الرئيسية / ثقافة / ياشمس ياشموسه  
اللوحة للفنان "عمر ابراهيم" بعنوان "صرخة"

ياشمس ياشموسه  

منتهى شريف 

تسلل مصطفى صاعداً للسطحِ, واقترب من الحافة الشرقية, محاولاً أن يلمس وجهها بأصابعه الصغيرة, وبدأ يناديها راجياً: “يا شمس ياشموسه بعرف إنك رح تساعديني…”

“أنا بدي  إمي تبطل زعلانة, وأبي  يحبني شوي”.

وأضاءت عيناه, وهو ينطق بآخر أمنياته للشمس: “… وبدي… بدي بوط رياضة… أحمر وقوي”.

كان قد توحد مع المدى الممتد أمامه,عندما جاءه من بعيد صوت والده الأجش الممزوج بالسعال وقد ملأ المكان, فنزل عن السطح كالبرق, والصوت لازال يعلو أكثر وأكثر:

-“الشمس طلعت وانتم بعدكم نايمين… ياعيب الشوم!”، قال الأبُ ذلك وهو يشد حزامه.

هو الذي حرمته الحرب فرصة السفر مجدداً للعمل في إحدى دول الخليج, بعد أن أصبح اسمه ضمن المطلوبين للخدمة العسكرية، فبات مسجوناً في بلدته الصغيرة, لا يستطيع اجتياز الحواجز ولا الخروج منها، فاضطر مجبراً أن يعمل بأرضه المتعبةِ من الهجر والعطشى للمطر, ولأيادٍ تعمل بمحبة لإعادتها للحياة.

نظر لزوجته باشمئزاز, فلقد باتت تتقن الحزن أكثر من الطبخ, وأهملت نفسها وبيتها, بعد أن  فقدت الاتصال مع أهلها بالشمال, ونجحت هذه الحرب بجعلها امرأة تعيسة، شاردة وصامتة معظم الوقت.

إنها  كباقي نساء البلدة التي أصابت الحرب  بالفقر والعجز  قلوبهن وأسرهن. وبرغم أنهن يعشن في  بلدة تُعدّ من المناطق الآمنة, لكن الخوف من الغد سلبهن نعمة الاطمئنان. وفي كل يوم تزداد المسافة  بينهن وبين أزواجهن, الذين بدورهم حولَّتهم الحرب لأشباه رجال، يحاولون إثبات رجولتهم بقسوة, ويجهدون للبقاء أقوياء بنظر أبنائهم.

جلست كعادتها جدتهم العجوز في زاوية الغرفة, وقد بدأت تتلو بعض الأدعية برتابة وهدوء.

بينما بدا سعد، الابن الأكبر، نصف نائم وهو يلبس حذائه, أسرع  سامر الأوسط حاملاً عدة العمل, وقبل أن يصل صوت الأب الغاضب إلى سطح الدار وهو يسأل عنه :”وينه؟”، انتصب مصطفى أمام والده مرتعشاً, وقد لبس بقايا سترة كانت لأخيه الأكبر, وجرَّ بقدميه نعلاً بلاستيكياً قديماً, ثم انطلق وراء أخوته , وهو يلوِّح  بيده للجدة.

اقتربت الأم لتعطي زوجها الزوادة, وصوتها يختنق: “البيت لازمه كثير شغلات…”

أخذ الأب الزوَّادة بعصبية, وخرج مسرعاً يبصق  كلمات غاضبة لم تبذل جهداً لسماعها وعادت لشرودها.

سارعت الجدة باطلاق كلماتها التي اعتادت عليها ولم تعد تستطيع اظهار أي ردة فعل تجاهها: “يا ابنتي، لما بتكون اليد قصيرة، بيصير الحكي  صعب كثير. الله يفرجها وتخلص هالحرب … يا بنتي هناك كثيرون مثلنا”.

بلعت الأم دموعها وتمتمت بصمت: “أصلا ما عاد في شي مهم”.

تابعت الجدة دعاءها وهي تتذكر مصطفى وصوت بكائه المخنوق الليلة الماضية. عندما حركت عكازها الخشبي  باتجاه فراشه, وأشارت له أن يقترب, وقالت له:

–  أعرف ما يحزنك يا مصطفى!

أشار لها أن تخفض صوتها حتى لا يسمعهما أخوته ولا يكتشفون أنه يبكي، ثم مسح  دموعه, وهو يتذكر تلك السيارة التي اجتمعوا حولها, حيث كان موعد قدوم أبو سعيد التاجر الذي ينتظره الجميع, كانت لحظات مختلفة وقد طارت عقولهم وعيونهم مع بنطال سعد الأخ الأكبر وحذائه الجديد، وتوقفت أنفاس سامر عندما أتى دوره، فبنطاله المخملي  وحذاءه الأزرق، أصبحا أخيراً بين يديه, حينما رآهما مصطفى، اغمض عينيه،  وكاد قلبه  يتوقف عندما ناداه والده :”مصطفى”!

فتح عينيه أخيراً متسائلاً: “ترى ما لون الحذاء الذي سيشتريه الوالد له؟ وتمنى أن يكون أحمر. أخيراً سيلعب كرة القدم مع رفاقه بحذاء مناسب كالأبطال.

لكن الأب صمت لثوان طويلة وخيال مصطفى يستحضر كل أحذية لاعبي كرة القدم وأشكالها وألوانها.

-“مصطفى … إنت المرة الجاية”، جاءه  صوت أبيه.

بدا غير مصدق, وهو يراقب تلك السيارة تبتعد, وأحلامه تبتعد معها.

للجديد رائحة تملأ الأنوف, وتشد القلوب, فكيف له أن ينام ليلته في نفس الغرفة مع أخوته وأشيائهم الجديده؟

قالت الجدة له مطمئنة: “أبوك يامصطفى يحبك،  لكن ثمن القمح لم يكف لكم جميعاً”. هز برأسه غير مصدق،  فجهدت لإخباره قصصاً قديمة عن الحرب والعوز. ابتسم لجدته وعاد لفراشه البارد، ليحلم بذلك الحذاء.

لاح له فجأة خيال معلمته وهي تحدثهم كيف يمكن أن تتحقق الأمنيات إن أخفوها وأخبروها للشمس لحظة شروقها، وعاد لذاكرته صوت غنائه هو ورفاقه:

حو حو يانارة … ياشمسة المغارة

والشموسه محبوسه… تبكي شوقها للحارة

يا شمس ياشموسه…

فانتظر الصباح ليصعد للسطح ويخبأ عندها أمنياته.

كان يوم عطلة نهاية الأسبوع وكان عليهم مساعدة والدهم لجني محصول الزيتون قبل هطول المطر. تسلق مصطفى أعلى الشجرة بخفة, عندما اقترب سامر وقال له :

-“أنا سمعتك مبارح وإنت عم تبكي”

رد مصطفى نافيا, فضحك أخوه.عندها تنهد مصطفى وهو يقول: “انا بس لأنه عندي مباراة بالحارة بكرى, كنت أريد أن انتعل (بوط ) قوي حتى أسجل أهداف”.

عندما عاد مع أخوته يومها  للبيت اقترب من سامر ليسأله بلهفة:

  • “بتخليني جرب بوطك”؟

فأتاه جواب أخيه  حاسماً : “لا … بخاف توسخه”

نام مصطفى يومها وهو ينتظر الصباح ليعود ويوشوش الشمس بأمنياته، وما ان شاهد أباه من السطح يمضي إلى عمله في بيع الزيتون، حتى خرج وانضم لتجمع الأولاد، وبدأت مباراة الحارة …

كان مصطفى يلعب بحرفية عالية, والشمس تلمع لتكشف لون التحدي والفرح  بعينيه.

فجأة بدأ يصيح كلّ من بالشارع, وهم يراقبون جرار أبو حمدان رئيس البلدية, وقد فقد السيطرة على فرامله. الجميع تسمّر مكانه, وهو يراقب عجلات الجرار الضخمة, وهي تقترب لتدوس على ذلك اللاعب الصغير لحظة كان يعود مسرعاً ليلتقط فردة نعله البلاستيكي التي سقطت من قدمه بعد أن سجل هدفاً رائعاً.

ثوان من الصمت، تبعها صراخ من الجميع. وجوههم وأصواتهم كانت تزاحم الغيم الذي تجمع في السماء فوق وجهه، الأم البعيدة والأخ الذي كان يناديه قبل لحظات ليجرب حذائه الجديد.

اختلط كل شيء أمام مصطفى  الذي بدا مبتسماً, وقد لاح له خيال والده الذي عاد للتو من المدينة حاملاً بيده حذاءاً رياضياً أحمر جديد، وهو يقول  بصوت مخنوق:

  • قوم يامصطفى, وشوف شو جبت لك معي, قوم … أنا بعدني ما خبرتك قديش بحبك”.

صوت البكاء والصراخ حوله، امتزج بأصوات رفاقه ومعلمته وهم يغنون:

“حو حو يا نارة … ياشمسة المغارة

والشموسي محبوسه… تبكي شوقها للحارة

ياشمس  ياشموسي …”

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

شاهد أيضاً

السقوط في الخوف

منتهى شريف أبعد حازم الغطاء عن وجهه فجأة ناظراً بشرودٍ في فراغ الغرفة، ونطق بما …

اترك رد