Search
Close this search box.

المرأة اللآجئة بين إنتهاكات الحقوق ومعضلة الجندر/ د. نوال نورالدائم العجيمي

المرأة اللآجئة بين إنتهاكات الحقوق ومعضلة الجندر/ د. نوال نورالدائم العجيمي

يعتقد كثير ممن يتعرضون لما يهدد حياتهم وحرياتهم، أن الهروب إلى بلد آخر، هو السبيل الوحيد للحصول على الأمان. لذا فهم يفرون لأسباب عديدة، منها: الاضطهاد والقمع والإنتهاكات السافرة لحقوق الإنسان والتي قد تحدث أثناء الحروب أو الصراعات المسلحة أو حتى في حالات السلم. ولكي يصبح شخص ما لآجئا [1] ويحصل على الحماية، عليه عبور حدود دولية. ويجد ما يزيد على 21 مليون شخص على مستوى العالم، وفقاً لإحصائيات مفوضية اللآجئين لعام 2009، أنفسهم في هذا الموقف. والغالبية العظمى من هذا العدد يفرون من بلدان فقيرة ويلجأون إلى بلدان أكثر فقراً. حيث تأتي قارة إفريقيا في المرتبة الأولى بين قارات العالم من حيث عدد اللآجئين، إذ يبلغ عددهم حوالي 7 ملآيين لآجئ غالبيتهم من النساء والأطفال.

من السهل التفكير في اللآجئين على أنهم رجال، كما هو الحال في أغلب تدفقات اللآجئين الأفراد في بلدان العالم الصناعي، حيث ينظر إليهم على أنهم “ذكور ولديهم المال والقدرة على الحركة”. بيد أن غالبية اللآجئين، وبالأخص في الدول النامية هم من النساء والأطفال. وتشكل النساء والأطفال 80% من ملايين اللآجئين علي مستوى العالم.

تعتبر النساء دائماً تابعات للرجال في اللجوء، كما وأن هناك تقدير خاطئ في أن الاضطهاد واللجوء يعمم على الجنس من غير تحديد للنوع. إن تجربة النساء، أي أسباب وظروف اللجوء المرتبطة بالنساء، تختلف عن تجربة الرجال، كما أن آثار اللجوء على النساء والفتيات تختلف عن آثارها على الرجال والصبية ولا يمكن الإفتراض بأن مشاكلهم واحتياجاتهم متطابقة.

يستمر اللآجئون عامة في العرض للعديد من إنتهاكات حقوق الإنسان، خلال جميع مراحل اللجوء. ويمكن التسليم جدلاً بأن اللآجئين يكونون في أشدّ حالآت الاستضعاف أثناء مرحلة الفرار عندما يلتمسون الملاذ الآمن. وقد تستمر حتى بعد الوصول إلى بلد اللجوء.

وفي هذه الأوقات العصيبة، تكون النساء معرضات بصورة خاصة للمخاطر، وذلك بسبب وضعهن الاجتماعي بالإضافة إلي جنسهن. فغالباً ما يكنّ عرضة للعنف الجنسي والإعتداء الجنسي والاستغلال في سبيل الحصول على حق المرور أو الوصول إلى الملجأ. كما أن هذا هو الوقت الذي قد ينفصل فيه أفراد الأسرة عن بعضهم البعض. وكثيراً ما تجد النساء أنفسهن أمام مسئوليات جديدة وكبيرة وقد يضطلعن بأدوار جديدة ومسؤوليات إضافية بوصفهن لآجئات كإعالة أسرهن، وتلبية احتياجاتهم. فالرجال أو الذكور في تلك الأسر إمّا أن ينضموا إلى الجماعات المتحاربة وإمّا يقعون في الأسر. وتواجه النساء مطالب جديدة في سبيل إعالة أنفسهن وإعالة أطفالهن وكبار السنّ من الأقارب، وتتزايد الأعباء الملقاة على عاتقهن مع تضاؤل فرصة الانتفاع بالخدمات، وفضلاً عن ذلك فإن الصراع وإنهيار القانون والنظام في كثير من البلدان يجعل النساء والفتيات معرضات لتزايد خطر الإغتصاب.

لمّا كانت أوضاع اللآجئين قد تُعرّض النساء والفتيات لسلسلة أوسع من مخاطر إنتهاكات حقوق الإنسان، فإنهن يحجن إلى حماية إضافية بسبب تعرضهن للاستضعاف في كل مراحل اللجوء المختلفة. هذا يؤكد أهمية تسليط الضوء على الإنتهاكات العديدة التي تتعرض لها المرأة اللآجئة خلال المراحل المختلفة في تجربة اللجوء وذلك من أجل منع هذه الإنتهاكات ووضع ما يناسبها من التدابير والإجراءآت التي تضمن حفظ حقوق اللآجئات مع مراعاة نوع الجنس [2].

الإنتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء مراحل اللجوء

إن هناك أشكال متعددة من الظلم والاضطهاد الذي تتعرض له النساء بسبب النوع لمجرد كونهن نساء، كالعنف الجنسي والاغتصاب المنظم، والإكراه على البغاء وغيره. إن الظلم والاضطهاد الواقع على النساء لأنهن نساء، والذي يضطرهن في أغلب الأحيان لترك مواطنهن، يستمر في الغالب حتى في بلد اللجوء. وهنا لا بد من الأخذ في الإعتبارالأفعال التي تحدث قبل الفرار أي في بلد المنشأ، وأثناء الفرار، وأثناء البقاء في بلد اللجوء، أو بعد أن تجد اللآجئة حلاً لمحنتها.

.1 في بلد المنشأ

في كثير من بلدان العالم تتعرض النساء للتمييز الشديد، وتتعرض حقوقهن غالباً للعديد من الإنتهاكات. فيمارس التمييز ضدهن بأشكال مختلفة، فلا يتمكنّ من المشاركة الكاملة في المجتمع ما لم يمثلّهن الرجال. وقد يحرمن من الميراث واختيار الزوج، وقد يمنعن من التعليم أو اللعب أو حتى الحصول على الطعام نفسه مثل أشقائهن في الأسرة، بل وممارسة التمييز ضدهن، تعد أيضاً أحد أشكال العنف القائم من حيث الجنس [3]. إن أعمال العنف ضد النساء [4] تعدّ من أخطر الإنتهاكات، وهي تشمل، العنف البدني والجنسي والنفسي الذي يحدث داخل الأسرة، بما في ذلك الضرب العنيف المتكرر، والإعتداء الجنسي علي الأطفال الإناث داخل الأسرة، والزيجات القسرية لصغار الفتيات، والإغتصاب الزوجي وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث)، وغيرها من الممارسات التقليدية الضارة بالنساء. وقد يحدث هذا العنف داخل المجتمع العام،على سبيل المثال الإغتصاب، الإعتداء الجنسي، التحرش والتهديد الجنسي في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية وغيرها من الأماكن والإتجار بالنساء، والإكراه على ممارسة البغاء. إضافة لذلك يشمل العنف ضد النساء، العنف الجسدي والجنسي والنفسي، الذي ترتكبه الدولة ومؤسساتها أو تتغاضى عنه أينما وحينما يقع. وتبيّن الإحصائيات أن إمرأة من كل ثلاث على الأقل من سكان العالم من الإناث تتعرض للإعتداء الجسدي أو الجنسي في بعض مراحل حياتها. ويتعرض العديد منهن، بما فيهن الحوامل والفتيات الصغيرات، لإعتداءات شديدة أو مستمرة أو متكررة. ونجد في بعض البلاد أن الفتيات قد يتعرضن لإنتهاكات حقوق الإنسان مثل التجنيد العسكري، والعمل الإجباري (السخرة)، واستغلال الفتيات فى المصنفات الإباحية. وتشير التقديرات إلى أن العنف ضد النساء على مستوى العالم يُعدّ سبباً حقيقياً للوفاة والعجز بين النساء في سن الإنجاب. ووفقاً لدراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية العام 2007، تبين أن هناك عنف جسدي أو لفظي حدث للنساء في كل من يوغندا ونيكاراغوا.

يكون العنف ضد النساء في كثير من المجتمعات مقبولاً اجتماعيا أو يحدث بموافقة الدولة التي قد لا تتخذ أي إجراء لمنع هذا النوع من العنف أو معاقبة مرتكبه. وقد يكون العنف لأسباب ثقافية أو سياسية. وتعد القوانين، في العديد من البلدان، غير كافية لحماية الفتيات والنساء من الاستغلال والإعتداء الجنسيين.

.2 فى الطريق إلى الملجأ

فى عدد من البلدان، لا يسمح للنساء، بالسفر لوحدهن، ولذلك فإنهن غالباً ما يعتمدن، أثناء فرارهن على نساء أو رجال آخرين يرافقوهن أو يقومون بدور الوصي عليهن. وقد تضطر النساء فى هذا الوضع إلى تقديم خدمات جنسية للرجال مقابل الحماية، أو الطعام لهن ولأطفالهن، أو القيام بالإجراءآت الرسمية لهن عند وصولهن إلى بلد اللجوء، وفي مثل هذا الوضع يزداد خطر تعرضهن للإغتصاب.

3. في مخيمات اللآجئين

إن كثيراً من النساء في مخيمات اللآجئين يتعرضن للعنف والإغتصاب. وقد أثبتت كثير من الدراسات أن كثيراً من النساء يتعرضن لخطر متزايد بإجبارهن على ممارسة الجنس من أجل الحصول على الطعام والمأوى، حيث يستبعدن من عمليات توزيع الأغذية، التي يسيء استخدامها الرجال، بالرغم من أنهن مسؤولات عن الأطفال وكبار السن. قد يؤدي هذا وعدم تأمين فرص اقتصادية للنساء اللآجئات إلى المتاجرة بالجسد والاستغلال الجنسي باعتبار ذلك أحد الخيارات القليلة المتاحة لإدرار الدخل اللآزم لتلبية الاحتياجات الأساسية، ولإنعدام الخصوصية في بيئات المخيمات تتعرّض اللآجئات لكثير من المخاطر.

4. فى بلد اللجوء

في أغلب الأحيان، تتعرض كثير من النساء في مراكز الاستقبال أو الإحتجاز في بلد اللجوء للتمييز، ويحرمن من الحصول على كثير من الخدمات مثل المأوى، والملبس، والخدمات الصحية والتعليم، وقد لا يحصلن على خدمات وإجراءات صحيحة. وتعانى كثير من النساء من الإعتداء أو العنف الجنسي كمقابل للجوئهن أو لخدمات أخرى. وبالنسبة لفرص اللجوء، فإن النساء لا يمنحن فرصاً مساوية للتي تمنح للرجال فى تقديم طلبات لجوئهن أثناء إجراءآت تحديد وضع اللآجئ. وفى حالآت كثيرة لا تعطى النساء فرصة لتقديم طلباتهن بمعزل عن أفراد الأسرة من الذكور والقيام بإجراءآت اللجوء. كما أنه وفي أغلب الأحيان لا ينظر إلى طلبات لجوئهن بطريقة تراعي نوع الجنس والأسباب الخاصة التي دفعت بهن إلى اللجوء. وحتى لو سمح لهن بالحديث، فغالباً ما يقوم الذكور بإجراءآت تحديد وضع اللآجئ، مما يخلق وضعاً يصعب معه على بعض النساء الحديث بصراحة مع من يجري معهن الحديث من الذكور، أو عن طريق مترجم من الذكور، خاصة إذا كانت بعض جوانب طلباتهن للجوء تشمل العنف الجنسي أو مسائل تمس الشرف.

بعد الخروج من مراكز الاستقبال، يكون من الصعب على النساء اللآجئات التمتع بأدنى حقوقهن بما في ذلك حقهن في الحصول على مستوى مناسب من المعيشة، والحقّ في مستوى مناسب من الخدمات. وكذلك الحق في التعليم والحق في العمل. إضافة لذلك تواجه كثير من النساء صعوبة أكبر في الحصول علي سبل العيش المستقل.

كثيراً ما تتعرض النساء والفتيات لخطر الإتجار بهنّ وخطر الإعتداء عليهن من جانب السماسرة وغيرهم ممن يسعون لاستغلالهن في أغراض الدعارة. ومن المعروف أن النساء اللائي يجرى الإتجار بهن واللائي يتم إكراههن على الدعارة يتعرضن إلى التهميش، ويتعرضن على وجه الخصوص للعنف. وقد تكون هناك أسباب قوية للإعتقاد بأن حياتهن وسلامتهن ستكون في خطر وخاصة إذا أجبرن على العودة إلى بلد المنشأ، فهؤلاء النسوة يصبحن أكثر حاجة إلى الحماية القانونية.

التدابير والإجراءآت لحماية اللآجئات من إنتهاكات الحقوق

– إن إتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951(إتفاقية اللآجئين) والمتعلقة بوضع اللآجئين وكذلك إتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 والتي تحكم المسائل الخاصة باللآجئين في إفريقيا لا تشير إلي النوع على أنه أحد الحيثيات التي يمكن على أساسها إعتبار الفرد لآجئاً ومن ثََم تقديم الحماية اللازمة له. إن تعريف اللآجئ في هذه الإتفاقيات يعمم الاضطهاد على الجنس من غير تحديد للنوع فيه. فهذه الإتفاقيات لم تتناول صراحة أعمال الاضطهاد المتعلقة بنوع الجنس. فهناك أشكال متعددة من الاضطهاد ضد المرأة لمجرد أنها إمرأة أي بسبب النوع. وهذا ما يعد من وجهة نظر الكثيرين أساساً لتهميش المرأة، وهو ما حدا بالبعض للدعوة إلى إعادة صياغة تعريف اللآجئ في هذه الإتفاقيات لإدراج مفهوم نوع الجنس، جنباً إلى جنب مع العنصر والجنسية والديانة والفئة الإجتماعية والرأي السياسي.

– ينبغي على الدول والمنظمات الدولية أن تُضمّن منظور نوع الجنس في سياساتها وبرامجها حتى يمكن للآجئين وملتمسي اللجوء التمتع بكل حقوقهم. كما يجب علي الدول التي تستضيف نساء من ملتمسات اللجوء، أن تعاملهن وفقاً للمعايير الدولية. ولذلك فإنه يتعين علي الدول الأطراف في صكوك حقوق الإنسان إتخاذ كافة التدابير المناسبة لحماية النساء اللآجئات وملتمسات اللجوء من إنتهاكات حقوقهن وتجنب التمييز ضدهن. ويجب على الدول إلغاء أية حواجز قانونية وإجتماعية قد تمنع النساء أو تثنيهن عن ممارسة حقوقهن القانونية، الاقتصادية، الإجتماعية والثقافية على قدم المساواة مع الرجال. وإذا ما قامت احدى الدول بتوفير السلع أو الخدمات للوفاء بهذه الحقوق، فإنها يجب أن تقوم بهذا دون تمييز بين الرجال والنساء من اللآجئين. من أجل أخذ الإحتياجات الخاصة للنساء اللآجئات في الحسبان ينبغي أن تتاح لجميع من يتخذون القرارات الخاصة بوضع اللآجئين فرص الحصول على المعلومات المتعلقة بأحوال حقوق الإنسان والأدوار الإجتماعية التي تؤثر على النساء في بلد المنشأ. وبتعبير آخر، فإن المعايير الإجتماعية والثقافية والتقليدية والدينية والقوانين التي تؤثر على النساء في بلد المنشأ ينبغي تقييمها بالمقارنة بصكوك حقوق الإنسان التي توفر إطارًا للمعايير الدولية من أجل تحديد إحتياجات الحماية للنساء.

– ويجب على الدول الأطراف في إتفاقيات حقوق الإنسان إتخاذ كافة التدابير الضرورية للقضاء على الحواجز الثقافية المتعلقة بنوع الجنس. وقد يتطلب ذلك مثلاً توفير أشخاص من النساء يقمن بإجراء المقابلات والترجمة وذلك لتقليص العقبات الثقافية المتصلة بنوع الجنس، حيث إن النساء قد يشعرن بالخجل عند مناقشة تفاصيل دعاواهن مع المسئولين من الذكور خاصة إذا كن من ضحايا العنف الجنسي. كذلك يجب التأكيد على أن ملتمسات اللجوء واللآجئات يمكن أن يحصلن على وثائق إثبات هوية شخصية مستقلة عن أقاربهن من الذكور وبأسمائهن الشخصية. كذلك يتعين على الدول الأطراف أن تمتنع عن إعادة أي إمرأة إلى بلد قد تكون هناك أسباب قوية للإعتقاد بأنها ستتعرض فيه للتعذيب أو غيره من سوء المعاملة.

المراجع:

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللآجئين (2006 ): حقوق الإنسان وحماية اللآجئين،جنيف، سويسرا.

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللآجئين(2004 ): دليل الإجراءآت والمعايير لتحديد وضع اللآجئ جنيف، سويسرا.

د. نوال نورالدائم العجيمى (2005 ): تحليل مصير إمرأة لآجئة – وضع المرأة اللآجئة في إفريقيا: حالة دراسة السودان، رسالة دكتوراه جامعة اولدنبورج، ألمانيا

*الدكتورة: نوال نورالدائم العجيمى

أستاذة جامعية وباحثة في قضايا حقوق الإنسان ( نظريات وسياسات الهجرة واللجوء، دراسات المرأة والنوع، الحروب والسلام، حقوق المرأة والطفل في الإتفاقيات الدولية)، جامعة اولدنبورج، ألمانيا، جامعة الخرطوم، جامعة إفريقيا،

السودان وتنشر أبحاثها في مجلة سنار اللندنية

نشر  في سودانيل يوم 25 – 10 – 2010

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »