Search
Close this search box.

انتظار ما لا يجيء

انتظار ما لا يجيء

سحر حويجة

من يعرف آمنة يعلم أنها كانت سعيدة في حياتها العائلية أو هكذا تبدو، مع زوجها الميسور وأطفالها. آمنة ليست امرأة عادية بسيطة، بل تتمتع بشخصية قوية وجرأة مشهوداً لها بها. لم تكن حبيسة البيت،  بل امتهنت الحلاقة والتجميل،  لها علاقات ومعارف وزبائن، مع العلم أنها من بيئة محافظة. شاركت آمنة مع آلاف من النساء والرجال في الحراك السلمي في  داريا حيث بيت عائلتها، غير أنها هجّرت مع المهجرين بعد أن خسرت أملاك عائلتها.

    اعتقلت آمنة  أكثر من مرة، المرة الأولى: وهي  في طريق عودتها من  لبنان بسبب إخبار أنها تنقل الدعم المادي للمعارضين في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. بقيت رهن التوقيف  في أحد فروع المخابرات لمدة ثلاثة أشهر ثم أفرج عنها. وفقاً لروايتها أنها نالت حريتها بعد أن قام زوجها بدفع  المال إلى رجال الأمن، أثناء وجودها في فرع التحقيق حيث لم تحل للمحاكمة.

خرجت آمنة من المعتقل في مرحلة وصل بطش النظام أقصاه، والصراع العسكري بين المتحاربين قسمّ الوطن  بين مدن وحارات. ابتعد عنها  الزبائن خوفاً، لكن آمنة حافظت على حيويتها وضحكتها، كما حافظت على نشاطها. وظهر لاحقاً أنها ثابرت على نشاطها كمراسلة بأسماء مستعارة،  لكن تمت مراقبتها. وفي ليلة ليلاء داهم الأمن بيتها،  وتم القبض عليها بالجرم المشهود وهي ترسل تقريرها، اعتقلوها مع الأجهزة التي تساعدها في القيام بمهامها، وخرجت من السجن بعد عدة أشهر. لتتكرر الرواية ذاتها بأنها خرجت بعد أن تم دفع المال للجهات الأمنية.

نعم المال لغة تتحدث وتفعل فعلها المؤثر، وهناك من يجيد استعمالها في الظرف السوري، فهي تشكل  أحد وسائل التمويل وتراكم الثروة  يستخدمها تجار الحرب ومديروها  عبر ابتزاز المواطنين، فالخطف مقابل فدية، هو ما ظهر علناً  وعمره عمر الأزمة السورية، حتى لم يبق أحد أهلاً للابتزاز، بعد أن هرب الأغنياء والطبقة الوسطى العليا المالكة من البلد.  لكن الوجه الآخر للابتزاز المالي  غير المعلن ومساحته أوسع من الخطف هو ابتزاز أهالي المعتقلين من أجل شراء حرية أولادهم بواسطة  المال. هذه الوسيلة ساهمت في إفقار أهالي المعتقلين والتخلي عن ممتلكاتهم، من أجل ضمان حياة أولادهم، لكن من جهة أخرى شجعت أجهزة الأمن وأعوانهم من لجان الدفاع الوطني، على  اعتقال أشخاص بلا سبب من نشاط أو إخبار  بل لأسباب واهية لا سند لها  حتى في  القانون الاستثنائي الذي فصلته السلطة تحت عنوان قانون مكافحة الإرهاب، فكانت الاعتقالات   فقط بسبب الانتماء  لمناطق معينة أو طائفة معينة وكان التعذيب الوحشي كفيلاً بجعلهم يعترفون بما يريده رجل الأمن ، و إذا بقي المعتقل على قيد الحياة، يفتح الباب واسعاً أمام  الابتزاز المالي، حيث  أهالي المعتقلين كما تشهد الوقائع، لديهم الاستعداد أن يبيعوا ويرهنوا  كل ما يملكون فداء لأولادهم المهددين في أي لحظة بالموت. ولكل ثمنه: تحويل معتقل من فرع أمن إلى محكمة الإرهاب  حوالي مليوني ليرة سورية، الإفراج عن معتقل أربعة ملايين …  غير أن الكثير من الأهالي  كانوا ضحايا تدليس واحتيال من ممتهني النصب والاحتيال بحماية من سادتهم.

إذاً آمنة حرة مرة ثانية،  صارت العيون كثيرة  عليها  و لا مفر منها، تمنعها من الحركة والاتصال والنشاط، كما أن آمنة ممنوعة من السفر،  لكن و لأسباب غامضة تم مداهمة بيت سكنها  للمرة الثالثة خلال سنتين ،  قادوها هذه المرة  بصحبة زوجها، هي تقول: أن المطلوب كان زوجها وليست هي،  بسبب  علاقة قديمة له في داريا مع شخص مطلوب،  أو ربما حجة لاعتقاله، لكنها رافقته بعد أن أغمي عليه قبل صعوده  إلى سيارة الأمن. عُرف أنه يعاني من مرض في القلب لم يتحمل الموقف  من شدة الخوف، لكن الأمن لم يأخذه إلى المشفى ظناً منهم أن  إغماءه  حيلة  حتى يتهرب من مواجهة  التعذيب والتحقيق.

تقول الزوجة: “أخذوه إلى الفرع  و عذبوه صعقاً بالكهرباء،  فاستفاق لكنها لم تكن سوى   صحوة الموت  ثم أغمض عينيه  إلى الأبد، أخذوه بعد موته إلى المستشفى، ليس لعلاجه بل لإثبات موته بتقرير طبي  أنه مات بسكتة  قلبية،  ولحسن الحظ تم تسليم جثمانه  لأهله ، خلافاً لمن يستشهد عادة  تحت التعذيب حيث يكتفي الأمن بإرسال هويته لأهله دون تسليم الجثة. فالزوج فعلاً لم تظهر علائم التعذيب على جسده، فلا مشكلة عند الأمن من تسليم جثته لذويه.

غير أن آمنة بقيت في السجن، ولم تحضر مراسم الدفن  والعزاء.  تقول إن السبب هو صدامها مع المخابرات بعد وفاة الزوج،  “دائماً في كلامها ما هو ملغوم يجعل من يسمعها  يشك”.  خرجت بعد أن قضت في السجن  مدة ستة أشهر، لم توجه لها تهمة، غير أن  محيطها العائلي من طرف الزوج أخذوا موقفاً منها  ظناً منهم أن زوجها اعتقل بسببها وإلا لماذا احتفظوا بها ستة أشهر؟

خرجت آمنة  مكسورة الجناح والقلب حزينة وبقي الحزن يسكنها ليس على زوجها فحسب، بل هناك سبب آخر هو اعتقال ابنها،  مع  العلم أن  آمنة بذلت أقصى جهدها  لتأمين مغادرته خارج البلاد حتى تأمن سلامته،  وظنها أنها رتبت الأمور كما تشتهي ولا خوف على ولدها الشاب وهو  في طريقه  من لبنان إلى دمشق لزيارة عائلته، بعد الإفراج الثالث شوقاً إلى أمه. لكن تم اعتقاله على الحدود،  حلت بعدها  الكارثة على العائلة التي تتكون من طفلة لم تدخل المدرسة بعد،  و ابنة كانت تحضر لتقديم الثانوية العامة، ونتيجة الظروف العائلية القاسية  لم تستطع التحضير والدراسة.

آمنة صاحبة الخبرة والتجربة على مدى سنوات تعلم من أين تؤكل الكتف،  يدعم توجهها هذا ميلها للسوق والتجارة،  قامت بدفع ما تيسر لها  من مال، من أجل  معرفة مكان ابنها  حتى تم نقله  إلى عدرا وتمكنت  من زيارته واطمأنت على حياته. الابن  لا يزال في السجن، وانطلقت آمنة بالعمل من جديد ليست مراسلة هذه المرة ولا في  التجميل،  بل  نحو  نوع من أعمال التجارة لا ينجح به أي شخص. آمنة وعائلتها يعملون في هذا العمل، تقول عنه: “إنه مريح ويحفظ الكرامة وممتع وشيق بعيد عن الاستغلال وسلطة أحد،  فقط أن تدخل  إلى المشروع وتقول معي 55 ألف ليرة  سورية بعدها تأخذ منتج بوكالة ، ويكفيك بعدها  أن تعمل  لمدة ساعتين في اليوم. تعيش مع أولادها من هذا العمل، وتبذل كل ما تستطيع من جهد لإخراج ابنها الشاب من المعتقل.  آمنة تنتظر بقيودها التي تمنعها من السفر، ومن النشاط ،  تنتظر مع الجميع الذي ينتظر!

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »