الرئيسية / ثقافة / السقوط في الخوف
اللوحة للفنان محمود الداوود

السقوط في الخوف

منتهى شريف

أبعد حازم الغطاء عن وجهه فجأة ناظراً بشرودٍ في فراغ الغرفة، ونطق بما كان يزاحم أفكاره ويبدد سلام روحه، فأنطلق سؤاله ليخرق سكون الليل كرصاصة في نهاية فيلم لم يبدأ بعد.

  • ” ياترى … نحنا لازم نعرف بالسيّاسة ؟”

كان رفاقه  في تلك اللحظة  قد استسلموا لنومٍ ضجر في الغرفة التي حَصلوا عليها بعد جهدٍ جهيد في الطابق الثامن من إحدى وحدات المدينة الجامعية, فتقاسموا فيها الأسرَّة القليلة المتعبة  والضحك والمخاوف من مستقبل  مجهول،  وقد تناثرت أجسادهم بعشوائية بعد أن افترشوا معظمهم الأرض مرغمين، فعددهم كان أكثر بكثير من العدد المخصص للغرفة الواحدة.

لطالما كانت (الشام) أم الفقير وملاذاً للجميع  وحلماً للشباب وملتقى للبسطاء، ولازالت رغم شرذمة الحرب تحضن من يدخلها بضحكة صفصافها , فتلملم لهم الأمل كل صباح ليهرب عند نهاية النهار باتجاه سرمدي الجهات تاركاً لليلهم الطويل  سطوته .

في البداية  بدا حازم وكأنه يهجس محدثاً  نفسه، لكنه ما لبث أن أعاد سؤاله بصوت أكثر وضوحاً وأكثر  إصراراً. عندها استقام خالد الذي ينام بالقرب منه وسأله وهو يلمس جبينه ممازحاً:

-“شو عم تسأل؟ إنت سخن شي؟ ”

ما هي إلا لحظات حتى انفجر الجميع بضحك مجلجل أيقظ كل من ينام في تلك الغرفة.

هم شباب لم يكملوا العقد الثاني من أعمارهم الفتية بعد، وقد عاشوا أكثر من ثلثه في ظل الحرب حتى الآن.

كان كل شيء بالنسبة لهم صعب واستثنائي كأيامهم, وردود أفعالهم,  لذلك كانت تطغى السخرية طوال الوقت على أحاديثهم وتصرفاتهم لتكون هي الحل الوحيد للاستمرار.

ما هي إلا دقائق حتى انتهى الضحك, وتغيرت ملامحهم جميعاً. عيونهم تعلقت بالنافذة المطلة باتجاه  قاسيون وكأنها تطلب مساعدته بالإجابة .

أتاهم صوت همام  بعد لحظات ليقطع الصمت:

  • “أكيد لااااا … خلينا هيك … يمكن إذا عرفنا رح نخسر بعضنا”

لكن سامر الذي كان يعد الأيام للسفر والالتحاق ببعثة تعليمية في الخارج، ردّ بهدوء:

  • “طيب إذا أنا بكرى سافرت وسألني احدهم شو عم يصير عندكم، أو أنت شو رأيك، شو بدي جاوب؟”

اقترب أحمد من النافذة المطلّة على المدينة النائمة وأشعل سيجارته، وأجاب بهدوء:

  • “بتقول لهم إنها شغلة وسخة كثير, أو إنه فاتت الأمور ببعضها ونحنا كنا عالقين بالنص … أو معلقين على الهامش… هيك احسن شيء”.

سرح الجميع مع دخان سيجارته مطلقين لخيالهم ولأذهانهم الكثير من الإجابات المكتومة والكثير من الأسئلة المخبأة تحت جلدهم.

وبدأت الأسئلة تنهال من كل صوب في عتمة الغرفة:

-“صحيح نحنا وين وشو؟ شو لازم نعمل؟ وشو أكثر شي ممكن يخوفنا؟

ومع ذكر كلمة الخوف بدأ الجميع يبوح بمخاوفهم … ربما كانت المرة الأولى التي يتحدثون فيها بموضوع جدي منذ ان سكنوا هنا.

  • والله أنا ما بخاف غير لما بوقف عالحاجز”، قال احمد هامساً، لكن احداً لم يضحك هذه المرة.

تشجع اكثر ورفع صوته وهو يصف النظرات الخبيثة التي تتربص كل مرة من رجال يقفون هناك كالأشباح بعد أن  أتقنوا زرع الخوف والشك في كل شيء بدلاً من غرس الأمان.

ارتعش حسام فجأة وانكمش على نفسه وهو يفكر بأكثر ما يرعبه، ولاحت أمامه على الفور عينا أبيه اللتان بدأ يخفت بريقهما خصوصا لحظة يحين موعد إعطائه المصروف وكيف يخيفه أن ينكسر أمامه يوماً عندما لن يكون قادراً على تقديم المزيد. ” الحرب التي أوقفت حال الناس وكبلت أيديهم، نجحت بتقسيم الناس لطبقتين متباينتين في كل شيء وجعلته يشعر بالضعف والتقصير, كالكثير من الناس الشرفاء الذين لازالوا يتمسكون بالأخلاق والقيم. أخاف على قيم أبي واخاف عليه منها … هذا ما يرعبني”.

في الزاوية تربع عماد تحاصره بعض المفردات التي تلتصق كالقدر بجيلهم: “جيل الأزمة, الهجرة، الجيش، الخطف, السجن … الخ” وما لبثت أن أخذت شكل ذبابات كبيرة بدأت تدور حوله وهو يحاول جاهداً إبعادها عنه.

  • آآخ … لا بد من طريقة لإبعاد هذه المخاوف؟

فجأة ركض ليفتح الباب هارباً من أفكاره التي انتقلت للآخرين كالعدوى. وحده صوت الريح من شاركهم بتلك الليلة سهرهم، إذ كان يتسلل اليهم  من  المنور القريب  الذي ينتظر الصيانة والترميم وقد ترك مشرعاً على حديقة منسية , لم يتبقى فيها من الشجر سوى بعض جذوعه اليابسة.

بقي سامر في فراشه نصف نائم، يفكر وحده بما يخافه. أعاده كلامهم لتلك اللحظة التي خُطف فيها وكان لم يتجاوز السادسة عشرة, وبعد أن نجا بأعجوبة، طلبت منه والدته أن يقسم لها انه لن يهتم سوى بدراسته ليكمل تعليمه ويصبح مهندساً. كل ما يخافه هو أن يسمع بكاءها الصامت من جديد في آخر الليل وهي تحضن صور أبيه وأخوته الذين لم تعرف عنهم منذ سنوات شيئاً.

أغمض عينيه معترفا انه رغم كل ما رآه أثناء فترة خطفه، وقد أُجبر أثناءها على حفر القبور ودفن الجثث، ورغم فظيع ما عاشه في تلك الفترة، لكن وحدها دموع أمه ما كان يجعل قلبه يرتعب خوفاً.

جاء الصباح يشق طريقه لقلوبهم ويؤجل مخاوفهم، فنهضوا نافضين عنهم كل نقاشات ليلهم، لكن حازم لم يكن في فراشه. بحثوا عنه ونادوه وجاءهم صوت صراخ خالد الذي ملأ المكان وأيقظ كل الطلاب في البناء.

كان حازم ممداً هناك في الأسفل بعد أن سقط من ذلك المنور اللعين،  تاركاً سؤاله عالقاً بحناجرهم وبقيت أرواحهم عالقة بمتاهة ذلك السؤال.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

شــمــوع

إنانا حاتم دخلنا ساحة المعبد بحذر نترقب ما تبقى من وقت لينساب مع أنفاسنا الشوق …

اترك رد