الرئيسية / مقالات / المرأة في يومها … حريتها في تمكينها اقتصادياً
اللوحة للفنان "منير الشعراني"

المرأة في يومها … حريتها في تمكينها اقتصادياً

نجاح سفر

يتغير عالم العمل بسرعة من خلال الابتكار وزيادة الحركة، لكنه يحتاج إلى تغيير أسرع لتمكين المرأة اقتصادياً، التي حققت بالفعل العديد من المكاسب في مجال العمل خلال العقود الأخيرة. فالمرأة لا تزال تشغل في الغالب وظائف بأجور أقل من الرجل، رغم تحملها أعباء اقتصادية هائلة، بالإضافة إلى العبء الأساسي في العمل المنزلي ورعاية الأطفال غير مدفوع الأجر.

ويتطلب تحقيق المرأة للتمكين الاقتصادي إحداث تغيير جذري، بحيث يتم تقاسم الثروات بصورة عادلة من خلال عدم السماح بالتمييز بين الجنسين. ويحاول المجتمع الدولي تحقيق هذا الالتزام في جدول الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة 2030 لتغيير عالمنا.

يجب أن تتمتع كل امرأة بحقها في ممارسة العمل اللائق. فماذا نحتاج لتحقيق ذلك؟

الأجر المتساوي للنساء

بغض النظر عما تعمل أو ما تفعل، فالمرأة على الصعيد العالمي يُدفع لها أقل من الرجال عن نفس العمل. وقد استمرت الفجوة في الأجور بين الجنسين، رغم بوادر اختفاء الفوارق في التعليم في كثير من البلدان، ولكن هذا لا يكفي لإنهاء التمييز القائم على نوع الجنس في عالم العمل. فهناك العديد من القيود التي تنبع من تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل المدفوعة والرعاية الأسرية غير المدفوعة. ومن بين العوامل التي تجبر المرأة على العمل بدوام جزئي ساعات العمل غير المرنة وإجازة الأمومة المحدودة، ويمكن أن تظل خارج قوة العمل لفترات طويلة. ولا تزال بعض الدول تجبر النساء على التقاعد في وقت أبكر من الرجال.

للحد من هذا الأمر يجب التأكيد على تمرير وتنفيذ القوانين واللوائح، والتمسك بمبدأ الأجر المتساوي عن العمل ذي القيمة المتساوية. والتأكد من أن الشركات تقوم بدورها في سد الفجوة في الأجور بين الجنسين.

سد فجوة المشاركة

يتم دفع أعداد قياسية من النساء إلى سوق العمل، ورغم ذلك تبقى معدلات مشاركة القوى العاملة النسائية أقل من الرجال. فثلاثة أرباع الرجال في سن العمل هم في قوة العمل، مقارنة مع نصف النساء، وفي بعض المناطق، الشابات عاطلات عن العمل بنسب أعلى من معدلات الرجال الشباب.

وتشير هذه الثغرات إلى أنه ليس كل النساء اللاتي يرغبن بالعمل يمكن أن تفعل ذلك. فهناك إحباط من التحيز ضد المرأة، بالإضافة إلى عدم النية لتذليل العقبات، مثل عدم وجود إجازة الأبوة، ورعاية الأطفال والمعالين. وبغض النظر عن كل ما سلف، للمرأة الحق في المشاركة على قدم المساواة. مثل سن إجازة أبوة مدفوعة الأجر وسياسات عمل مرنة، وتوفير رعاية للطفل، وتشجيع أرباب العمل العامة والخاصة لتحقيق التكافؤ بين الجنسين في جميع مستويات التوظيف.

 الرعاية غير مدفوعة الأجر!

يساهم عمل النساء في سد الفجوات في مجال اقتصاد الخدمات الضخم. فالطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين اقتصادات تعتمد على مثل هذا العمل، وتبلغ قيمتها بين 10 و 39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المرأة يمكن أن تساهم أكثر في الاقتصاد في مجالات التصنيع أو التجارة.

الرعاية غير مدفوعة الأجر والعمل المنزلي تملأ الفجوات في الخدمات العامة والبنية التحتية، لكنه عمل غير عادل وغير منصف، ويشكل حاجزاً في وجه المشاركة في القوى العاملة متساوية الأجر. الحد من هذا يتطلب تحويل المعايير حول من يقوم بهذا العمل، والاستثمار في العمل اللائق.

لذا يجب تمرير سياسات تعيد توزيع العمل غير مدفوع الأجر، وذلك من خلال المزيد من الوظائف مدفوعة الأجر في اقتصاد الرعاية، وتشجيع الرجال على تقاسم الرعاية والعمل المنزلي. الاستثمار في أنظمة توفير المياه والكهرباء والنقل وغيرها من الضروريات التي تقلل العمالة المنزلية.

 العمل اللائق

يعمل عدد كبير جداً من النساء في قطاع العمل غير الرسمي، بمردود قليل وعدم حماية لحقوقهن. فالتمييز بين الجنسين يركز بشكل غير عادل على عمل النساء في وظائف مثل الباعة المتجولين في الشوارع، والعمال المحليين ومزارعي الكفاف. وتحتاج النساء بعض المهارات أو معرفة حقوقهن، خصوصاً من تهاجر إلى بلد آخر، حيث تكون مجبرة على ممارسة وظائف غير رسمية لأنها الخيار الوحيد لكسب لقمة العيش.

في العمالة غير الرسمية عادة ما يتم تقاضي مبالغ ضئيلة، فهي تقع خارج نطاق قوانين العمل، ويمكن أن تكون غير آمنة ومجردة من الامتيازات الاجتماعية، مثل المعاشات التقاعدية، الإجازة المرضية مدفوعة الأجر والتأمين الصحي. على الصعيد العالمي، هناك 57% من العاملات في المنازل لا يخضعن لأية قيود على ساعات عملهن.

ويكمن الحل في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية والأجور المعيشية الدنيا، وتعزيز التحول إلى العمالة الرسمية تمشياً مع توصية منظمة العمل الدولية رقم 204، والتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية 189 على عاملات المنازل. إنهاء العزل المهني يجب أن تكون جزءاً من هذا التحول، من خلال تسخير التكنولوجيا لخدمة العمل المنزلي، وتوفير الاقتصاد فرص جديدة للمرأة في عالم العمل. لكن هناك ثغرات تحتاج إلى سد، مثل عمل النساء في الوظائف ذات الأجور المنخفضة، والتمثيل الناقص في المناصب القيادية وفي مجال العلوم والتكنولوجيا. وتسيطر المرأة على قطاع الخدمات في سوق العمل العالمي، فحصتها عالية وتصل إلى 77%  في شرق آسيا مثلاً.

لذلك فإن إزالة الحواجز بين الجنسين في العمل يعتبر أمراً أسياسياً في القوانين التمييزية والقواعد والسياسات الاجتماعية، حيث تستفيد السياسات التجارية من القوى العاملة النسائية الرخيصة، على سبيل المثال. فالسياسة المالية قد تحد من الإنفاق على الخدمات التي يمكن أن تساعد النساء على ممارسة عمل يخلق حالة توازن أفضل لها ولأسرتها.

لذا يجب اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن تلك السياسات لإزالة الحواجز التي تميز ضد النساء العاملات. وتوفير التعليم والتدريب للمرأة، الذي ييوفر الفرص المتاحة للمرأة في عالم العمل المتغير.

التنظيم من حق المرأة

طبيعة عمل المرأة في كثير من الأحيان يبقيها بعيداً عن متناول الحماية المنظمة للشؤون العمالية والنقابية. فقدرة النساء على التنظيم في أماكن العمل والمجتمعات أمر لا غنى عنه لدعم حقوق العمال، والصوت الجماعي للمرأة هو الطريق إلى ضمان العمل اللائق والتأثير على أولويات السياسات العامة. فقد حققت عضوات في النقابات العمالية إنجازات من خلال التنظيم والمفاوضة الجماعية، بما في ذلك الفئات الضعيفة مثل خدم المنازل.

ومع ذلك تبقى العديد من الحواجز أمام مسألة التنظيم، بما في ذلك القوانين القمعية. فقد لا تتوفر فرص للنساء العاملات بدوام جزئي أو المعزولات في المنازل لمعرفة طريقة الانضمام إلى شبكات لحماية حقوقهن، مثل جماعات المساعدة الذاتية أو منظمات مثل النقابات.

في هذا المجال يمكن العمل على تحقيق التكافؤ بين الجنسين في مناصب صنع القرار في النقابات ومنظمات العمال وأصحاب العمل ومجالس إدارة الشركات. بالإضافة إلى حث الحكومات وأصحاب العمل والعمال على القيام بتنظيم مشترك لتعزيز حقوق الإنسان والعمل لجميع النساء العاملات.

إيقاف التحرش في العمل!

العنف ضد المرأة يشكل انتهاكاً لحقوقها. ومن تلك الانتهاكات التحرش في أماكن العمل، والذي يفرض دفعها ثمناً باهظاً نتيجته. فذهاب المرأة الى العمل يعرضها لمخاطر العنف والمضايقات،  في جميع الأعمار ومستويات الدخل وأنواع الوظائف. مما يؤدي إلى عواقب كثيرة، وأضرار على الصحة الجسدية والعقلية يمكن أن تؤدي إلى التغيب عن العمل، وتقل أرباحها وقد تفقد عملها. ويدفع التحرش النساء بالشعور  بالتضييق عليهن بشكل غير عادل، ويمنعهن من الحرية في اختيارهن للعمل أو حرية التنقل.

لذا يجب العمل على سن وتنفيذ قوانين وسياسات لتجريم جميع أشكال التحرش في أماكن العمل والعنف القائم على نوع الجنس. والعمل مع النقابات وأرباب العمل وتوعية قطاع العاملات في المجال غير المنظم لمعرفة حقوقهن وطلب التعويض عن الانتهاكات.

المساواة في القوانين والفوائد

الأحكام القانونية التمييزية وثغرات الحماية الاجتماعية تزيد من فرص ازدياد عيش النساء في الفقر. هناك 67 بلداً فقط لديها قوانين ضد التمييز بين الجنسين في مجال التوظيف، في حين أن 155 بلداً  لديه على الأقل واحد أو أكثر من القيود القانونية في التمييز على أساس نوع الجنس على عمل المرأة وريادة الأعمال. فالقوانين التمييزية وعدم الحد من عدم المساواة بين الجنسين، تمنع حماية المرأة قانونياً، وتحد من  تمكين العاملات.

وتفتقر النساء أيضاً إلى امتيازات الحماية الاجتماعية، فهناك 73%  من النساء التي تعاني من عدم الحصول على المعاشات وتعويضات البطالة وحتى التأمين الصحي، مما يجعلهن أكثر عرضة للفقر، بسبب نقص دخلهن عن الرجال. وللحد من ذلك يجب القضاء على كافة تشريعات العمل التمييزي تمشياً مع اتفاقية سيداو، والعمل على سن أنظمة حماية اجتماعية للحد من الفقر وتطبيقها على جميع النساء، بما في ذلك النساء العاملات، أو المتقاعدات، أو توفير الرعاية غير مدفوعة الأجر.

في النهاية يمكننا تصور مستقبل للبشرية إذا ما تم تطبيق الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة، التي تقوم على تحرير كامل قوة المرأة وإمكاناتها. لقد حان الوقت للعمل على طموحات عالية من جدول أعمال عام 2030، وضمان أن كل امرأة يمكن أن تتطور وتساهم بما في ذلك من خلال عمل لائق وحياة كريمة.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

العنف ضدّ المرأة في النصوص المقدّسة

نبال زيتونة العنف ضد المرأة ظاهرةٌ عامّة، تشكّل انتهاكاً واضحاً وصريحاً لحقوق الإنسان؛ ‏إذ ‏يمنعها …

اترك رد