الرئيسية / تحقيقات / المرأة السورية … السند والمعيل
اللوحة للفنان "مهند عرابي"

المرأة السورية … السند والمعيل

خزامى أبو عمار

نالت المرأة السورية النصيب الأكبر من ويلات الحرب، فعدا عن يوميات الخوف والوجع والضغوط النفسية المتزايدة، ذاقت مأساة فقدان الزوج والابن والأخ وكابدت العناء في غيابهم، حاملة على كاهلها مسؤولياتٍ كبيرة لتملأ الفراغ المؤلم الذي خلَّفَهُ هذا الغياب، فتحملت أعباءً بطوليةً شتى لتنقذ عائلتها من الضياع، وتحولت بحالاتٍ كثيرة إلى معيلٍ وربّ أسرة وإلى مربيةٍ متفانية وطبيبةٍ نفسية تقوم بدور الأب والأم في آن معاً لتبلّسِم الجراح وتقدم العون والدعم والحب لمن حولها.

في شوارع دمشق، نساءٌ كثيرات أصبحن جزءاً من المشهد اليومي للأرصفة،  يفّترشّن أمامهنَّ على بلاطها بسطاتٍ مرتجلة كيفما اتفق، ليحّصلن على ما يَسدُّ الرمق،  يبعن أوراق العنب وبعض الخضار والفاكهة الموسمية والمنتجات المنزلية (مشتقات الألبان، الزيتون، المخللات وغيرها). نساء تتحدى قهر الحياة ومراراة الواقع، في ظاهرةٍ غريبة على عادات الشوارع ونساء المجتمع السوري ومشهدٍ لم تألَفَه أعين المارة لكنه، ورغم بشاعته، يبدو نوراً مُشِّعاً في ظلام الحرب.

المرأة معيل

أم أحمد، توفي زوجها بقذيفةٍ طائشة في إحدى مناطق الغوطة، فنزحت وأطفالها الثلاثة إلى ضواحي العاصمة، وأُجبرت على العمل في مجالات شتى كتنظيف البيوت وإعالة المرضى والمسنّين لتقاوم الفقر والضياع وتُمكِّن أطفالها من مواصلة التعليم، وهي اليوم تبيع الألبان والأجبان على إحدى الأرصفة تحت حرارة الشمس. تتحدث عن واقع حالها بأسى: “كان لنا مزرعة للأبقار قبل أن تفتك بنا الحرب وتشردنا، منذ عامٍ ونصف وأنا أزاول عملي هذا، اشتري الحليب وأصنع منه منتجات متنوعة، وكل يوم صباحاً أحضر إلى هنا لأعرض بضاعتي وقبل حلول الظهيرة أكون قد بعت ما لدي، فقد أصبح عندي زبائنٌ كثر يحبون منتجاتي. أحياناً أحضر إلى هنا مساءً، عندما نكون بحاجةٍ إلى نفقاتٍ إضافية، لأزيد من دخلي، فليس لدي معيلٌ غير الله، بعد أن رحل زوجي ولا أعلم شيئاً عن مصير اخوتي”.

أم حسام، نازحة، تقيم في مدينة جرمانا، تذهب يومياً وأولادها الأربعة إلى الفرن، فيشتري كل واحدٍ منهم أربع ربطاتٍ من الخبز، لتباع في الشارع. تقول: “زوجي مفقودٌ منذ ثلاثة أعوام، وأنا نازحةٌ وغريبة عن هذا المكان، أُربي أربعة أطفالٍ في ظروفٍ معيشيةٍ قاهرة، لذا لجأت إلى هذا العمل. نشتري كل يوم 20 ربطة، سعر الواحدة 50 ليرة، فأبيعها على الرصيف بسعر 100 ليرة للربطة، فأكسب بذلك 1000 ليرة. وأحياناً أعمل على بسطة خبز أخرى، يأتي صاحبها بأربعين ربطة، فأحظى ببضع نقودٍ كنسبة ربحٍ لقاء عملي معه، وهكذا اتغلب على الفقر بمشقة وأعيل عائلتي”.

الحاجة أم الاختراع

لم تعجز المرأة السورية عن فتح آفاقٍ جديدةٍ للعمل، فكلما عاندتها ظروف الحرب وسدّت أمامها الطرق؛ وجدت منافذ أخرى للعيش وابتكرت مصادر رزقٍ جديدة لتتصدى للفقر وتقاوم العقبات وتواصل الحياة بشغفٍ وإصرار.

أم محمود، أصيب زوجها بالشلل جراء قصفٍ للطيران على احدى المناطق المشتعلة، ليلازم البيت طريح الفراش، فأصبحت المعيل الوحيد له ولأولادها الأربعة. التقينا بها على احدى الأرصفة وهي تبيع على بسطتها، فتحدثت عن مأساتها بمراراة: “بعد إصابة زوجي نزحنا مع أطفالنا إلى ضواحي دمشق لنواجه واقعاً جديداً من المعاناة، ولم يكن لدينا أي سندٍ أو معيل، وبالطبع لن أرضى بأن يتسرَّب أولادي من المدرسة ويتحولون إلى العمل، كما فعل الكثير من الأهالي بأطفالهم، فكنت المنقذ الوحيد لعائلتي”. تتابع أم محمود: “بدأت أعمل في شطف الأدراج، وتعاقدت مع 6 بنايات، فكنت أشطف أدراج بنايةٍ كل يوم، لكن الدخل لم يكن كافياً فتحولت إلى العمل كبائعةٍ على الرصيف. في الشتاء كنت أبيع منسوجاتي الصوفية التي أحيكها بيدي (شالات- قفازات- قبعات- جوارب) وبعض الاكسسوارات اليدوية، وفي مطلع الصيف كنت اشتري الفول والبازيلاء الخضراء، فأقشِّرها بمساعدة أطفالي، وأضع حبوبها في أكياس المؤونة لأبيعها على بسطتي مع منتجاتٍ منزليةٍ أخرى مازلت أبيعها حتى اليوم كالزيتون والمخللات والخل ورب البندورة والتين المجفف وغيرها، أما في أيام العطل المدرسية فأذهب إلى عملي الآخر في شطف الأدراج بصحبة أطفالي.

المرأة سند الرجل

بعد شلل حركة الرجال في الآونة الأخيرة بسبب حملات السوق إلى الخدمة العسكرية الإحتياطية، لعبت المرأة دوراً هاماً في مساعدتهم ودعمهم وتخفيف معاناتهم، فوقع على عاتقها مسؤولياتٍ جديدة فكانت سنداً قوياً وحضناً دافئاً لهم.

“ن” طُرِد زوجها من وظيفته لإنه رفض الالتحاق بالخدمة الاحتياطية، واضطر للبقاء في بيته كي لا يقع في قبضة الحواجز، فتحملت الزوجة مسؤولية إعالة الأسرة، وبدأت تعمل في ورشةٍ للخياطة صباحاً ومن ثم وجدت عملاً مسائياً في محلٍ لبيع الألبسة، وبذلك استطاعت أن تنتشل زوجها وأولادها من تلك المحنة. وكي ينسى زوجها مرارة فقدانه لعمله، وجدت له عملاً منزلياً في التطريز وصف الخرز لصالح ورشة الخياطة.

ولـ “أم سعيد” حالةٌ مشابهة، فبعد أن عَلِم زوجها أنه مطلوب للخدمة الإحتياطية، تَخفّى عن الأنظار خوفاً من مُخبِري الحي الذين قد يوقعون به، وبذلك فَقَد عمله في سوق الهال، لذا باعت اسوارتها الوحيدة واشترت معداتٍ لصنع المناقيش وخبز الصاج واستأجرت محلاً صغيراً بالقرب من إحدى المدارس.

تتحدث عن طبيعة عملها فتقول: ” كل يوم يقوم زوجي بعجن الطحين في البيت صباحاً ومساء فأصطحب العجين إلى المحل لأصنع المناقيش وأبيعها للطلاب أثناء عودتهم من المدرسة، كما أتعاقد مع بعض المطاعم الشعبية فأبيعهم خبز الصاج الذي أخّبُزَه في المساء إلى جانب المناقيس وبعض الطلبات الخاصة التي يطلبها زبائني، وهكذا أتعاون مع زوجي على تدبير لقمة العيش وتأمين حياة كريمة لأطفالنا” .

أما “س” فهي تعمل في سوبر ماركت، كان قد افتتحه خطيبها الذي وقع في فخ إحدى الحواجز وسيق إلى الجيش. عندما ذهبت لزيارته الأولى في مركز تجمع الجنود في منطقة الدريج، لتصطحب له بعض الثياب والحاجات الضرورية، لم تجد رجلاً يرافقها إلى هناك، فعائلته تقيم في محافظةٍ أخرى، وأبوه رجل مسن، أما أصدقاءه فكانوا يخشون من مصيرٍ مشابه نتيجةً لكثرة الحواجز في الطريق إلى هناك، لذا استعانت بصديقتها للذهاب إليه فخاضتا مغامرةً شجاعةً في طريقٍ مليء بالخطر والمخاوف ومكانٍ مرعبٍ هو حكر على الرجال. بعد كسر حاجز الخوف أصبحتا تذهبان إليه كل يومين حتى تم نقله إلى حلب. في غيابه أكملت ما بدأه وصارت تعمل في السوبر ماركت كي لا يضيع مصدر رزقه الوحيد.

سبع سنواتٍ والمرأة السورية تقدم صوراً ناصعةً من التفاني والإيثار، تقف بوجه الحرب لتنقذ من حولها وتدافع عن وجودهم. تتحدى المستحيل لتفتح نوافذ جديدة للأمل والحياة، تُجمِّل الواقع القبيح للحرب وتحاول بناء المستقبل بيديها اللتين تزرعان الحب والسلام والعطاء والأمومة في كل شبرٍ من هذه البلاد.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

للموت وجه آخر

سلوى زكزك أشاع قرار رفع سعر الأدوية موجة سخط عارمة، دفعت  بعضهم لكتابة الشعر  العامي …

اترك رد