غيّوم لتناول وجبة الغداء، بالكاد تعرف كلمة ميرسي وستوب باللغة الفرنسية، لكن صديقتها المغربية أعلمتها بأن أقصر طريق لتعلم اللغة الفرنسية للتواصل هي مخالطة الفرنسيين، وإن تطور الإعجاب والشراكة في الذهاب والإياب ووجبات الغداء وزيارة الأصدقاء إلى علاقة ما!

لا يهم، فهي وحيدة هنا وعليها كسر حاجز الغربة باتقان لغة أهل البلد الجديد، خاصة وأنها بحاجة ماسة لتعبئة وثائق وأوراق باللغة الفرنسية، وأي خطأ لغوي قد يسبب المزيد من الخسائر وأقلها طول مدة الانتظار للحصول على الإقامة. تقول سهى: “هو ليس حباً، يمكنك القول إنه ونس، كسر  لجدار الغربة القاسي والإحساس بأن سنداً قوياً يمتّن خطواتي هنا”.

تقول داليا: “طالما حلمت بأن أستقر في إيطاليا, وأمي تقول لي عند كل اتصال، لا ترجعي بلا عريس إيطالي! والحقيقة أن عروضاً كثيرة تُقدم إلي والطليان شعب متوسطي ويشبهوننا في كثير من سلوكيات الحياة اليومية، لكنني بصراحة وبعد أربع سنوات لا أستطيع الشعور بالحب بالإيطالي”. نضحك وأقول لها: “علميه العربي”، فترد: “قلبه إيطالي ولساني يرنم بالعربي وباللهجة السورية تفاصيل القلب فكيف أتفاعل؟”.

كثر الحديث عن السوريات اللاتي ما إن وطأت أقدامهن ألمانيا والسويد حتى انفصلن عن أزواجهن، وتلوكهن الألسن والشائعات بأنهن فاجرات وفاسقات ومنحلات، القصة  في جوهرها أنه طلاق مؤجل  ليس إلا وربما منذ اليوم الأول للزواج، فإمكانية فوز الأم بأبنائها وبحضانتهم وتأمين منزل  مستقل لها كربة عائلة  مع أبنائها وراتب يكفيهم وتأمين صحي ومدارس، هو حلم كل امرأة في داخل سوريا وفي بلاد اللجوء، خاصة إذا ماكنت علاقة الزواج صعبة ومأزومة والطلاق مؤجل فقط لأنه لا مكان تعود إليه الأم مع أبنائها، فإما الإذعان وإما الشارع أو عودتها وحيدة لبيت أهلها.

تقول فايزة: “في سورية كنت لا أخرج من البيت أبدا، وكل وقتي مهدور بأعمال المنزل وخاصة الطبخ والمونة، وعلاقتي بأهل زوجي سيئة جداً، وهو يتبضع كل متطلبات المنزل، حتى الملابس الداخلية يشتريها لي ولبناتي الخمس، لكني هنا  كنت مضطرة للذهاب إلى دورات اللغة والإندماج وقد أظهرت مقدرة مميزة باللغة الغريبة وفوجئت بمهاراتي وتفوقت على زوجي، الذي بات يطلب مني وبإلحاح مرافقته إلى الأسواق ومكاتب المعاملات لتسهيل التواصل وتعويض ضعفه في التعلم”. وتردف: “لا أنكر أنني بت أكثر ثقة بنفسي وأخرج مع صديقاتي وأفرض ما أرغب بشرائه أنا وبناتي، الآن اكتشفت وجهاً جديداً للزواج، علاقة متساوية وليست مجرد موافقة وإذعان وخنوع، والأهم أنني أعلنت عدم رغبتي باستقبال أخت زوجي في بيتنا، فقال زوجي  هي أختي وسأستقبلها في غيابك، وكان له هذا وبالاتفاق معي طبعاً، المهم أن الحب وحسن التعامل والمشاركة هي ضرورة في بلاد اللجوء وخاصة في الفترة الأولى الصعبة جداً”.

يعزو البعض حالات زواج السوريات والسوريين من أجانب نظراً لتقديس السوريات والسوريين للحياة العائلية والالتزام الأخلاقي, يبدو أن عبارة الالتزام الأخلاقي عبارة  تعني الذم بطريق المديح، وهي حكم قيمة غير حقيقي وواقعي! وكأن الأوربيين غير ملتزمين, والقضية هنا في عمقها ليست التزام أخلاقي ملزم وقسري، إنها نمط حياة لا يعتبر الزواج أبدياً والطلاق نهاية العالم، وبأن الإنجاب سر العائلة السعيدة ومنطلق الزواج الأول، لذلك فإن الفروقات ليست حادة في جوهرها كما كانت تبدو من بعيد. الآن يتعامل معها السوريات والسوريون على أنها مجرد اختلاف بالعادات أو بالمفاهيم لا أكثر، ولابد من الإشارة إلى أن حالة الزواج الأسود أي زواج شباب سوريين من نساء أجنبيات يفوقونهم عمراً بعشرات السنين وزواج السوريات من أجانب أو سوريين حاصلين على جنسية تلك البلدان لكنهم أصحاب زيجات سابقة ولديهم أطفال، وذلك بدواعي الحاجة للبقاء في بلد محدد لتعثر حصول السوري أو السورية على الإقامة النظامية لأسباب عديدة خارجة عن موضوعنا الآن، لابد من الإشارة إلى أنها تحدث كثيراً، وطبعاً على حساب المحتاجين لتلك الزيجات، على الرغم من التدقيق الرسمي عليها ومحاولة منعها.

الحب في بلاد اللجوء، ليس مجرد عاطفة أو قرار بالارتباط، يخضع لموافقات  مصلحية أو لانفعالات عاطفية مباشرة, هو حاجة إنسانية ويومية كالطعام، تقول لينا: “هنا ببساطة بإمكانك أن تأكل أي شيء وتشبع، لكنك من الصعب جداً أن تحب أياً كان، حتى الهواء هنا غريب ولا يساعد على تقبل الحب أو الشعور به”، وتشير إلى قلبها قائلة: “قلبي حطبة يابسة لا  يقوى على منح الحب”.

في بلاد اللجوء أول وعي يتشكل هو وعي المكان، تقبله، الحيز الذي تشغله ،المحيط، لذلك كل المشاعر مؤجلة حتى لحظة تقبل هويتك في المكان الجديد، وتقبّل الهوية الجديدة هو عملية انعطاف حادة نحو عوالم مبهمة وحادة، لذلك يبدو الحب ترفاً مؤجلاً أو عائقاً صلداً، أو على العكس حاجة ماسة قد تفرض استعجالاً مرسوماً بعناية ومرتباً لتفكيك طلاسم الصدمة وغربة الروح والجسد وربما لتخفيف وطأة سؤال الهوية المتمنع  عن الانخراط  في  مكامن قوة   تقبّل وتبسيط العيش الطارئ والقلق.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

النساء ورمضان

دمشق: سلوى زكزك تقضي  أم أيمن جلّ ساعاتها وهي تحضر الكبب والبرك المحشوة بالجبن واللحم …

اترك رد