الرئيسية / تقارير / “ما بيسكت صوت المرا العالي غير الكف” …

“ما بيسكت صوت المرا العالي غير الكف” …

دمشق – سلوى زكزك

ملأ المكان صوت ارتطام الكف الخشن الكبير على وجه الفتى، فقط لأنه قال لأبيه إن بائع الدخان غير موجود. قال الأب للابن أنت كذاب وتافه وصفعه ذاك الكف البشع، لم تنبس الأم بحرف، لم تهدهد روح ابنها، كل قالته لابنها حين اشتكى لها فداحة الموقف وأثره البالغ عليه أجابت: “هذا أبوك وكلنا تربينا بنفس الطريقة!”

لمح جواد أخته تقف على زاوية الطريق، طلب من صديقه إيقاف السيارة، صرخ بها وطلب منها الصعود، وكان له ما أراد، لم يرد عليها السلام، وبقي صامتاً حتى وصلا إلى البيت، فسألها والشرر يتطاير من عينيه: ماذا كنت تفعلين هناك عند الزاوية؟ أجابت وهي ترتجف: كنت أنتظر السرفيس، رد قائلاً هذا ليس خط السرفيس، وعندما حاولت التوضيح صفعها على وجنتيها ورماها أرضاً مصراً على شكوكه طالباً منها وفوراً اسم وعمر وعمل وشكل الشاب الذي كانت تنتظره.

منذ يومين ضرب رجل زوجته بالسرفيس لأنها حاججت السائق حول مقدار الأجرة، ضربها وتعالى منتشياً، قال (وقت المرا بدها تشارع الشوفيرية وجوزها جنبها ما بيسكتها غير الكف) وفي المَجمع الكبير ضرب رجل زوجته أيضاً لأنها خبأت الفواتير وما تبقى من النقود المدفوعة في جيبها ولم يمهلها وقتاً للجواب أو الإعادة، مع أنه هو مَن نقدها النقود ومن طلب منها المحاسبة لأنه يكره الوقوف بالصف والحساب والفراطة والفواتير.

ضربها بغير خجل واتهمها بالسرقة وولدنة الحرام، لم تفعل شيئاً، وضعت يدها على وجنتها  المصفوعة والمجروحة، متورمة وبلون الدم وساخنة بحرارة الذل وسعار ناره، طافت عيناها المكسورتان في المكان ترصد ردة فعل الحاضرين ثم صار كل شيء مهيناً حتى آخر حدود المهانة.

في الحافلات تضرب الأمهات أطفالهن تحت ذريعة فجور الأولاد وطيشهم وعدم امتثالهم للأوامر أو الانضباط، يوقع الطفل سطل اللبن فكل ما يخاف منه صفعة أو ركلة، حتى يعتاد الصفعات والركلات وتصبح جزءاً لا يتجزأ من نهاره ومن تفاصيل حياته، والأخ الأكبر أو الأخت الكبرى تصفع أختها لأنها اعتدت على علبة طلاء أظافرها واستعملتها ولو لمرة. كله جاهز لتقبل الصفعات وكله يعتبر الصفعة أو الركلة أو شدّ الشَعر جزاءً طبيعياً ومألوفاً ومقبولاً مقابل أي تصرف لا يعجب ولي الأمر، وولي الأمر هنا قد يكون الأخ الأصغر لطفلة احمرّت وجنتاها فجأةً بعد أن ألقى ابن الجيران تحية الصباح عليها، فيضبطها أخوها هناك متلبسة بضحكتها الطفولية المصنفة جريمةً وخروجاً عن الآداب العامة.

والأنكى أن أماً قد تهمس في أذن ابنتها معاتبةً إياها على تجاوز ما، قائلة لو كررت مثل هذا التصرف مرة ثانية فسأحرمك من الخرجية، أو لن أعاود اصطحابك معي في زياراتي، فتجتمع الأمهات الفضليات هازئات من سماحة الأم وتراخيها العابث حيال خروقات طفلتها وإن لم يطالبنها علناً بصفعة مدوية تردع الطفلة وتجعلها ترعوي عن فعلتها الشنيعة حسب توصيفهن، يجلسن ليتبارين في سطوتهن وقوة صفعاتهن، وعن بلاغة الضرب في إتمام عملية التربية القمعية التي يتغنون بتنفيذها خطوة خطوة كما الجدات في سوالف الزمن وكما الأساتذة المنتشون بعبارة: اللحم لكم والعظام لنا.

ثمة حركة عفوية ترتسم فوراً على محيا الأطفال المعنفين، ففور عتاب الأم أو الأب أو الأخ نراهم يهزون رؤوسهم بغية تهريبها من المجال الحيوي للصفعات المترقبة، حركة اهتزاز الرأس جاهزة للمناورة والالتفاف فوراً بغية النجاة من صفعة أو شدة أذن مؤكدة.

ما يؤسفني وبشدة أن بعض الأمهات يعضضن أبناؤهن، أطفال بعمر الروضة أي تحت سن الرابعة يأتون صباحاً إلى دور الحضانة وأسنان أمهاتهن كالساعة الأزلية محفورة على أيديهم الغضة، وعندما يعض الطفل المعضوض زميله في دار الحضانة تقول الأم مستهجنة وغاضبة من تعليق المشرفة (ابني كتير طيوب ومستحيل يأذي حدا)، وماذا عنك أيتها الأم؟ الأم الرؤوم الحنون؟ أين طيبتك الوادعة وحنانك المطلوب لفلذة كبدك؟

أشهد أنني شهدت أبناء يصفعون آباءهم ويسخرون من أمهاتهم، من تصفيفة الشعر أو فرط السمنة أو النحول، واليد المهتزة والقدم الراجفة، ثمة علاقة نمطية تنشأ ما بين اللحظة التي يرسم فيها المعتدي نفسه وصياً على الآخر مهما كانت صفته ووضعيته العائلية، وما بين الضحية المتقبل للصفعة، الجاهز ولو نفسياً لها، ومنهم من يرفض تبديل دوره ومكانه وإمكانية رده لها على ضحية أضعف، أو ما بين مكرر ومبالغ في تلاوة نفس النسخة العنفية القاهرة الظالمة.

من الواضح أن دائرة العنف تدور جلياً وبوضوح معلن غير مخفي ولا حاجة لإخفائه أو التحايل عليه في ظل العائلة البطريركية وعلاقاتها المهيمنة والتي تنتج مضطَهَدين جدداً يعاودون تفريخ الاضطهاد وتمثله قيماً وطرائق عيش يومية، تتوارث كبصمة العين واسم العائلة. قليلون من يقولون إنهم لم يُضربوا من قِبل أهاليهم وأزواجهم، لا بل إنه ثمة رجال يُضربون أيضاً من قِبل الزوجات أو أفراد عائلة الزوجة وبالعكس، والمضحك المبكي أن الزوج لا يعلن ذلك حتى لأقرب محبيه تحت ذريعة المحافظة على سمعته وكرامته.

امرأة مضروبة، طفل مضروب، هَرِم مضروب، أخت مضروبة، كلها أمور عادية، لا تستحق سوى الشكوى في أفضل الساعات، شكوى لمجرد التعاطف واللوم.

ولا يزال الضرب أسلوب حياة عائلية لا يُجرم ولا يُعاقب عليه، لا بل يتم تداول تفاصيله كخبر يُروى وقد يجلب الضحك أحياناً، كمن يتغزل في علامات شحاطة أمه على جسده الغض ويعتبرها وسيلة تربوية عامة وعادية.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

حكايات من سوريا

  سلمى الدمشقي حكاياتنا في سوريا لا تنتهي ومأساتنا تتفاقم كل يوم بأشكال وقصص جديدة، …

اترك رد