الرئيسية / ثقافة / ذاكــــرة الـــورق
اللوحة للفنان "خالد حجار"

ذاكــــرة الـــورق

منتهى شريف

كانت تقلب بالمحطات عندما صادفت وجهه أمامها, اقتربت من الشاشة غير مصدقة.

“إنّه هو! ” ، صرخت.

كانت الكاميرا تنتقل بين وجهه الساكن وحركة أصابعه التي تمسك بقلم الرصاص وتمرره على الورق بسلاسة وبتركيز شديد، ثم وبخطوط رشيقة ومع انحناءة الخطوط ونحت اضاءتها بالابهام، يصبح الوجه مفعماً بالحياة وبالمشاعر، ثم على زاوية الورقة ينحت توقيعه بحركة سريعة وبحركة رشيقة يرفع يده عن اللوحة ليحررها منه.

– “إنها الحركة ذاتها أيضاً!”،  تحدث نفسها بصوت مرتفع.

ينفذ صبرها عندما تنتقل الكاميرا الى وجه مقدمة البرنامج وهي تمتدح موهبة المراهق الصامت وسرعة الإنجاز المتقن للوحة، ثم تنتقل الى وجه الفتى الذي تلمع عينيه فيبدو أكثر سعادة ورضا.

إنه لمعان عيني والدتها عندما كانت تنتهي من لوحتها، وابتسامة الرضا ذاتها. هو الشغف الذي  كانت تراه بعينيها عندما كانت تنهى اللوحة بتوقيعها، فتضيف بصمة سحرية بباطن أصبعها في زاوية اللوحة اليمنى.

لاح خيال والدتها أمامها وكأنه يمنحها الدليل على صحة حدسها، ثم صاحت بعلو صوتها منتفضة:

-“يا لله! هذا حمود ”

أثار صوتها وهي تصيح ريبة زميلاتها في السكن المشترك, فأسرعن مذعورات لرؤية ما يجري!

هي الصبية الهادئة والصامتة غالباً منذ رحيل أسرتها, كانت قد أقسمت ألا تمسك قلم الرصاص بعد خبر غرق عائلتها  قبل ثلاث سنوات في البحر. كانت تكرر قولها أمام الجميع أنها لن تعود للرسم حتى ترتاح روح والدتها في البحر، حيث أنها لازالت تراها في منامها تستغيث.

منذ  بداية الحرب كان كل شيء قد  تغير في حياتهم، خاصة بعد تلك الرصاصة التي أصابت رأس  والدها وقتلته على الفور. استسلمت بعدها والدتها للإحباط والخوف وقررت أن تهرب مبتعدة مع ابنها الذي لم يكن قد تجاوز الثانية عشر من العمر.

حاولت أمها أن تقنعها  بالسفر معهما, لكنها أصرت  أن تبقى  لإتمام دراستها الجامعية ولم يمض أيام  على سفرهما حتى اختفت أخبارهما، ثم علمت أن زورقهم قد غرق. .  ذكريات تحاول منذ ثلاث سنوات أن تبقيها حبيسة لاوعيها الذي بدأ يظهر لها على شكل كوابيس تحرمها النوم والتركيز.

مرّ كل شيء أمام  حنان  كشريط سريع حتى أيقظها صوت زميلاتها وقد تحلّقن حولها. حاولت أن تشرح لهم:

– الفتى على الشاشة.. هو أخي.

لم يفهم أحدٌ قصدها وبدا ما تقوله غريباً وغير منطقي، فقصص الغرق في البحر لعائلات كاملة تكرر كثيرا مؤخراً ولم يحدث أن سمعوا أن أحداً منهم عاد.

في اليوم التالي قررت أن تتبع حدسها. بحثت عن الفتى الرسام وعرفت أنه يرسم الوجوه في مقهى على أحد شواطئ بيروت ، وبعد أيام كانت تقف قبالته.

كاد قلبها يتوقف عندما اقتربت منه. لم يتغير كثيراً، الملامح الهادئة ذاتها، والعينان الذكيتان، لكن شارباً صغيراً قد نما فوق فمه ذو الابتسامة الجميلة. تسمرت أمامه تتفرس في وجهه غير مصدقة، لكنه رمقها بنظرة متفحصة غريبة فهجست بما كانت تخاف منه:

– “معقول ما يعرفني؟”

عادت الخيبة لملامحها عندما أشاح الشاب بوجهه عنها وتابع رسم وجه صبية كانت تجلس أمامه.

نظراتها الفاضحة جعلت صاحب المقهى يقترب منها للسؤال ودهش الرجل عندما قالت له أن الفتى هو أخيها الغريق، وكادت تفقد توازنها عندما أجابها بأنها “مخطئة”!

” إنه ابني حسام “، قال لها.

كان الشاب يختلس النظر  لوجهها وعينيها وكأنه ابتلع صوته، فشرح لها صاحب المقهى أن حادثاً أصابه وفقد النطق!

سرحت حنان بعيداً وهي تراقب يد الفتى ترسم بنفس طريقة والدتها، وتذكرت كلماتها وهي تعلمهم: ” … قلم الرصاص يعطي إمكانية كبيرة لضبط تفاصيل الملامح من خلال المساحة اللامتناهية بين الظل والنور و له إمكانية فذّة في عكس المشاعر على الورق الأبيض”.

اقتربت محاولة أن تلمسه، لكنه أشاح من جديد بنظره عنها، ثم اقترب والده ليؤكد لها بالبرهان أنها مخطئة عندما وضع أمامها هوية الشاب ودفتر العائلة.

خرجت حنان يملؤها الخجل والحزن تجر أقدامها على رصيف الخيبة لتبحث عن بقايا روحها المهزومة، وضلت تمشي تائهة حتى وصلت الى الشاطئ  فجلست هناك  تتنهد وهي تنظر للماء، ثم بدأت تمرر أصابعها على الرمل وترسم وجوهاً تألفها وقوارب وأيدي تلوح من بعيد وموج عالي وتذكرت طفولتها عندما كانت ترسم نصف اللوحة وتعطيها لأخيها حمود فيكملها ويضحكان معا عندما  يقدمانها لوالدتهما بفرح.

ركضت باتجاه المقهى ثم توجهت الى الشاب الصامت ووضعت أمامه لوحة رسمتها بقلم الرصاص, وكانت لوجه أمها وقد تركت نصفه غير مكتمل. وبدأت تراقب ارتباك الشاب وحزنه ثم بعد ذلك حركة أصابعه وهو يكمل الصورة.

وبينما كانت هي غارقة بنقاش هوية الشاب الحقيقة مع صاحب المقهى الذي بدأ يتهمها بالجنون. كانت اللوحة قد اكتملت بالفعل لكن حسام لم يكن هناك.

كان الفتى يسير مبتعدا عن المقهى بخطوات ثابتة صوب البحر الذي بدأ يبتلعه رويداً رويداً .

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

انهض يا مارس!

نبال زيتونة ‏”رِيا سِلفيا” السوريّة تستنهضك. فهي لن تتخلّى عن أطفالها … من ‏عذاباتهم واقتلاع …

اترك رد