الرئيسية / ثقافة / السؤالُ المرُّ
اللوحة للفنان "خالد تكريتي"

السؤالُ المرُّ

أحلام عسّاف

انقضت الإجازةُ القصيرةُ، وعادَ “الأستاذُ” كما تسميهِ أمهُ لجاراتِها، مُنهكاً، تاركاً خلفهُ بيتاً، كان يجبُ أن يكونَ بيتهُ، وشخصاً يُفترضُ أنهُ أبوهُ.

أبوهُ الذي تركَ الفلاحةَ، لكنهُ لم يكُفَّ عن حراثةِ ذاكرتهِ، حيثُ الظنونُ والأوهامُ حقائقُ مؤكدةٌ.

طفرَ اليأسُ والحيرةُ من عينيهِ الكئيبتين، فقد عانى من نوباتٍ عصبيةٍ في الأيامِ القليلةِ الماضيةِ ، صوتُ أبيهِ يُدّوي في رأسهِ: أنتَ مثلُ أمُكَ، لأنكَ ابنُها.

ما إنْ رأتهُ يترددُ، وفي عينيهِ الزائغتينِ سؤالٌ مكتومٌ، حتى تحسّستْ ألَمهْ.

فانسابَ كلُ ما خبأتهُ من حُزنِ أوقاتِها المتجعدةِ، في ذاكرةٍ صُقِلت كالزجاج. انبثقت في تلكَ اللحظةِ عشرونَ عاماً انقضت بتفاصيلِها الخانقةِ.

لقد كان يكبرُها بكثيرٍ يوم َ خطبها وعجّلَ  بالزواجِ. حيويتُها كانت تغيظُهُ وتثيرُ ظنونًهُ وهواجسَهُ. فحبسَها في قفصٍ صدئٍ. استسلمَتْ أولَ الأمرِ، لكنَّ القفصَ ضاقَ على روحِها، إذ كان يأتيها بظنونهِ وهواجسهِ، فيعرُكُ جسدَها عركاً. يومَ حَملَتْ بابنِها لم يصدقْ فعلتَهُ، فقد رآها بأمِّ شكوكهِ وهي تبصقُ قهرّها. وحينَ تحوّلَ يأسُها إلى شجاعةٍ، ازدادَ عبَثَهُ بأيامِها، وجأرَ كسكيرٍ قذرٍ مطلقاً تهمتَهُ: أنتِ خائنة…

قفزَ كلامُهُ من بينَ أسنانهِ الصفراءِ من غيرِ وجلٍ، ليرميَها إلى أهلِها.

وضعتْ ابنَها على فراشِ التُهمةِ، ترعرعَ بينَ جليدِ العطفِ وجمرِ الأقاويلِ وشقاءِ الكدِ.

لم يجرؤ على سؤالِها، ذاكَ السؤالَ المرّ، الذي أجابَ عنهُ أبوهُ غمغمةً.

ارتبكتْ، جحظتْ عيناها وامتلأتا بهزيمةٍ مرّةٍ، لم تستطعْ رغمَ جُهدِها أنْ تبلعَها. أجابتْهُ بحرقةٍ جارحةٍ، متحاشيةُ النظرَ في انكسارهِ: أجلْ يا أستاذ، أنتَ ابنُ حرامٍ، أنتَ ابنُ الاغتصابِ، ابنُ أبيكَ، الذي كلما اغتصبني، وفرَغَ مني، كنتُ أتقيأُ ذلّي وصمتي على ما يفعلُ بجسدي. لم أعدْ أحتملُ اغتصاباتهِ الهوجاءَ، فاكتفيتُ بثمرةٍ واحدةٍ منها هي أنتَ، ولا شيءَ غيرَ ذلكَ.

امتقعَ وجهُهُ بلونٍ أرجوانيّ، حدّقَ فيها بعينينِ خاليتينِ من أيِّ معنى، كتائهٍ، لم يصدّقْ أنّهٌ وصلَ مبتغاهُ، بهذا الألمِ المنفجرِ. الذي غسلَ روحَهُ من أدرانِ الحيرةِ والشكِ، وآثارِ الغَصصِ التي تجرَعهَا على مرِّ السنين.

أخذَها بينَ ذراعيهِ، ضمَّها إلى صدرهِ، فأحسَ بابتسامتِها، التي كانت زادَ أيامهِ، تتراقصُ في حناياها.

نظرَ في عينيها المغسولتينِ بدموعٍ مالحةٍ. طبعَ قبلةً على جبينها، وهمسَ في أذنها: أنت ِشمسي.

أنا أنتمي إليكِ… أُمي…

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

شاهد أيضاً

أمنيات

إنانا حاتم تلفحهم الريح فيبتسمون لها ببراءة وكأنها تلاعبهم، وعندما يقترب الخوف ليزاحمهم في باحة …

اترك رد