Search
Close this search box.

في 18 آذار … “نحنا بدنا حريّة متل طيور البريّة”

في 18 آذار … “نحنا بدنا حريّة متل طيور البريّة”

هند المجلي

في 18 آذار 2011، كنت مع أقاربي في ريف درعا حيث كان يوماً ربيعياً بامتياز، حين اتصل بي صديق من اللاذقية وسألني عن درعا وأخبرني أن العربية أذاعت أن هناك إطلاق رصاص في درعا البلد. عدت ومن معي بسرعة الى درعا لمعرفة ما يجري، وفي طريقي الى هناك قابلت صديقة، وهي ابنة أحد المسؤولين في درعا فحدثتني عما يجري في درعا البلد من أحداث وأن أباها وكل المسؤولين يتواجدون الآن هناك، حيث يهتف متظاهرون على الجسر بإسقاط المحافظ وإسقاط عاطف نجيب. فانطلقت ومن معي باتجاه درعا البلد، رغم تحذيراتها، لأعرف حقيقة ما يجري هناك. وصلت بسرعة الى الطريق الصاعد باتجاه درعا البلد، ولفت نظري التواجد العسكري الكثيف والبواريد في الجزيرة المنصّفة وسط الشارعين، ورغم نظرات الاستنكار من العسكر لدخولي ذلك الشارع.. تابعت الصعود غير عابئة بهم، ووصلت الى الجامع العمري وقد تجمهر الناس حوله ولم يكن إلا الصمت الرهيب والوجوم، وعيون ملأها الغضب.وعدت الى درعا وسط ذلك الصمت والذهول، والذي كان هدوء ماقبل العاصفة. وفي ساحة البانوراما توقفنا عند بائع القهوة، الذي أخذ يخبرنا عن استشهاد حسام عياش ومحمود جوابرة إثر إطلاق الرصاص على المتظاهرين في درعا البلد وأخبرنا أيضاًأنه رأى  16 طيارة هيليوكبتر قد حطت في أرض الملعب وأنزلت عدداً كبيراً من عناصر الأمن المركزي، كان يحدثنا بخوف دون أن يرفع رأسه وهو منشغل بإعداد القهوة، كان مرعباً منظر عناصر الأمن وهم منتشرون في النادي الاجتماعي القريب من ساحة البانوراما.

 في اليوم التالي تم دفن الشهيدين وسط جو من الغضب والسخط على النظام وأزلامه القتلة، وشارك أغلب سكان درعا البلد والمحطة بتشييع الشهيدين وصولاً الى المقبرة وسط تشديدات أمنية، وفي هذا اليوم رسمت طريقي الجديد وخياري وقراري معلنة أن لا عودة عنه حتى يعلن الشعب نصره.

وبعد الأسبوع الدامي الأول في الثورة وبعد تحطيم التمثال في 25 آذار 2011 ومنذ يوم السبت 26 آذار2011 بدأت المظاهرات اليومية في ساحة السرايا، وتحدثت عبر مكبر الصوت وقدمت تحية أهل درعا الى اللاذقية التي هبّت في مظاهراتها في 25 آذار تضامناً مع درعا، كان العدد قليلاً والخطورة كبيرة في ذلك المكان وكنت المرأة الوحيدة بينهم …وتعرضت لكل ماتعرضوا له من قنابل مسيلة للدموع وهروب وتراكض حين وصول دوريات الأمن..وأصبحت تلك المظاهرة في ساحة السرايا دواماً نهارياً وفي المساء كان الاعتصام في ساحة جامع العمري …وكثيراً ما اتصلت بصديقاتي في دمشق من قلب المظاهرات لأسمعهن هتافاتنا وأصف لهن الأجواء الرائعة التي عشناها وأحدثهن أننا لن نتراجع بعد أن تنفسنا رائحة الحرية..وكن يستغربن ويتساءلن كيف أشارك كامرأة وكيف لا يعترض الرجال على ذلك في مجتمع درعا المحافظ وأنا امرأة وغير محجبة فأفكر معهن في ذلك الأمر ولا أرى إلا أنني كنت بين إخوة ورفاق لي وقد جمعتنا ثورة مقدسة وطاهرة..كنت أرى ترحيبهم بوجودي معهم واحترامهم وتقديرهم لي، وكم من مرة قام شيوخ من مقاعدهم في ساحة العمري ليجلسوني مكانهم، لن أنسى أبداً مظاهرة 8 نيسان وكنا وقتها في شارع الشيخ عبد العزيز أبازيد وأثناء انهمار قنابل الغازات المسيلة للدموع ولدى رؤيتي لأحد المتظاهرين وقد أوشك على الإغماء، ركضت باتجاهه لأناوله بصلة يستنشق رائحتها أو زجاجة كولا لأخفف من تأثير الغازات عليه..وقف أحد الرجال ولا أعرف إلا وجهه من مظاهرات السرايا، وقال بصوت عال..يا أصيلة …يا بنت الأصول..ونظر باتجاه الآخرين وأشاربيده علي…منذ اليوم الأول وهي معنا..حياها الله وبارك بها،  وكانت تلك الكلمات أجمل وسام أحصل عليه وأفتخر به، وابتدأ زخ الرصاص وتراكضنا واختبأنا في البيوت القريبة من ذلك الشارع.

استمرت مظاهراتنا اليومية واعتصامنا أمام العمري، وكثرت أعدادنا نساء ورجالاً في تلك المظاهرات، وأصبحت ساحة السرايا تعج يومياً بالمتظاهرين والمتظاهرات وأصبح الشهيد معن العودات يوكل الي مظاهرة النساء من طالبات الجامعات والمعاهد والثانويات حين تصل إلى الساحة، و في 17 نيسان 2011 جهزنا لافتات كتبناها بخط اليد أنا وصديقات من داعل وقمنا بلصقها على جدران وأعمدة بناء السرايا ووقفنا نحن نساء درعا في ساحة السرايا ساعتين من أجل أرواح الشهداء ثم كانت المظاهرة النسائية الأولى التي جابت شوارع درعا وهتفت للثورة والحرية والشهداء وسوريا. وكان من أجمل الهتافات..” نحنا بدنا حريّة …متل طيور البريّة ”. و ” ياسهير قولي لطل..الشعب السوري ما بينذل ” وعدنا للساحة لتلقي صبية من داعل خطاباً رائعاً أمام جميع المتظاهرين … وبعد عدة أيام تم اجتياح درعا بالدبابات وتم اعتقالي ونلت شرف أن أكون أول امرأة تعتقل في حوران.

كان استقبال أهل درعا لي نساء ورجالاً رائعاً لدى خروجي من المعتقل، وبعد ذلك كنت المرأة الوحيدة التي رشّحت للمشاركة في مؤتمر الإنقاذ، والمرأة الوحيدة التي شاركت الناشطين بالتخطيط لإحياء المظاهرات المدنية بعد اجتياح درعا من قبل قوات النظام، ونجحنا في اعتصام السيدات ليومين أمام بيت المحافظ والذي دعوت النساء له وكانت نتيجته أن تم إعلان قرار فك حظر التجول في درعا البلد والذي خنق أهلها في ذلك الحين. وأصبحت مشاركة النساء في المظاهرات عامة وروتينية ويومية، وأصبح للنساء دور كبير في العمل الإغاثي، وأوكلت إلينا مهمات كثيرة، كتأمين المواد الغذائية والألبسة والبطانيات والمواد الطبية والأدوية في مرحلة كانت فيها حركة النساء وتنقلاتهن أسهل وأقل خطراً من تنقلات الرجال، و رغم الأوضاع الخطيرة والحرجة في درعا كنا فعلاً شقائق الرجال، لنا ما لهم وعلينا ما عليهم. و في20 أيار 2012 كانت آخر مظاهرة نخرج بها نساء ورجالاً … مظاهرة “تحدي الموت … عدنا للساحات يا معن العودات”، والتي انطلقت في سوق الحامد مول بعد أن ألقت عدة نساء مناشير فيها هتافات الثورة في وسط السوق وسرعان ماتجمع الرجال والنساء في سوق الخضرة مرددين هتافات الثورة للحرية والكرامة ولسوريا دولة القانون تحت أنظار القنّاصة المنتشرين على أسطحة المباني القريبة والذين سرعان ما أطلقوا رصاصاتهم صوبنا وانفضّت تلك المظاهرة الرائعة بتراكضنا وهربنا وتبعثرنا.ولم يتبق لنا بعد ذلك الا مشاركاتنا في تشييع الشهداء والتي كانت مظاهرات عارمة في ساحات درعا البلد والتي شاركنا فيها أيضاً شباباً من الجيش الحر وكانوا قبل ذلك في الصفوف الأولى في مظاهراتنا السلمية المدنية.

وبدأ النظام بتدمير درعا بيوتاً وأرواحاً بعد أن توسعت المناطق التي أصبحت تحت سيطرة الجيش الحر وأطلق عليها المناطق المحررة، وكان لتجربتي في العيش فيها بعد خروجي من المعتقل للمرة الثانية أجمل المشاعر، فلا خوف ولا رعب من أن تداهمنا دوريات الأمن في بيوتنا وتحطم أشياءنا فوق رؤوسنا وتمعن في إذلالنا واعتقالنا..فيها ينتهي ذل الوقوف عند الحواجز تحت رحمة أوامر العناصر الأمنية، كانت القذائف والصواريخ التي تهطل علينا أكثر رحمة وأشد رأفة من رؤية الفروع الأمنية والدوريات والحواجز والاعتقال أو خوف الاعتقال، ولم أتعرض لشيء يزعجني كامرأة وغير محجبة ولو حتى بنظرة، تنقّلت بحريّة من مكان لآخر في درعا البلد وطريق السد، وقابلت أصدقاء وصديقات وزارتني الجارات وأقاربي هناك وزرتهم، وفرحت بطالباتي اللواتي درستهن ذات يوم حين وجدتهن متطوعات كممرضات في المشفى الميداني بدرعا، ومتطوعات يعملن في التعليم والدعم النفسي للأطفال إلى جانب عدد لا بأس به من النساء والرجال.

ثم كان سفر الخروج في 2 تشرين الثاني 2013 ومسيرة مهمات أخرى لا تساوي في قيمتها وأهميتها لحظة من وجودي على الأرض هناك مع أهلي وأصدقائي.

 خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »