Search
Close this search box.

كيف تحيّا المرأة السورية خلف سياج الحرب؟

كيف تحيّا المرأة السورية خلف سياج الحرب؟

بيسان سارة*

وحدها الريح تحمل مخلصةً جنازة العصافير، ووحدها أيضاً تحمل جنازة الفقراء في سوريا، هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم سجناء في الهواء الطلق المحمّل بغبار البارود والممزوج بعطر الدم، مكبّلة أيديهم بسلاسل من وطن، قرر اغتيالهم منذ تعاقبت على سدة الحكم فيه عائلة كان صغارها يحلبون الأبقار، فصار كبارها يحلبون الوطن. “هرموا”، نعم فحرب الأسد ثقيلة تنوء بها جبال، فيحملها الرجال على أكتافهم، وتصنع النساء من رحيق اللاشيء فيها ما يقي الأطفال عوز الجوع، بعدما دمرت طائرات الأسد جلّ أرزاقهم، وخلقت من جيل شبابهم جيلاً عاطلاً عن العمل، انتشر بعضه في بلاد اللجوء والاغتراب يعاني مايعاني، واقتسم بعضه الآخر تربية الأمل في أوقات الفراغ الكثيرة.

بموازة تلك الصورة القاتمة التي خلفتها حرب الأسد، كانت المرأة السورية قوس قزح الثورة، حيث انطلقت تلون بألوان الطيف ماأفسدته الحرب، فكانت الأم الثكلى التي نسجت من دموعها رداءاً يليق بدفء أبناءها بعد برد شديد، وكانت الرافعة الاقتصادية للكثير من العائلات، بابتداعها المشروعات المنزلية الصغيرة، وكانت رائدة العمل الإنساني الإغائي.

الحرب والاقتصاد ودور المرأة

خسر سوق العمل السوري بفعل حرب الأسد مايقرب من ثلاثة ملايين فرصة عمل، وهو مايؤكده الباحث الاقتصادي د.عماد الدين المصبح الذي قال “لشبكة المرأة السورية” إن حرب الأسد عملت على استنزاف موارد الدولة وتسخيرها في خدمة الحرب، وهو مايعرف بعسكرة الاقتصاد، فانكمشت ميزانية الدولة في مجالات الصحة والتعليم والصناعة والخدمات وسائر أوجه النشاط الاقتصادي، على حساب الارتفاع الكبير في ميزانية التسليح والعتاد الحربي ودفع أجور المرتزقة من الميلشيات التي يستقدمها النظام لقتل السوريين.

وأمام تلك الخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد السوري، كان على السوريين البحث عن مصادر جديدة لكسب العيش، خاصة بعد موجات النزوح الكبير التي عاشها الناس بين المدن السورية، فبرزت المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي كانت المرأة السورية إحدى رائداتها، على حسب وصف د. المصبح. أمام هذا الواقع الجديد فإن الحركة الاقتصادية للسوريين باتت تذهب باتجاه اقتصاد الظل، لجأت النساء القادرات على العمل إلى المشروعات الصغيرة والحرف اليدوية باحثات في طول البلاد وعرضها عن أسواق لتصريف المنتوجات، وتصف”ن .س ” وهي ناشطة عملت في الحقل الإغاثي هذه المشروعات بأنها كانت الحل الوحيد أمام بعض النساء في إيجاد مصدر دخل للعائلة، و أضافت “لشبكة المرأة السورية” عملت بعض المنظمات والفعاليات الأهلية على تعليم النساء اللواتي نزحن من بلدات الريف إلى المدن الكبرى، المهن اليدوية كالحياكة ومنسوجات البروكار والخياطة، وكان يجري تسويق المنتجات في أسواق لبنان وتركيا، كما نشطت مشروعات صغيرة أخرى، كالطبخ وصنع المربيات وكان الإنتاج يسوق بأسواق هذه المدن كدمشق مثلاً.

المرأة والنضال السياسي الجديد

بموازاة دور النساء الاقتصادي في الثورة السورية، كان على المرأة السورية أن تننفض إلى جانب الرجل ضد كل محاولات العنف الذي يمارسه النظام وتستنهض قيم المقاومة المدنية السلمية بكل الوسائل المتاحة. وقد حفل سجل الثورة بتأسيس العديد من المنظمات المدنية النسائية التي هبت للدفاع عن حقوق المرأة وتوثيق مختلف الانتهاكات الممارسة ضدها من نظام الأسد، وتؤكد الناشطة “أ. ن” من منظمة المرأة السورية أن المرأة في سورية عانت من هيمنة النظام الاستبدادي الذي اختزل دورها طيلة سنوات حكمه بمنظمة كرتونية هزيلة هي الاتحاد العام النسائي، الذي لا عمل له سوى التصفيق لتمجيد السلطة الحاكمة والأنجازات الوهمية في مجال حقوق المرأة. وتؤكد  “لشبكة المرأة السورية” على أن معظم المنظمات المدنية النسائية، التي ظهرت بعد الثورة السورية، انبثقت من رحم الحراك الثوري وانطلقت للدفاع عن تحرير المرأة وضمان حقوقها وتهيئة المناخ الملائم لمشاركتها الفاعلة في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية وازالة جميع اشكال التمييز ضدها. وتضيف أن تلك المنظمات تعمل على ربط النضال من أجل حقوق المرأة بالنضال الديمقراطي الشامل، وتمكين النساء والمساهمة في جهود الإغاثة وتوحيد الجهود النسائية لمناهضة العنف وتوثيق الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة من اعتقال وتشريد واغتصاب.

*صحفي سوري

خاص “شبكة المرأة السورية”

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »