الرئيسية / حملات / أشتاق إليك يا كل الرجال
اللوحة للفنان "عمر نصيرات"

أشتاق إليك يا كل الرجال

ضمن حملة المعتقلات هن الجميلات  – حلقة سلام عنتاب شبكة أنا هي 

يأتي الليل مرة تلو أخرى طويل ثقيل وعميق وهكذا توالت الأيام طويلة وهي لا تزال تنتظر، تنتظر بلا كلل أو ملل، تبقى على نظافة ملابسها وتزيين شعرها، رائحة عطرها، عل المنتظر يختصر ساعات الانتظار ويأتيها بكل ذاك الحب المتوقع.

إنها الفتاة ذات الأعوام الخمسة … نعم إنها أنا ….

أخذوا مني عشقي الأول أبي، الذي لم أستطع يوماً التعرف على رائحة جسده أو نعومة يديه أو نبرة صوته.

سرقوا أمي………

وفي عامي الخامس سرقوا مصدر الأمان الوحيد عندي أيضاً. أمي.
روحي كانت معلقة برائحة عطرها، سرقوا مني روحي في يوم لم أعد اذكر تفاصيله لكنني أذكر جيداً الشهور الستة التي توالت بعده وأنا في فقدان للأم والأب معاً.

فرع فلسطين ذاك الجحيم المختبئ في هيئة مبنى، والذي لم أدرك كم كان جحيماً إلا بعد أن غدوت امرأة، زرت أمي مرتين وربما كنا من المحظوظين حيث أن الزيارات لم تكن من خلف القضبان وإنما ما يسمى زيارة خاصة في غرفة العميد أو العقيد أو أياً كانت رتبته لا يهم. ما يهم أنه كان بنظري وأنا في الخامسة من عمري وحشاً يحتجز أمي ويمنعني عنها، أمي هي تلك المرأة اللطيفة المبتسمة الرائعة النقية كزهرة فل بيضاء، القوية كشجرة سنديان، يحتجزونها خلف قضبان باردة وبين جدران مظلمة.

كنت أجلس في حضنها الدافئ وأتعلق بملابسها وأراقب تفاصيل وجهها المتعب وقلبي الصغير يتعب مع كل تفصيلة ويخفق بشدة. قالت لي جدتي إنه مكان عملها الجديد لكني ولا أعلم كيف أدركت أنها معتقلة. معتقلة وليست سجينة كنت أرفض كلمة سجينة.. كنت أنظر لصورة حافظ الأسد معلقة فوق رأس سجان أمي ولا أعلم أيضاً كيف أدركت أنه المسؤول عن اختفاء أبي واحتجاز أمي.

كانت زيارتنا قصيرة مثيرة للمشاعر لم نتمكن من خلالها الا التأكد أنها لا تزال على قيد الحياة.

 

في يوم من أيام انتظاري الطويلة عيرني ابن جيراننا الذي يكبرني بعامين أن امي سجينة فكان جوابي صارخاً قوياً “أمي معتقلة وليست سجينة وسبب اعتقالها يشرفني فلقد شتمت الرئيس”، بكل فخر قلتها “لقد شتمت الرئيس” وقلت إنه لو لم يكن يستحق الشتم لما فعلت لأن أمي تعرف أكثر.

خرجت أمي بعد مضي نصف عام كان بالنسبة لطفلة في الخامسة تعاني من فقدان الأب والأم طويلة جداً. مرضت طوال فترة غيابها وعانيت الكثير مما لا يمكن شرحه أو وصفه وارتسمت في مخيلتي بقايا صور الأسوار العالية ورائحة الفرع المقززة وصور المعتقلين المتعبين.

 

خاطبته يوم خطوبتي

بمرور الأيام اندمل جرح غياب أمي لكن جرح غياب أبي كان ينز ويكبر معي.

يوم حفل خطوبتي ناديته.. خاطبته قلت له:

“أبي”. هذه الكلمة العجيبة التي لا زلت أجهل معناها والتي تغص بها أضلعي هذه الكلمة بسيطة الحروف عظيمة المعنى. كم أتأمل معنى هذه الكلمة ومعنى هذا الكائن الذي احتاج إليه اليوم بشدة. “هل أنا حقاً تلك النطفة المجهرية التي كان يحتويها جسده يوماً”.

ابي كان نحاتاً ورساماً ومصوراً لقد كان فناناً كما أخبروني أنه كان يحمل قلب وروح الفنان الرقيق، صنع يوماً تمثالاً لرأس فينوس وبدون أي قصد مني وقع وأنا أنظفه فلملمت أحجاره كأشلاء متناثرة التي ربما لم تكن تحمل أي قيمة مادية وقد تكون مجرد نوع من الرمال مجبولة بالقليل من الماء ولكن الكثير من الحب. رويت قساوة الحجارة بدموع عيوني وروحي شعرت أنني أفقده مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة لا أعلم عدد المرات التي فقدته فيها، نعم لقد فقدته بعدد الأيام التي مرت على غيابه.

مررت أناملي على ذاك الوجه الذي صنعته أنامله يوماً إنه مجرد تمثال أصم أبكم بارد كما صقيع الشتاء، ولكن لوهلة ومن بين دموعي رأيت شفتيه تبتسمان لي وربما كانتا قد همستا بشيء ما أيضاً ربما كان وهماً. ربما.

تأملت بصمت صورة أبي طويلاً وحاولت بضعة حروف الخروج من بين شفتي لتشكل كلمة أعتذر، خرجت تلك الكلمة وأسدلت عينيّ ربما خجلاً وربما حزناً وربما خوفاً بينما لا تزال اناملي تتحسس صمت التمثال المبتسم، لأشعر فجأة بيد حنون تمر على رأسي لتمسح حزني. كما سمعت عبارة دافئة في أذني (لا تحزني يا صغيرتي دموعك عندي أغلى من كل شيء، سأصنع لك شيئاً أجمل بشرط ألا أرى هاتين العينين تدمعان مرة أخرى) أيقنت أني إن فتحت عينيّ سأبحث طويلاً ولن أجد أي أحد. سأبحث عن ذاك الدفء الذي لف كياني. سأبحث عن تلك اليد الحانية التي مسدت شعري. أدركت أني سأصاب بخيبة أمل جديدة كما عشت كل حياتي.

كم مرت على أيام أحاول الهروب من هذا العالم إلى عالم أجد فيه حرارة جسده هذا إن كان فيه شيء من الحرارة.

اليوم كم أتمنى أن تكون هنا لتشهد معي سقوط من ظلمني وظلمك

ليتك هنا لتشهد سقوط الطغاة. ليتك هنا لتفرح معي ملء قلبك ولنحتسي معاً نخب الحرية.

اشتاق إليك يا كل الرجال.

فداء…….  حلقة سلان عنتاب   شبكة أنا هي    #المعتفلات_هن_الجميلات

شاهد أيضاً

هل ينتهي الاعتقال بالخروج من السجن؟

منى الدير هديل مبتسمة دائماً، شعرها أسود طويل بعينين خضراوين لامعتين، تقول عن نفسها  بأنها …

اترك رد