الرئيسية / تحقيقات / العنقاء السوريّة …
اللوحة للفنان "اسماعيل حلو"

العنقاء السوريّة …

نبال زيتونة

المرأة السوريّة ليست بخير، كما لم تكن بخير قبل الثورة.. وأكثر ما كان يغبنها حقّها السلطة الاجتماعيّة والدينيّة متمثلّة بالشيخ مهما كان صغيراُ، فكيف إذا كان كبير الشيوخ. وكانت تلك السلطة تأخذ شرعيّتها من السلطة السياسيّة للبلاد.

هكذا قالت ياسمين: الشيخ في حيّنا يمثّل رئيس الجمهوريّة، لا أحد يستطيع أن يرفض له طلباً، وإن تجرّأ على ذلك فمصيره مجهول. والمفارقة أن كثيرات من النساء متعلّمات ويحملن شهادات عالية، ويرون بأمّ العين ما يصدر عن هذه المؤسّسة ممثّلة بشيوخها وأبنائهم وشبّيحتهم، ولا يصدّقون، أو ربّما يتعبهم عدم التصديق، ويفتح عليهم أبواب جهنّم!..

من تحت الرماد خرجت ياسمين، كما طائر العنقاء، خرجت لتكمل مسيرتها، فالحياة لا تنتظر!..‏ ولتصل بأبنائها إلى برّ الأمان، أولئك الذين أمدّوها بالقوّة والمثابرة..

امرأة سوريّة رزحت زمناً تحت مطرقة السلطة الاجتماعيّة والدينيّة التي حرمتها ضوء الشمس، وحرّمت عليها إنسانيّتها!..

تزوّجت طفلة، وانتزعت من مدرستها التي تحبّ. كانت مجتهدة وتحلم بمستقبل جميل.. اصطادوا حلمها على مفترق الطفولة!.. وعن سابق وعيٍ وتصميم.. ويا للمفارقة، لأنّها جميلة، وقد تورّث المتاعب لعائلتها..

تقول ياسمين الشاميّة:

كان عمري أربعة عشر عاماً، عندما بدأت أخطّ أحلامي على عتبة المدرسة التي حرمت منها مع بداية الصفّ التاسع.. حلمت أن أصبح مضيفة طيران، رغبة منّي في مجاراة أحلامي التي تحملني لمعرفة ما هو أبعد من حيّنا الدمشقيّ.. حلمت أن أصبح طبيبة تقتحم عوالم الحياة الجامعيّة هناك في دمشق، على بعد خطوتين من حيّنا، تلك المدينة الزاخرة بالحياة.. لكنّ الدين يقول؛ يجب أن أتزوّج!.. هكذا قالوا لي.

وتزوّجت ياسمين مكرهة على مغادرة طفولتها، وأحلام كثيرة كانت تنسجها في مخيّلتها، لتعيش في بيت الأسرة الكبير الذي يعيش فيه الأسلاف مع أولادهم في غرف متجاورة، تحت سلطة الأب الكبير و”الحماية” المتسلّطة..

تقول:

عشت هناك في “البيت العربي”، حيث خُصّص لي “مربع”؛ غرفة كبيرة ضمن البيت الكبير. ارتديت السواد من رأسي حتى أخمص قدميّ، وكانت مهمتنا نحن النسوة خدمة الرجال. فكّرت أن أؤجّل إنجاب الأطفال، لكنّ الأمر ليس بيدي. ممنوع عليّ رفض الأوامر.. أنجبت بنتاً وصبيّاً في ذلك البيت..

وقد تنتقل المرأة من بيت لآخر جديد، لكنّ الموروث سيرافقها، ولا يمكن التخلّص منه ببساطة، طالما يستمدّ سلطته من سلطة أخرى أقوى، وأشدّ فتكاً. فهي الطفلة عندما يريدون فرض أحكامهم عليها، وهي الأمّ والزوجة عندما يقرّرون لها ذلك!؟..

وقرّر زوجي الانتقال إلى بيت جديد. لكن ممنوع عليّ أن أعيش فيه منفردة مع عائلتي، فأنا مازلت صغيرة وأحتاج إلى رقيب، هكذا قالوا لي، فجاءت معنا خالة زوجي الوحيدة والكبيرة في السنّ لتشاركنا بيتنا الجديد في حيّ آخر.. أنجبت ابنتي الثالثة وتوفي زوجي.. مرّت فترة “العدّة” تحت ضغط الجميع وإهاناتهم. ثم ابتعدوا جميعاً حين صرت بحاجة إلى معيل. أهلي أرادوني معهم دون أولادي، و”أسلافي” لا يريدون تحمّل المسؤوليّة.. الجميع تخلّى عني، حتى سكّان الحيّ من النساء عملن على طردي “طفّشوني”.. فأنا جميلة كما قلن لي، حتّى لو وضعت النقاب، ويخشون على رجالهم منّي!.. فماذا أفعل؟!.. وكثيراً ما كانت البنتان الصغيرتان تتعرّضان للتحرّش من رجال الحيّ وشبابه، فالجميع “يستوطي حيطي” أنا الأرملة!..

انتقلت من ذلك الحيّ مع أطفالي بعد وفاة الخالة، واشتغلت مشرفة مدرسة “حضانة” أهتم بالأطفال، وتعلّمت الخياطة وعملت بها إلى أن اشتعلت الحرب، فعملت بالمنظّمات والجمعيّات الخيريّة لإغاثة النازحين والمنكوبين..

لم تنتهِ القصّة هنا، ولن تنتهي.. بل كانت بداية لمتاعب من نوع جديد تتعلّق بمصير الأولاد وتعليمهم. هم الأيتام الذين لا يرقون إلى مستوى الأولاد الآخرين. فالبنت يجب أن تتزوّج من أوّل خاطب يتقدّم لها، والابن يجب أن يعمل، لا أن يذهب إلى المدرسة. والعائلة التي تتخلّى عن ياسمين في تأمين قوت أطفالها، تظهر من جديد لترسم لهم خطط المستقبل الموؤود سلفاً على طريقة أمهم!..

تقول ياسمين:

علّمت أولادي وتلك قصّة أخرى، حيث حاربني الجميع بابني الذي كان في الصفّ السابع، وأهانوه لذهابه إلى المدرسة وعدم ذهابه إلى العمل، لأنه يتيم. لكنّني بالحبّ تحدّيتهم. فلم يشأ ابني أن يسبّب لي الألم، وعاد إلى المدرسة، وكان يعمل بعد الدوام، حتى حصل على شهادته الجامعيّة ..

لعب العامل الدينيّ والاجتماعيّ دوراً هدّاماً في حياة ياسمين وابنتيها. كبار الشيوخ وكبار التجّار الدمشقيون كانوا العصا التي انكسرت عليها تلك الأسرة، وكثير من الأسر غيرها، وبات مصيرها مهدّداً بالضياع والسبي في بيوت اسمها “بيوت الزوجيّة”، وهي في الحقيقة زنازين عفنة مغطّاة ببرقع الحسب والنسب والدين.. ولم تكن ياسمين إلا المرأة الواعية التي طحنتها الحياة، فأصرّت على إخراج عائلتها إلى النور..

تقول:

درست ابنتي الكبرى في الجامعة وتخرّجت فيها، وتزوّجت تحت ضغط أعمامها من شاب مصاب “بالتوحّد”، ودون أن نعلم عن حالته سوى أنّه ابن عائلة ثريّة، وأبوه من كبار التجّار في دمشق.. سكنت معه في بيت منفصل عن أهله، لكنّ أمّه كانت تأخذه من الصباح إلى بيتها، ليعود مساء.. أنجبت ولدين وبقيت بلا معيل مع ولديها. وكنت أنا والجيران نجلب لها الطعام وحاجيات البيت، قبل أن تلجأ ابنتي للعمل مدرّسة للأطفال في بيتها. أمّا أهل الزوج وخاصّة أمّه، فكانوا من طينة أخرى غير طينة البشر. استمرّت الزوجة المهندسة على هذه الحال إلى أن أنهكها المرض فعادت إلى أمها لتدخلها المستشفى وتعالجها. وبصعوبة ابتعاد الأم عن أطفالها، أعادت ابناها إلى بيت جدّهم رغماً عنهم، وكانوا لا يريدون الأولاد، وحالة أبيهم تزداد سوءاً، فأمّه هي الشخص الوحيد الذي يستطيع التأثير عليه. وإلى الآن لا نستطيع رؤيتهم للضغط علينا حتى تأخذهم بشكل نهائيّ، أمّا ابنتي تودّ ذلك، لكنّها لا تستطيع تحمّل أعباء معيشتهم، في حين يملك جدّهم المال والتجارة والعقارات!..

وفي تجربة ياسمين بزواج ابنتها الثانية، تتأكّد لها حقيقة شيوخ الدين الذين عرفتهم في مواقف وحالات سابقة، وتعلن براءتها منهم.. إنهم يعيشون حالة الفصام بين الداخل والخارج.. ما يفرضونه على البسطاء لا ينطبق عليهم، وما يقولونه غير ما يفعلونه.. وهم في بيوتهم غيرهم أمام القطيع الذي يقودونه إلى الهاوية!.. وكم من مرّة تعرّضت ياسمين لاستغلالهم، خاصة عندما كانت تذهب إلى الشيخ الكبير لتشكو له سوء أدب ابنه ومضايقته له في الحيّ، والشارع، هي الأرملة التي تخلّى عنها الجميع. وبدل أن يحلّ المشكلة يعرض عليها الزواج “بعقد برّاني”!..

تقول:

تزوّجت ابنتي الثانية في الرابعة عشرة من عمرها، تحت ضغط أعمامها أيضاً، هي اليتيمة كما قالوا، ويجب أن تتزوّج من أوّل خاطب لها. تزوّجت من ابن شيخ كبير، وعاشت معه في بيت العائلة الكبير. وكان الزوج يمضي أيامه ولياليه في بيوت الدعارة، يعامل زوجته بعنف، عاجز عن إنجاب الأطفال. أهله متسلّطون.. وعادت إليّ مطلّقة، تعاني من اعتلال صحّتها الجسديّة والنفسيّة.. فما رأته في بيوت شيوخ الدين لا يصدّق، وممنوع عليها أن تبوح به خارج جدران السجن الكبير..

عادت ابنتي لتكمل تعليمها. تخرّجت في كليّة الشريعة، ثم تابعت في فرع جامعيّ آخر..

تقول ابنتي: لسنا بحاجة إلى شيوخ بعد اليوم يا أمّي.. بتّ أعرف ديني فلن يستغلّني أحد باسم الدين!..

وهكذا عملت البنت الصغرى على رفع النقاب عن وجه شيوخ الجريمة واللاإنسانيّة، كما عن وجه أمّها!.. وها هي تخوض غمار الحياة متسلّحة بوعيها وإرادتها التي لن تتخلّى عنها بعد اليوم..

تزوّج الابن وأصبح لديه عائلة، وسافرت البنت الكبرى بعد أن تزوّجت بإرادتها، وبعيداً عن محيطها القاصر إنسانيّاً وأخلاقيّاً هذه المرّة، من شابّ يحبّها، ويحترم إنسانيّتها، فلا يعيّرها بيتمها!..

هذه واحدة من مئات، بل آلاف القصص التي عاشتها ومازالت تعيشها المرأة السوريّة في ظلّ نظام يسمّي نفسه “علمانيّاً”، وتتواطأ معه كلّ قوى الشرّ على سطح هذا الكوكب!..

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

دراما الحبّ في سوريا

  خزامى درويش      تتميّز قصص الحب التي تركت أثراً بارزاً في حياة البشر، وحفرت …

اترك رد