الرئيسية / مقالات / قصة موت غير معلن
اللوحة للفنان "خالد حجار"

قصة موت غير معلن

سحر حويجة

غيّب الموت خالداً … قصة من بلدي، تشبه آلافاً غيرها من قصص سمعنا بها في سياق الصراع الدائر في سوريا، شباب قضوا أو ما زالوا ينتظرون نحبهم.

في مجلس التعزية قالت أمّه، وكرّرت هذا القول أخته وأعادته جدّته، وخالاته: “كانت أمنيته أن يموت”، لدرجة يعتقد  السامع كلامهن أن الموت خيار له، في بحثه عن حياة أبدية  في الجنة الموعود بها، إن مات شهيداً في سبيل الله. لسوء حظّ خالد لم يمت في ساحة الحرب، ولم يمت صدفة بسبب صواريخ أو براميل الغدر التي تحمل الموت دون تمييز بين الضحايا، لكنّ موته حدث وفق ما أدلت به زوجته عند الاتصال بأهله أنّه قتل قنصاً في أحد شوارع المخيم، وفي منطقة آمنة بالنسبة له. ولم تكشف بعد ملابسات موته.

ليست القضيّة سرد قصة حول موت شخص في وطن  فاض الموت فيه وفاق حدود التصوّر. بل هي قضية آلاف   الشباب السوري، الذين تحوّلوا من موقع إلى آخر على وقع التحوّلات والظروف التي فرضت شروطها عليهم، وأخذتهم في تيارها.

 لم يُكمل خالد الثامنة عشرة من عمره عندما اندلعت انتفاضة الشعب السوري. كان يمتلئ حماساً وثورة. تمرّد على محيطه العائلي، وهو ابن عائلة تنتمي إلى الطبقة الفقيرة من المجتمع السوري تعيش حدّ الكفاف. الأب عامل في إحدى مؤسّسات الدولة، يملك بيتا في حيّ من أحياء دمشق الفقيرة. يتألف البيت من غرفتين يعيش فيه مع أفراد عائلته الستة. خالد كان ابنه البكر لم يتابع تحصيله العلمي، وترك المدرسة من الصف السادس. ومنذ بداية الأحداث، انضمّ الى الثوار، وشارك في الحراك السلمي متظاهراً حيناً، ومشيّعاً الشهداء أحياناً أخرى. تركزت مشاركته في حيّ الميدان حيث توجّه شباب المخيم الثائرين إلى الحيّ القريب إليهم، في مرحلة تحييد المخيم عن الحراك.

اصطدم خالد مع والده لدرجة الخصام، خاصّةً عندما أُجبر والده العامل في الدولة على حمل العصا وملاحقة المتظاهرين، في ظلّ السياسة التي اتّبعها النظام بداية الأحداث، في محاولة منه بثّ الفرقة والخوف بزجّ الجميع في مستنقع الاقتتال. وعلى الرغم من تأكيد الأب أنه لم يستخدم الضرب ولم يشارك في هذه المهزلة، إلا أن الابن قطع صلته  بالبيت، ولجأ إلى أصدقائه، مدفوعاً بالحماس، مردداً شعارات الحرية، هاتفاً للثورة والثوّار.

تحوّل المخيم  والمناطق القريبة منه إلى ساحة معارك، بعد أن استهدفه النظام بالأسلحة الثقيلة، حيث أجبر الأهالي على ترك منازلهم، وبقي خالد وحيداً في بيت العائلة، حمل السلاح في صفوف الجيش الحرّ، لم تبدُ عليه أياً من علامات التشدّد خلال السنة الأولى من الصراع، حيث شارك في الحراك السلميّ، وبعدها حمل السلاح دفاعاً عن المتظاهرين وعن النفس، في مواجهة العنف الدمويّ الذي استخدمه النظام، وبعد أن زاد البطش والاعتقال، وطال الشباب على الحواجز أثناء الدخول أو الخروج من المخيم.

من شرفتي كنت  أشاهد خالداً في سيارة تتبع للجيش الحرّ، بعدها بأشهر  شاهدته بسيارة أو بالأصح سوزوكي مكتوبٌ عليها “صقور الشام”. ومع توالي الأحداث وتطوّرها، وبإغلاق المخيم أمام حركة الدخول والخروج، تعرّض من تبقى من السكان للحصار والتجويع. وكانت أمّه تخبرني ما يدور بينهما من أحاديث، عبر الواتس آب، تقرأها لي في كثير من الأحيان، وهي في حالة  من الغضب والخوف الذي يتزايد يوماً بعد أخر. وكانت الأمّ تدعوه لترك السلاح خاصة بعد التسوية التي جرت في يلدا وببيلا. تمنّت أن يكون ابنها من الذين  دخلوا في التسوية، غير أن خالداً سلك مسلكاً متشدّداً متأثراً  بأصدقائه المتشدّدين الموزّعين بين النصرة وداعش. أخذ  يخاطب أمّه بالشرع، وهي تقف مذهولة وتقول له: “أتحسبنا بلا دين، وأنت المؤمن؟”. الأمّ غير مصدقة ابنها الذي لم يلتزم يوماً طقوس الدين صوماً أو صلاة، رغم أنف عائلته المحافظة سلك مسلك اللهو، واليوم جاء يعطي العائلة  دروساً في الدين. بذلت الأمّ جهدها لتحافظ على خيوط التواصل مع ابنها، أنهت معه الحوار مرّة بوصيّتها ألا يقتل أحداً، قالت إنه وعدها بذلك.

ومع ازدياد أعمال التدمير والموت على اختلاف أشكالها، التي تركت ندوباً عميقة في نفوس كلّ من شاهد جثث الضحايا محروقة أو مقطّعة أشلاء أو مدفونة تحت الأنقاض، وبارتفاع حصيلة الضحايا من المدنيين الأبرياء قتلاً واعتقالاً، مضافاً إليه الحصار وما نتج عنه من آثار مروّعة بين سكان المخيم. فشلت التشكيلات الصغيرة المبعثرة من الجيش الحرّ في فرز قيادة موحّدة في الداخل المحاصر، وأخذت تبحث عن منافعها الخاصة، مع الجمود في ساحة المعارك وتلقي الضربات من بعيد. وكان لنزوح السكان أثر في إضعاف التيّار المدني، حيث أخذ السلاح موقع الصدارة.

نمت نزعة الحقد والكراهية والرغبة بالثأر، فأخذت تظهر وتنمو تيارات جهاديّة بخلفيّة فكريّة تخرج الانسان من أرض الواقع إلى السماء، وتعبّئ المجاهدين بأفكار الثأر والجهاد في سبيل الله، إذ ليس المهم أن تنتصر، بل تقديس فكرة الموت على الحياة، وليس الموت من أجل سعادة الأجيال القادمة بل الموت من أجل سعادة المجاهد في الحياة الأبدية. ليس المهم أن ترضي الناس بل المهم رضى الله. رفضوا الالتزام بكلّ ما أنتجه البشر من قوانين وأعراف في الحرب. وتمّ تقسيم المجتمع إلى فريقين؛ كفرة ومؤمنين.

الخلاصة أنه في مواجهة واقع  الحصار والجوع والموت الذي يفوق قدرة البشر على التحمّل أسباب سهّلت دور القوى المتشددة أمثال داعش والنصرة، لابتلاع المجموعات  المبعثرة، ضعيفة الخبرة القتالية، في ظلّ غياب قيادة سياسيّة وضعف العتاد، والحاجة لأفكار تناسب الوضع وتبعث فيهم القوة والأمل. سيطر منطق الثأر لجرائم النظام، ونمت مشاعر الحقد والكراهية؛ التربة المناسبة للتطرّف.

 نجا خالد من جميع المعارك الكبيرة والصغيرة ومات قنصاً، ليبقَ موته لغزاً لم تنكشف أسبابه بعد.

وصلتني رسالة من أحد أفراد عائلته تقول: “خالد مات!”، لم أردّ على الرسالة، سارعت إلى بيت أهل أم خالد لقربهم من مكان إقامتي، لأستوضح الأمر، وجدت أمّ خالد وأمّها وأخواتها  والبنات من أولادهن قد اجتمعن، ما أثار استغرابي، تجمّعت نساء العائلة حول كميّة كبيرة من الملوخية، لفرزها وتنظيفها وتموينها للشتاء، بلباسهم المعتاد، وبألوان مختلفة، لا وجود للأسود لباس الحداد المألوف في مثل هذه المناسبات! لا صوت للقرآن أيضاً! لا إشارة إلى وجود عزاء في هذا البيت!. دخلت تأكّدت من واقعة الوفاة وقدّمت واجب العزاء،  تعزية بالسرّ. لقد تمّ نشر الخبر في أضيق نطاق على مستوى الأقارب والأصدقاء. فالحذر واجب أو الخوف سيّد الموقف. الأمّ المكلومة بوفاة ابنها تحبس دموعها غير مصدّقة، تجلس صامتة مردّدة: “هو يريد ذلك”. وأكثر ما يزيد من حزن نساء العائلة أنهن لم يودعنه.

خمس سنوات مضت لم تره أخته المتزوّجة ولا جدّته ولا خالاته، والده لم يره أيضاً، وكان يرفض الحديث معه عبر الموبايل، الأمّ هي التي كانت تزوره برفقة ابنتيها الصغيرتين، بعد أن سمح النظام لسكان المخيّم زيارة بيوتهن أو زيارة أولادهن بعد تلقي دعوة ممّن  تبقى من عائلاتهم هناك، وبعد الموافقة بشكل رسميّ على الزيارة. اللقاء الأول بين الأمّ وولدها بعد 4 سنوات من الفراق، كان مؤثراً لدرجة كبيرة، أمّا الزيارة الأخيرة فكانت قبل وفاته بأسبوعين، حيث تعتبر الأمّ نفسها محظوظة لأنها ودّعته. خالد أكمل  23 عاماً، تزوّج منذ ثلاث سنوات زواجاً أغضب الأهل حينها، لكن تمّ استيعاب حالة شخص يعيش وحيداً بلا عائلة أو أقارب. فلابأس من وجود زوجة تساعده وتؤنس وحدته في منفاه. أنجب طفلة لم تكمل السنة الأولى من عمرها بعد، وهي اليوم يتيمة الأب، وغير مسجّلة في سجل الأحوال المدنية، لأنّ الزواج  قد تمّ بعقد عرفيّ، ما يتطلّب وضعاً آمناً لخروج الأمّ وتسجيل ابنتها بعد إجراء دعوى تثبيت الزواج.

خرجت من العزاء لم أجد ما يحرّك مشاعري إلا عندما أجهشت الأم بالبكاء فبكيت، وصورة الأب كانت مؤثّرة،  يجلس وحيداً في غرفة خصّصت لعزاء الرجال، مطرقاً رأسه مستغرقاً في قراءة القرآن عبر الموبايل. أيّ عزاء هذا؟ لا يستطع الأب وحتى الأم البكاء بصوت مسموع،   وليس بمقدورهم الاستماع إلى صوت القرآن، خوفاً من شبيحة الحيّ كما هي العادة في هذه المناسبات. دمعة متحجّرة في العيون الخائفة، وعزاء الأهل أنّ تلك كانت أمنية ولدهم، يستعجل موته ليذهب إلى الجنة. والسؤال أليست الظروف هي التي أنتجت التطرّف؟ أليس تغيير الظروف كفيل بعودة كثير من الشباب المتشدّد من السماء إلى الأرض إلى حضن المجتمع؟ أليست عملية مقصودة من الدول الداعمة والحامية والمتفرّجة على ما يجري في سوريا جرّ الشباب إلى هاوية التشدد لتضمن إطالة زمن الحرب وتحقيق مصالحها؟ والثمن دائماً دمنا وحاضرنا ومستقبلنا.

خاص “شبكة المرأة السورية”

شاهد أيضاً

تأملات في ديموغرافيا الكارثة السورية

غالية الريش غالبا ما يكتسي مفهوم الديموغرافيا طابعا علميا يعنى بالأبحاث التي تتعلق بعدد السكان …

اترك رد