Search
Close this search box.

مواسم للطفولةِ… والحرب

مواسم للطفولةِ… والحرب

إنانا حاتم

عدنا مع الأطفال للمدرسةِ، بعد عطلةِ صيفٍ لم يكن مثمراً بما يكفي كي يسدَ رمقَ الناس، فالأرض الحزينة لم تنجح بمهمةِ إنتاجٍ للخيرِ المنتظر،  فهي لا زالت  عطشى للفرح وللمطر بعد أن  فقدت أيدي شباب مات أغلبهم بالحرب، و هاجر الكثيرُ منهم، محاولين  النجاة بأرواحهم،  وإيجاد دربٍ للخلاص .

الحزن أصابَ الشجرَ والبشرَ ، وحديثُ كلِّ البيوتِ هو عن كيفيةِ إيجاد حل وطريقة للاستمرار بمعجزةِ العيش وتدبيرِ مصاريفَ ستبدأ للتو مع بداية المدرسة، ولن تنتهي بنهايتها!

فوجئت من أول يوم بعدد التلاميذ الهائل، وهذه حال كل المدارس بالمناطق الآمنة،  فالنازحون والمهجرون و بعد أن غاب الأمل القريب  بعودتهم لبيوتهم، قرر أغلبهم الاستقرار بمنطقتنا ريثما تتوقف رحى الحرب.

 تذكرت كلام  أحمد ابن السبع سنوات بنهاية العام الماضي عندما ودعني قائلاً: (بالله يا آنسة ادعي ما عاد تشوفيني هون، بلكي نرجع هالصيفية لبيتنا)!

لم يقترب احمد مني اليوم، ولم يكن يلعب مع رفاقه، فمدينته  التي كان  يحلم بالعودة لها، ضربتها يد الحقد  فسويت على الأرض، هو الذي فقد والده وبيته هناك بدا غير  متحمس لشيء!

منظر الصفوفِ المكتظةِ، والباحة الضيقة، وعيونُ الأطفالِ الباحثةِ عن الأمانِ  والفرحِ، كل ذلك ازدحم ليصنع من البداية مشكلةً صعبة َالحلِ، فالأهالي لم ينجحوا  بإقناع المسئولين باستئجار مكان قريب للتخفيف من الزحام بالغرف الصيفية، والعدد الذي فاق الخمسين تلميذاً بالصف الواحد أصاب المعلمين باليأس والمناقشة  مع ذوي الأمر لا جدوى منها،  فكلامهم يؤكد عجز المؤسسات بهذه المرحلة، ورغم أن الكثير من المساعدات  أرسلت للمدارس، لكنها لم تصل.

   أبو سليم الذي وضعَ تحت تصرفِ المدرسةِ مبلغا يكاد يكفي لبناء غرفتين  صيفيتين، يقول ساخرا: (أنا عملت إلي عليّ وقدمت بس شو بعمل إذا في حوت  جاهز يبلع المدرسة والي فيها) !

 صحيح أنه وبهذا العام ولأول مرة  قاموا بتوزيع  حقائب مع مستلزماتها  لكل الأطفال، والأكيد أنها   خففت عبئاً كبيرا عن الأهلِ، لكنها وكما قالت أم فادي وهي تشير لتلك الكلمة المكتوبة بحروف واضحة على الحقيبة (اليونسيف ): (الحمد الله إلي كاتبين هالكلمة هون  وإلا كانت انسرقت  وانباعت كمان).

 دخلت للصف  ورأيت بعيون الأطفال  أسئلة كثيرة  وبدأت بالحديث معهم  عن ضرورة الاهتمام بأنفسهم  وخاصة بالطعام وشرب الحليب، لكن حسام الصغير قاطعني مؤكداً : ماما قالت انو كمان  الشاي مليح. ضحكت ُوأشرت بالموافقة  على صحة كلامها!

فوجوههم الشاحبة أكدت لي ما وصلنا له من حالة سيئة وذكرتني  بذلك المبلغ  الذي  أُرسل من مجموعة من  أبناء البلدة المغتربين وقد أوصوا أن يكون ثمناً  لحليب يقدم للأطفال مجاناً، لكن الشخص المؤتمن على الأمر أيضاً سرق الحليب وثمنه!

كانت أُم جميل المستخدمة بالمدرسة،  وبنظرتها الثاقبة وبكلماتٍ مختصرةٍ تؤكد دائماً: (لو المساعدات إلي عم تجي عم توصل ما كان حدا احتاج شي).

منذ خمس سنوات ونحن بين مدٍ وجزرٍ ، فالأبناء الطيبون والمغتربون بأصقاع الأرض يحاولون أن يقدموا لمن مثلنا بالداخلِ المساعدة لكن عبثاً، لا يكاد يصل منها إلا القليل!

و لآخر مساعدة أرسلت  حكاية تكاد لا تصدق، فلقد  قدمتها إحدى الأمهات المغتربات هي ومجموعة من النساء هناك، وكانت جداً مميزة بإرسالها بوقتها قبل العيد، وعندما سمعت سحر بهذه المساعدة ذهبت مع  إحدى زميلاتها المعلمات للجمعية لتحثهم على  توزيعها،   أخبرتني قائلة : “رأيت تلك المساعدات بأم عيني … كانت طقم كامل من الجينز رائع، معه كل ما يلزم الطفل من  حذاء وسترة للشتاء ولعبة وأشياء جميلة، سيفرح قلبه بها، لكن وللأسف، انتهى العيد ولم توزع لأطفالنا”.

 تقول متنهدة :(ولك ما بيستحوا على حالهن، أنا  شفتها بعد فترة عم تنباع بالشام ، كل قطعة لوحدها وبأسعار لا توصف!”

هو زمن انكشفت فيه كل العورات، فليست مساعدات المدارسِ والأطفال وحدها ما يسرق!

 فلقد سُرقت أيضا  معدات للمستشفى الحكومي،  الذي بُني من عشر سنوات ولازال ينتظرُ الافتتاح، والناس بأمس الحاجة له بالبلدة، أكد أبو احمد الذي عمل بالصحة  لسنوات كسائق انه وضع بيده  مع العمالِ تلك المعداتِ بالمستودع .

قالَ متحسراً: (يا حرام المساعدات إجت من مجموعة اطباء بيعملو بالخارج وكانت عبارة عن معدات وأجهزة طبية كافية لتشغيل  المستشفى، لكن و بعد سماع صوت تفجير بالمنطقة بوقت قصير، ذهبنا للمستودع لنجده فارغاً، واكتشفنا بعد أشهر  أنها أصبحت تعمل ولكن بمستشفى آخر، وبمحافظة أخرى!”

كان صوتُ الأطفالِ يأتي ليصفعني، توقفت للحظات لأراهم يلعبون على إيقاع أغنية استوقفتني.

فكل سنة ينسجون  بفطرتهم  أغنية تحاكي مواجع الوطن، علا صوتهم بالأغنية وقد استبدلوا كلماتها :

كنا ستة على النبعة     إجت قذيفة صرنا أربعة

انخطفوا اثنين         وضل اثنيييين

يا خوفي تاكلنا الضبعة       ياعيني

يا خوفي تاكلنا الضبعة …

كان لعبهم بالباحةِ أيضاً يُحاكي واقعهم يختبئون خلف الجدار، ويمثلون بأنهم يحملون أسلحة ومدافع، فيتبادلون إطلاق النار بأيديهم كالرشاش.

عندما عادوا للصف،  بدأت أحدثهم  بكلمات تبث فيهم روح التفاؤل وأكدت لهم أن  الحرب ستنتهي، عندها سألني أحد الأطفال بإصرار: (آنسة إنتي أي سلاح بتحبي!)

ابتسمت وأجبته :(أنا بحبكن انتو وانتو أجمل سلاح:

يلا تعالوا نتعلم كيف  نكون أقوى، ونتنفس المحبة

يلا مدوا إيدكم للشمس و انظروا لها هي القوية المليانة محبة  خذوا منها مع الشهيق  النور والمحبة …

ومدوا إيدكم الثانية للشجرة الواقفة هنيك   خذو منها القوة والثبات وتنفسو مليح، انتو هلق أقوى.

اتنفسوا مليح مليح… انتو كلكم محبة وقوة …

 وهلق أنا وانتو جاهزين ورح نبدأ من جديد.

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »