الرئيسية / مقالات / العنف ضدّ المرأة في النصوص المقدّسة
اللوحة للفنان "إبراهيم برغود"

العنف ضدّ المرأة في النصوص المقدّسة

نبال زيتونة

العنف ضد المرأة ظاهرةٌ عامّة، تشكّل انتهاكاً واضحاً وصريحاً لحقوق الإنسان؛ ‏إذ ‏يمنعها ‏من التمتع بحقوقها الكاملة، وله عواقب خطيرة لا تقتصر ‏على ‏المرأة ‏فقط، بل تؤثر في المجتمع بأكمله، لما يترتب عليها من ‏آثار ‏اجتماعيّة ‏واقتصاديّة خطيرة.

تتعدّد أشكال العنف ضد المرأة، إذ تتراوح بين ‏الجسديّ والنفسيّ والجنسيّ واللفظيّ، والحرمان الاجتماعيّ ‏والاقتصاديّ، والتهديد بهذه الأعمال، والإكراه، وسائر أشكال الحرمان ‏من الحرية.

وحسب تعريف الأمم المتحدة ‏فإن العنف ضد المرأة هو السلوك ‏المُمارس ضدّ المرأة المدفوع ‏بالعصبيّة الجنسيّة، ما يؤدّي إلى ‏معاناة وأذى يلحق المرأة في ‏الجوانب الجسديّة والنفسيّة والجنسيّة، ‏ويُعدّ التهديد بأي شكل من ‏الأشكال والحرمان والحدّ من حرية المرأة ‏في حياتها الخاصة أو ‏العامة من ممارسات العنف ضد المرأة.‏

وأخطر ما تعاني منه المرأة أن تقرّ النصوص المقدّسة بهذا العنف، وتباركه في مجتمعات  تشكّل فيه هذه النصوص دعائم الحياة الاجتماعيّة وأسسها، وتنهل منها تشريعاتها وأنظمتها ودساتيرها.

العنف ضدّ المرأة في العهد القديم

هانئاً كان الربّ في فردوسه، يمتّع ناظريه بما صنعت يداه، وينثر الحبّ والمكرماتِ في الأرض، طالما أنّ مخلوقاته تسير على هديه ولا تخالف ناموسه وشريعته. ثمّ كانت الخطيئة التي أغضبتِ الربّ، وأفقدته حِلمه وحكمته. والخطيئة اقترفها اثنان ثالثهما الحيّة، لكنّ الربّ صبّ جام غضبه على المرأة، وجعل عقابها ‏مضاعفاً.

كم كان الربّ غاضباً حين قَالَ لِلْمَرْأةِ: تَكْثِيراً أكَثِّرُ أتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ ‏تَلِدِينَ ‏أولاداً. ‏وَإلَى ‏رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ”. أو ‏‏”يَتَسَلَّطُ ‏عَلَيْكِ”.‏ سفر التكوين 3: 16.

غَضَبُ الربّ على المرأة جعله يخلّ بميزان العدل، ويتخلّى عن حكمته في إدارة شؤون الخلق، فسَيّد الرجل على المرأة، وهو الذي قال في الإصحاح الأول من سفر التكوين:‏

27″فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا ‏وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.”‏. ‏28″وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ:..”‏

كما تخلّى الربّ عن رحمته وتماهى في العنف ضدّ المرأة، فبعد أن سيّد الرجل عليها، ‏شرّع قتلها تشريعاً، وأباح تعذيبها حتى الموت، حرقاً ورجماً.

‏لاويين 21:9. “واذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها. ‏بالنار ‏تحرق”. سفر التثنية 25:11.

نعم، فقد دنّست أباها، وإثمها طال سيّدها. وتلك خطيئة أشدّ إيلاماً من سابقتها، وهذا ما لا يقبل الصفح في شريعة الربّ! فلم يقل إذا تدنّست بالنار تُحرق، إذ لم يكن الحرق جواباً للشرط، بل كان “فقد دنّست أباها”.

وجاء في سفر التثنية 22:13: إذا اتّخذ رجل امرأة وحين دخل ‏عليها أبغضها 14 ونسب إليها أسباب كلام وأشاع عنها اسما رديّا ‏وقال هذه المرأة اتّخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذرة. ‏يُخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها ‏بالحجارة حتى تموت لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في ‏بيت أبيها. فتنزع الشرّ من وسطك.‏

ولم يكن استهداف المرأة في الحروب والنزاعات المسلّحة حديث العهد، بل تعود جذوره إلى النصوص المقدّسة التي نهلت منها الشعوب تشريعاتها. وإلى اليوم لم تتمكّن القوانين الوضعية، من إعطاء المرأة ‏حقوقها ‏وحمايتها في مثل تلك الحالات. وها هو العهد القديم يشرّع قتل المرأة، وقتل أطفالها وسبيها في الحروب.

ففي سفر صموئيل الأول 15: 3 – 11: “فَالآنَ اذْهَبْ ‏وَاضْرِبْ ‏عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً ‏وَامْرَأَةً طِفْلاً ‏وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً”.

‏وفي سفر حزقيال 9: 5-7: “لاَ تُشْفِقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. 6 ‏اَلشَّيْخَ ‏وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. 7 اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ”.‏

‏وفي سفر هوشع 31: 17-18‏: “فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ، وَاقْتُلُوا أَيْضاً كُلَّ امْرَأَةٍ ‏ضَاجَعَتْ ‏رَجُلاً، 18وَلَكِنِ ‏اسْتَحْيَوْا لَكُمْ كُلَّ عَذْرَاءَ لَمْ تُضَاجِعْ ‏رَجُلاً.

وفي سفر إشعيا 13: 16″يقول الرب: “وتحطم أطفالهم أمام ‏عيونهم ‏وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم”.

و في سفر المزامير 137: 8-9: يَا بِنْتَ بَابِلَ الْمُخْرَبَةَ طُوبَى ‏لِمَنْ ‏يُجَازِيكِ جَزَاءَكِ الَّذِي جَازَيْتِنَا! 9طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالكِ ‏وَيَضْرِبُ ‏بِهِمُ الصَّخْرَةَ!”‏.

الربّ الذي توخينا فيه العدل والرحمة والحكمة، لا يتوانى عن استهداف المرأة في الحروب، ومعاقبتها في ‏أطفالها، ويبارك قَتَلَتَهم.

كم كان الربّ غاضباً؟

ومن مظاهر العنف الأخرى على المرأة في العهد القديم أنّه ‏يفرض عليها إذا مات زوجها أن تتزوّج أخاه، منكراً عليها حرّيتها ‏وحقّها في تقرير مصيرها:

“إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعاً وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ‏وَليْسَ لهُ ابْنٌ فَلا تَصِرِ امْرَأَةُ المَيِّتِ إِلى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. أَخُو ‏زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَليْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً وَيَقُومُ لهَا بِوَاجِبِ أَخِي ‏الزَّوْجِ. وَالبِكْرُ الذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ المَيِّتِ لِئَلا يُمْحَى اسْمُهُ ‏مِنْ إِسْرَائِيل.” سفر التثنية 25:6.‏

كما شرّع العهد القديم سبيَ النساء وأخذهن غنيمة وحلق ‏رؤوسهن، وتقليم أظافرهن: ‏

‏”إِذَا خَرَجْتَ لِمُحَارَبَةِ أَعْدَائِكَ وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى يَدِكَ وَسَبَيْتَ ‏مِنْهُمْ سَبْياً 11وَرَأَيْتَ فِي السَّبْيِ امْرَأَةً جَمِيلةَ الصُّورَةِ وَالتَصَقْتَ بِهَا ‏وَاتَّخَذْتَهَا لكَ زَوْجَةً 12فَحِينَ تُدْخِلُهَا إِلى بَيْتِكَ تَحْلِقُ رَأْسَهَا وَتُقَلِّمُ ‏أَظْفَارَهَا 13وَتَنْزِعُ ثِيَابَ سَبْيِهَا عَنْهَا وَتَقْعُدُ فِي بَيْتِكَ وَتَبْكِي أَبَاهَا ‏وَأُمَّهَا شَهْراً مِنَ الزَّمَانِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَدْخُلُ عَليْهَا وَتَتَزَوَّجُ بِهَا فَتَكُونُ ‏لكَ زَوْجَةً. (سفر التثنية).. ‏

قال الرب في سفر الخروج [21: 7]: ‏

‏”إِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابنته كَأَمَةٍ، فَإِنَّهَا لاَ تُطْلَقُ حُرَّةً كَمَا يُطْلَقُ اْلعَبْدُ.”‏

العنف ضدّ المرأة في العهد الجديد:‏

في العهد الجديد يتراجع صوت الغضب الذي كان صادماً في ‏العهد ‏القديم، على الرغم من أنّ يسوع المسيح افتتح عهده بتصريح أنّه جاء ليكمل، ‏وليس ‏ليلغي الشريعة والأنبياء:‏

إنجيل متى (5: 17): لاَ تَظُنُّوا أَنِّي ‏جِئْتُ لأُلْغِيَ الشَّرِيعَةَ أَوِ ‏الأَنْبِيَاءَ. ‏مَا جِئْتُ لأُنقض، بَلْ لأُكَمِّلَ.‏

لكن مع ذلك نرى أن ملامح العنف الجسديّ ضدّ المرأة، التي ‏وصمت العهد القديم، بدأت بالتراجع ولو على استحياء: فيقول: “مَن ‏منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”.‏

إلا أنّ مظاهر عنفٍ نفسيّ ومعنويّ، كانت حاضرة في نصوص ‏العهد الجديد، فلا يخلو خطابه من عنصريّة سافرة، حيث يختلف تبعاً للمخاطب، ولو ‏أنّ كليهما اتفقا في النبرة الآمرة:‏

أفسس5: “أيها النساء اخضعن ‏لرجالكن” ‏‏(22) “أيها الرجال ‏أحبوا نساءكم”(25).

إنّه يدعو الزوجة للخضوع لزوجها وطاعته. فطاعتها علّة حبّه لها، وحبّه لها علّة طاعتها له. فكم هي معقّدة هذه المعادلة، وكم هي مجحفة بحقّ المرأة. إذ لن تحظى بالحبّ طالما لم تقدّم الطاعة.

وأكثر ما بدا كره النساء في رسائل بولس الرسول. فالبعض يعزو ‏ذلك إلى تأثره باليهوديّة التي كان أقرب إليها من المسيحيّة. لكن ‏مهما يكن، بقيت رسائله نصوصاً مقدّسة بنظر الكنيسة إلى اليوم.‏

فها هو يمنع النساء من الكلام في الكنائس، ويأمرهن بالصمت ‏دون الرجال.‏

34 “لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُوناً لَهُنَّ ‏أَنْ ‏يَتَكَلَّمْنَ ‏بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضاً. 35 وَلَكِنْ إِنْ كُنَّ ‏يُرِدْنَ ‏أَنْ ‏يَتَعَلَّمْنَ شَيْئاً فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ ‏أَنْ ‏تَتَكَلَّمَ ‏فِي كَنِيسَةٍ. (‏‏1كورنثوس 14: 26-36).‏‏

وفي ‏رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس (2: 8)، لن ‏تجهد في ملاحظة ‏خطابين مختلفين، يدعو الرجال في أحدهما ‏للصلاة في كلّ مكان، وفي الثاني يدعو النساء للاحتشام.‏

‏”فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، ‏بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال”.‏

9 وَكَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ مَعَ وَرَعٍ ‏وَتَعَقُّلٍ، ‏لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ، 10 بَلْ ‏كَمَا ‏يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ.‏

ولا ينسى أن يدافع عن سلطة الرجل ويدعمها بالحجّة والبرهان، ‏ويدعو المرأة للخضوع له، وتربية الأولاد، فهي الخاطئة ‏الغاوية.‏

11 لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. 12 وَلَكِنْ لَسْتُ ‏آذَنُ ‏لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، ‏‏13 ‏لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، 14 وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ (أولاً) لَكِنَّ ‏الْمَرْأَةَ ‏أُغْوِيَتْ (أولاً) فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي، 15 وَلَكِنَّهَا سَتَخْلُصُ ‏بِوِلاَدَةِ ‏الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ ‏التَّعَقُّلِ» ‏‏(1تيموثاوس 2: 8-15).‏

أمّا النصّ الآتي فلا يخلو من عنصريّة وكراهية فاضحتين، ‏فالرجل هو الرأس والعقل المدبّر للمرأة، في حين يحظى الرجل ‏بمكرمة قربه من المسيح، ويكون هو الوسيط بين المسيح وبين المرأة.‏

‏«3 أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا ‏رَأْسُ ‏الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4 كُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي ‏أَوْ ‏يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ يَشِينُ رَأْسَهُ. 5 وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي ‏أَوْ ‏تَتَنَبَّأ ُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطّىً فَتَشِينُ رَأْسَهَا لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ ‏شَيْءٌ ‏وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. ‏‏6 إِذِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. ‏وَإِنْ كَانَ قَبِيحاً ‏بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ فَلْتَتَغَطَّ. 7 فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ ‏يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ ‏رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ ‏مَجْدُ الرَّجُلِ» ‏‏(1كورنثوس 11: 3-7).‏

فكما تخضع الكنيسة للمسيح، كذلك النساء يخضعن لرجالهنّ في ‏كل ‏شيء.‏ الرجل أولاً وتأتي المرأة في الدرجة الثانية.

العنف ضدّ المرأة في القرآن

دعا الإسلام أحياناً قليلة إلى اللاعنف واللين والرفق بالمرأة، ‏وحَفل أحياناً كثيرة بنصوص تشرّع العنف بأنواعه، وتسلّم ‏مقاليده للرجل، تكريساً لدونيّة المرأة عبر إرثٍ تناقلته الأجيال ‏وعدّته مقدّساً.‏

فالعنف والقداسة يمثلان ‏بنية ‏الحضارة ‏العربية ‏الإسلامية، كما ترى الباحثة عفاف مطيراوي، فلا يمكن للمقدّس إلا أن يكون ‏عنيفاً، ‏بل المقدّس ‏نفسه ‏عنف، أو هو آلية من آليات العنف.

ففي سورة النساء، يطالعك النصّ القرآنيّ ‏ بدعوة صادمة ‏لضرب المرأة الزوجة. ‏دعوة واضحة ‏لا لبس فيها كما وردت ‏في الآية (34):‏

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ‏وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ‏بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ ‏فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ ‏سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿٣٤﴾.

أذى جسديّ صريح هذا الذي يقرّه القرآن. وإن اجتهد كثيرون ‏في ‏تفسير هذه الآية، وحمّلوا كلمة (ضرب) معانٍ كثيرة قد لا تحتملها، تتراوح ‏بين ‏الترحال، والإجراءات الصارمة. لكنّها في سياق الآية ‏تأتي ‏ضمن إجراءات عقابيّة للمرأة المتّهمة بالنشوز، فتعني؛ ‏استعمال ‏اليد أو العصا ضمن سياقٍ عنفيّ يسبّب الأذى الجسديّ ‏فضلاً عن ‏الأذى المعنويّ والنفسيّ، الذي يُراد به العقاب.

في آية واحدة نجد أن النصّ يعلي من شأن الرجل على حساب ‏المرأة، ويجعله وصيّاً عليها بما أوتي من مكانة حباه الله بها. ‏أمّا النشوز فهذا ما يحدّده الرجل بما أوتي من حكمة وحنكة، ‏تفتقر إليها المرأة في نظر التشريع الإسلاميّ.‏

كثيرة هي النصوص التي تحمل في طيّاتها بغضاً ‏للنساء، ‏وتحقيراً ‏لشأنهن.‏ فتعدّد الزوجات الذي ينصّ عليه ‏القرآن، هو اضطهاد نفسيّ للمرأة. جاء ذلك في الآية الثالثة من ‏سورة النساء:‏

‏”وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ‏النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا ‏مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا” (3).

وعلى الرغم من أنه ألحقها بعد حين بالآية (129) من السورة نفسها ‏بالقول:‏

‏”وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ ‏الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا ‏رَحِيمًا” ﴿١٢٩﴾.

إلا أن علّة العدل لا تخفّف من حجم العنف النفسيّ الواقع على ‏المرأة.‏

وفي النصّ الآتي تصريح بسيادة الرجل على المرأة:‏

وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228].‏

وقد ظلّ نظام العبودية سارياً في الإسلام، وقاربه النصّ القرآني ‏بخجل: “ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء” النور 330.

وفرّق بين الإماء المؤمنات والملحدات، فأوصى بالزواج من ‏الإماء المؤمنات: “ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات ‏المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ” النساء ‏‏25.

وفي قضيّة فرض الحجاب نوع من الغبن الذي يلحق بالمرأة، ‏ويحدّ من حريّتها في أبسط قضاياها الشخصيّة:‏

‏”وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن, ولا ‏يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها, وليضربن بخمرهن على جيوبهن, ‏ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن, أو آباء بعولتهن, أو ‏أبنائهن, أو أبناء بعولتهن, أو إخوانهن, أو بني إخوانهن أو بني ‏أخواتهن, أو نسائهن, أو ما ملكت أيمانهن, أو التابعين غير أولي ‏الإربة من الرجال أو الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء, ‏ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله ‏جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون” النور 31.

كما حدّ من حريّة المرأة في التنقّل والسفر، وفرض عليها مرافقاً، أو “شرطيّاً” ‏أسموه “محرماً”. و هذه الرقابة وتلك القيود من أشدّ أشكال ‏العسف والضيم على المرأة. وكلّ ذلك تحت عنوان المقدّس.

ولعلّ العنف الممارس على المرأة لم يكن وليد مرحلة تاريخيّة ‏بعينها، أو سلطة أو مجتمع ما، بل كان ظاهرة عامّة، أقرّتها الشرائع ‏والقوانين الناظمة للمجتمعات على اختلاف أشكالها وألوانها. وأخطر ‏ما فيه أنه كان مستمدّاً من النصوص المقدّسة، التي نهلت منها ‏المجتمعات تشريعاتها، وبنت عليها إرثها العنفيّ هذا لصالح الذكورة ‏وسلطة الرجل.

خاص “شبكة المرأة السورية”

ملاحظة: مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر كتابها والشبكة لا تتبنى بالضرورة هذه الآراء

شاهد أيضاً

من “زهرة الصحراء” إلى “شوكة الصحراء” … أسماء الأسد مرة أخرى!

هنادي زحلوط لم تكن الزيارة الأخيرة التي أطلت من خلالها أسماء الأسد مع زوجها للجرحى …

اترك رد