Slider
قوائم

ورشات شمس … الورشة (1) رحاب شاكر

تقيم شيكة المرأة السورية سلسلة من اللقاءات الدورية تحت عنوان ورشات شمس، تستقبل فيها كل مرة عضو/ة من أعضاء الشبكة للحديث عن نشاطاتهم أو نشاطات المنظمة التي ينتمون إليها.

في الورشة الأولى من ورشات شمس لعام 2018، كان لقاءنا مع الزميلة رحاب شاكر:

رحاب أم لطفل واحد، تسكن في هولندا التي هاجرت إليها مع عائلتها وهي في سن الخامسة عشرة.

حصلت في 2009 على ماجستير في دراسات اللغات والحضارات السامية/ قسم عربي، من جامعة أمستردام.

تعاونت لمدة ثلاث سنوات مع لجنة دعم الثورة من هولندا.

عضوة في شبكة المرأة السورية.

مجال الاهتمام: اللغة والأدب والنسوية وحقوق الإنسان وسوريا وهولندا. قدمت لنا ترجمة “نزق المرأة” التحفة التي صدرت منذ نصف قرن والتي كانت الطلقة الأولى في الموجة النسوية الثانية التي عمّت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. هذه المقالة فيها الكثيرمن الأفكار الجميلة. رابط المقالة على موقع الجمهورية:

https://www.aljumhuriya.net/ar/content/%D9%86%D8%B2%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9

تنقسم ورشة اليوم إلى قسمين، سنبدأ بطرح تساؤلاتنا حول مقال “نزق المرأة”، والقسم الثاني سيدور حول حلقة القراءة باللغة العربية التي أنشأتها وماتزال مستمرة في هولندا.

الورشة عبارة عن نقاش دار على صفحة الفيس بوك المغلقة للشبكة، بتاريخ 27-01-2018

من الساعة 20 إلى 22 تقريباً بتوقيت أوروبا

القسم الأول: نزق المرأة

رحاب شاكر: بالنسبة لنص نزق المرأة، يعتبر هذا النص أحد أهم النصوص الهولندية التي كتبت في القرن العشرين وكان له تأثيراً كبيراً. طبعاً كان ثمة نساء ورجال يكتبون في ستينيات القرن الماضي عن المرأة، ولكن تلك النصوص الجيدة لم تأخذ نفس الصدى، والسبب الأهم هو أن كاتبة “نزق المرأة” وضعت نفسها وحياتها ضمن المنظور، اعترفت أنها هي أيضاً جزء من قطيع التنظيف (النساء) الذي يحكي عنه الباحثون. كتابتها اختلفت عن الكتابة الحِرَفية والباردة التي كانت منتشرة في ذلك العصر حول المرأة. حتى النساء اللواتي كتبن عن المرأة، كتبن عن المرأة الآخر، كأنهن لسن جزءاً من المشكلة، كأنهن متحررات ولايعانين مثل النساء الأخريات. أضف إلى أن يوكه سميت أكدت على البعد الاجتماعي واعترفت بإهمال الجوانب الأخرى. التركيز على الجانب الاجتماعي يجعل الحلول بمتناول اليد، مبدئياً، ولا يجعلها أمور ميتافيزيقية أو بيولوجية غير قابلة للتغيير. تركيزها على الجانب الاجتماعي سهّل من تسييس قضية المرأة. بعد صدور هذه المقالة، وبالرغم من أنها لم تأخذ حقها في الإعلام، توجهت سيدات كثيرات (غالباً الطبقة الوسطى) إلى المكتبات لقراءة هذه المقالة بالذات. كانت تعبر عنهن وتشعرهن أنهن “لسن مجنونات”، فهناك سيدة في مكان ما تقول مابداخلهن وتعاني من نفس الشيء. كمية الردود التي تلقتها الكاتبة جعلها تفكر بإنشاء جمعية أسمتها: مجتمع الرجل والمرأة، وكان هدفها ضم المرأة للمجتمع الخارجي وحث الرجل على المشاركة في المنزل. لم تكن الجمعية ثورة قلبت الموازين مرة واحدة، بل كانت بداية لمشوار طويل. وعانت النسويات الكثير من التيار ضد النسوي ولكنهن اعتبرن وجود هذا التيار يعني أنهن على المسار الصحيح، فعملهن بكل تأكيد يسبب القلق عند ممانعي التغيير. ظهرت في تلك الفترة تيارات نسوية كثيرة، لها برامج مختلفة، بيد أن جمعية مجتمع الرجل والمرأة، التي تضم نسبة من الرجال، كانت ترى أن التغيرات يجب أن تتم عن طريق البرلمان والسياسة. وكانت هناك تيارات أكثر ثورية تريد تحقيق الاشتراكية أولاً. لم تكن يوكه سميث تؤمن بأن الاشتراكية ستعطي المرأة حقوقها، لأنها لاتعترف بكونها طبقة مضطهدة أصلاً. كتبت يوكه مقالات جميلة طرحت فيها أفكار مختلفة، من أهمها المقارنة التي أقامتها بين وضع النساء ووضع الأقليات الأخرى، كاليهود والزنوج. المرأة برأيها تملك الصفات التي يتمتع بها أبناء الأقليات الأخرى: منها عدم الإحساس بالقيمة الكاملة، الحاجة إلى تقدير الرجل ورضاه لإثبات ذاتها، عدم القدرة على التكتل مع النساء الأخريات والمنافسة مع المرأة وليس مع الرجل… إلخ.

أحببتُ يوكه سميت كثيراً وهناك الكثير أقوله عنها ولكني أكتفي إلى هذا الحد.

تينا أبزاغ: أود أن أشكرك على ترجمة هذا النص حقاً، وعندي تعليق حول تعبير (قطيع التنظيف) الذي ورد في النص. في الحقيقة هذه الجملة شغلت فكري كثيراً. كوني في الفترة الأخيرة فكرت فيها وراقبت ودرست وضع المرأة المغتربة في سوق العمل في المدينة التي أقطن فيها وفي القطاع الذي أعمل فيه في الوقت الحاضر. ولقد كنت في معرض نقد للمرأة، وأقولها بصراحة لكل العاملات اللواتي التقيت بهن أن يتخلين عن مرض التنظيف في العمل، فهذه الصورة التي يرسمنها عن المرأة المغتربة والشرقية خصوصاً، ألا وهي الاهتمام المبالغ في موضوع النظافة، فخطرت ببالي جملة الكاتبة هذه. السيدات هنا بات يطلق عليهن لقب “سيدات الكلور”، إلى درجة أني بت أقترح عليهن أن يؤسسن شركة تنظيف لأن هذا ما يفكرن به وينجحن به على أكمل وجه، وكثيراً مايثير حنقي وغضبي في العمل وأنوه له مراراً دون فائدة.

رحاب شاكر: نعم. والمشكلة أننا نتنافس فيما بيننا ونحاكم بعضنا البعض أيضاً على دقة التنظيف.

تينا أبزاغ:  أود أن أسال ماالذي تغير في هولندا بعد هذا المقال؟

رحاب شاكر: هناك أمور كثيرة تغيرت. المرأة المتزوجة صارت كاملة الأهلية من الناحية القانونية. أما الذي لم يتغير بعد فهو تقسيم ساعات العمل داخل الأسرة وفي المجتمع بين المرأة والرجل. مازالت المرأة تقضي معظم وقتها مع الأطفال الصغار في المنزل. كانت يوكه سميت تطالب بيوم عمل من خمس ساعات للجميع، أي للرجل والمرأة على حد السواء، بحيث تتمكن المرأة من العمل خارج المنزل من دون التقصير تجاه أسرتها، ويواصل الرجل عمله خارج المنزل مع إتاحة الوقت لتواجده داخل الأسرة. كانت ترى أنه من حق الرجل أن يقضي وقتاً مع أسرته. كان هذا من أهم مطالبها، ولم يتحقق حتى الآن. مازال يوم العمل حتى يومنا هذا هو ثماني ساعات أو أكثر للرجل، وبضعة ساعات في الأسبوع لغالبية الأمهات. تعتبر المرأة الهولندية من النساء الكسولات مقارنة مع نساء البلدان المجاورة وارتباطها بالمنزل أكبر.

تينا أبزاغ: أظن السويد قطعت شوطاً أبعد قليلاً من هولندا بخصوص هذا الموضوع، ولكن تبقى مشكلة عمل المرأة داخل وخارج البيت قائمة.

رحاب: نعم الفرق الأهم بين السويد وهولندا هو أن السويد تمول حضانة الأطفال، أما هولندا فلا. وعندما ترى المرأة الهولندية أنها ستعمل طوال اليوم خارج المنزل ويذهب راتبها إلى الحضانة، تختار أن تجلس في البيت مع الأطفال.

تينا أبزاغ: ربما يجب المطالبة بتخفيض أجور الحضانات.

رحاب: أي التمويل الجزئي من قبل الدولة. من زمان لم تتشكل حكومة يسارية عندنا. هذه مطالب يسارية.

فضيلة الشامي: هذا المقال حكى عني شخصياً أو هكذا أنا شعرت. أنا أنتمي لمجموعة قطيع التنظيف. وعندما تقارنان بين هولندا و السويد أشعر بالأسى بالنسبة لإسبانيا. الآن القوانين العمالية لا تشمل بعضاً من حقوق المربية أو العاملة بالتنظيف.

رحاب: حتى يوكه سميت لم تستثن نفسها من قطيع التنظيف يا فضيلة.

سوزان خواتمي: وفق مقال (نزق المرأة) جاء الحديث عن الفجوة المعرفية بين الحقوق والواجبات، ماالذي يردم هذه الفجوة وفق النظر إلى تجربة هولندا أو أوروبا بشكل عام؟ هل هو واجب مؤسسات المجتمع المدني، أم الدولة، أم الحراك النسوي؟ وهنا أحب أن أنوه إلى التطورات الأخيرة في وضع المرأة داخل المملكة العربية السعودية.

رحاب: سؤال صعب يا سوزان. يبدو لي حسب قراءاتي أن الموجة النسوية الأولى كانت نابعة من نساء وبعض الرجال النسويين الذين تحدوا المجتمع الذكوري وطالبوا بحق التصويت للمرأة. أي أن المبادرة جاءت من قبل الحراك النسوي الذي يقع على هامش المجتمع وخارج الدولة، ويقال أن الناس كانت تنظر للنسويات في ذلك العصر على أنهن مخلوقات غريبة. واعتقدت النساء أنه بنيل حق التصويت ستحل كل مشاكل المرأة، ولكن التاريخ أثبت العكس وكانت الحاجة إلى الموجة النسوية الثانية. إذن برأيي الحراك النسوي لاغنى عنه وضروري لتحريك الساكن، ومَن غير المرأة يهمها وضع المرأة؟ ترى يوكه سميت أن التغيير يتم عبر السياسة والبرلمان، والمشوار الذي بدأته بتأسيس جمعية مجتمع المرأة والرجل كان طويلاً ولم ينته حتى الآن. نجحت النسويات بإدخال بند صريح على الدستوريضمن المساواة بين المرأة والرجل على كل الأصعدة. ومن أجل صيانة الدستور والتعامل معه كروح وليس كحرف ميت، لابد من دولة متينة تحترم نفسها وهذا طريق لم تبدأه السعودية بعد.

أسامة عاشور: تقول يوكه سميت (علاقة المجتمع مع الرجل واضحة، وعلاقة المرأة غير واضحة). لأن الأسرة أمر عرضي بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للمرأة فهو هدف حياتها. والسؤال هل الثبات النسبي للبنى الجنسانية يرجح أنها طبيعية وليست اجتماعية؟ وعليه هل يرى المجتمع كل تحرك نسوي من أجل حقوق المرأة محاولة لتغيير الوضع الطبيعي وبالتالي خاطئ ومدان؟

رحاب: سأحاول أن أجيب من خلال قراءتي ليوكه سميت. برأيها توزيع الأدوار الإجتماعية بين الجنسين هو لأسباب اجتماعية، ولم يثبت حتى الآن عكس ذلك. عملية الولادة هي الفرق البيولوجي الوحيد بين المرأة والرجل، وبما أن الولادة كلها على بعضها لا تستغرق منها سوى بضعة ساعات فمن الممكن التغاضي عن هذه الفروق. أعتقد أن يوكه تعي أن طرحها جذري وقد لا يتم استيعابه بسهولة، ولكن جذريتها هي مكمن قوتها في نفس الوقت.

بالنسبة للشق الثاني من سؤالك: يوكه ترى أن النسوية حركة ديمقراطية تسعى للمساواة الإجتماعية بين الجنسين. استعارت مصطلح الديمقراطية من الحركة الطلابية وهو مصطلح كان في أوج انتشاره ذلك الوقت واستخدمته من أجل تسييس مطالبها النسوية، ويعتبر هذا حركة ذكية منها لفتح المجال أمام النسوية. النسوية مرفوضة من قبل المجتمع لأنه لا يرى أنها جاءت من أجل دمقرطة المجتمع، وإنما من أجل إفساد الأنوثة وإبطال الذكورة. ولكنها ردت عليهم بالديمقراطية!!!

أسامة عاشور: كيف سيتم التعامل مع علوم الأحياء وعلم النفس اللذين يفترض أنهما حياديان وموضوعيان عندما ينحازان ضد المرأة؟

رحاب: أعتقد أن الحل هو أن تشارك النساء النسويات بصياغة هذه العلوم. طالما كل الأطباء رجال وكل علماء النفس رجال، من الذي سيهتم مافي دواخل المرأة؟ علم النفس من العلوم الإنسانية المتأثرة بصاحب العلم، من غير الممكن عدم الربط بين هذا وذاك. حتى علوم الأحياء التي تبدو حيادية هي في الحقيقة علوم تنطلق من جسد الرجل. الأدوية وتشخيص المرض وطريقة علاجه تلائم جسد الرجل. وغالباً ماتتلقى المرأة العلاج الذي لايتماشى مع تفاصيل تكوينها. مهمة تأنيث العلوم مازالت في مراحلها الأولى والمشوار برأيي طويل وأهم سبب لتأخره هو حياديتها المزعومة.

أسامة عاشور: لماذا فقط 16 بالمئة من النساء كن يستعملن حبوب منع الحمل التي اعتبرتها الكاتبة محرر للمرأة؟ وال 71 % من الأطباء الذين يرفضون عمليات الإجهاض إذا طلبت المرأة ذلك؟

رحاب: بالنسبة للنسبة القليلة التي تستخدم الحبوب، أعتقد لأن الكثير من النساء في سن الحمل يرغبن بالحمل فعلا، وهناك النساء غير المتزوجات أو السيدات اللواتي لا يحملن (المسنات مثلا).. حجم الأسر الهولندية في ذلك العصر كان يشبه حجم العوائل السورية تقريبا. وهناك العامل الديني: هناك مسيحيين يرون أن منع الحمل حرام، وأن الطريقة الوحيدة المسموح بها لمنع الحمل هي الطريقة الطبيعية..

أستغرب أحياناً كيف كانت إحدى قريباتي المتزوجات في سوريا تستخدم الإجهاض كحبة منع حمل، وكيف أن عملية الإجهاض هنا عويصة ومحاطة بالبروتوكولات. أصل المشكلة هي أن الأحزاب المسيحية ترى أن الإجهاض هو قتل للجنين ومازالت حتى الآن تريد إرجاع العجلة إلى الوراء، أما الأحزاب الليبرالية فتريد أن تتخلص من فترة التفكير (عدة أيام) التي يجب أخذها بعين الاعتبار قبل الاجهاض. ويرون أن هذا أقرب إلى اعتبار المرأة غير قادرة على اتخاذ القرار السليم.

أسامة عاشور: هل من المجدي انخراط النساء في التنظيمات السياسية التقليدية غير الحساسة للجندر ولاتملك رؤية عن التمييز ضد المرأة وتنظر إلى قضايا تحرر المرأة وحقوقها على أنه تحصيل حاصل لتحرير الأوطان والرجال أولاً؟

رحاب: كانت يوكه سميت في بداياتها تشجع على التغلغل في الأحزاب السياسية بشكل عام، ولكنها خبرت بنفسها أن هذه الأحزاب ببرامجها وأخلاقيات أعضائها الذكور طاردة للمرأة. وفي نهاية حياتها طورت فكرة أن يكون هناك حزب للنساء، لامانع أن ينضم إليه نسبة من الرجال، ولكن أن يكون بشكل عام حزب نسائي يرفع أهداف النسوية عالياً، على أمل أن يكون هذا الأمر مؤقتاً، ريثما تصبح السياسة جاهزة للتواجد النسائي، وتصبح المناصفة ممكنة، فطالما أن عدد النساء في الحزب الواحد يعد على الأصابع، لن تصل هؤلاء النسوة إلى شيء. وصارت أيضاً لاتحبذ أن تصرف المرأة جلّ طاقتها في مسائل سياسية عامة وتهمل القضية النسوية، لأنها بذلك تقوم بتمكين نظام السلطة الحالي الأعوج. أي أن يوكه مع الزمن، وتحت ضغط معطيات السياسة العملية، تحولت من مبدأ التغلغل إلى مبدأ المواجهة. وأنا أراها محقة إلى حد ما، فشخصياً لاتشدني ملاعب العمل السياسي، وأحد الأسباب هو السيطرة التامة للذكور عليه.

أمل العلي: هل فعلاً بالإمكان إسقاط تجارب تطور المراة في هولندا أو باقي الدول الغربية على المرأة العربية التي لا تواجه فقط العادات والتقاليد والتربية، بل تواجه نصوصاً دينية مقدسة في عقلها وعقل المجتمع المحيط بها؟

رحاب: سؤال مهم جداً يا أمل. أحد أهم أسباب حماستي لترجمة نصوص هولندية هي أني أعتقد أن خطاب المرأة بحاجة لانتشاله من أيادي رجال الدين والنصوص. برأيي أننا بحاجة إلى طرح موضوع المرأة بطريقة غير دينية. يقول نصر حامد أبو زيد، وأوافقه تماماً، بأن علينا ألا نتنازل ونخضع لإرادة رجال الدين وغيرهم بتحويل قضية المرأة إلى مسألة تأويل نصوص، لأن القضية هي قضية اجتماعية أولاً وآخراً، وأي محاولة لإخراجها من الإطار الاجتماعي ووضعها ضمن الميتافيزيقيات هي محاولة لمصادرة خطاب المرأة و تزييفه (من كتابه دوائر الخوف). أنا أوافقه الرأي، أضف يا أمل أن هناك عدداً كبيراً من السوريين العلمانيين وآخرين من غير المسلمين أصلاً والذين لايحتاجون للنصوص الدينية لهندسة حياتهم. أنا واحدة منهم. فلماذا علي أن أناقش دائما موضوع الحجاب إذا كان لايعنيني؟ برأيي نحتاج لتوسيع الرؤية النسوية وطرح بدائل علمانية للخطاب. أضف أن الكاتبة كتبت عن موضوع يمسّ كل امرأة في كل بقاع العالم، وهو موضوع الأمومة. كل امرأة ستتعرف على نفسها بالوصف الذي استخدمته لحالة الأم وعدم تركيزها واستلاب حياتها. من هذه الناحية هو نص عالمي.

أمل العلي: أنا لا أوافقك الرأي بالنسبة لعدم مناقشة الحجاب لأنه لا يعنيك بشكل شخصي، لكنه يعني شريحة كبيرة من النساء. أعتقد واقع المراة العربية يختلف كثيراً عن واقع المرأة الغربية رغم التشابه في بعض النقاط . وإلى أن نصبح دولة علمانية لا تستمد قوانينها من الشريعة الاسلامية، ستبقى المرأة تعاني، هذا إضافة إلى الصعوبة البالغة التي نواجهها كنسويات في إقناع النساء اللواتي تربين في بيئة معينة على أنهن مواطنات كاملات الحقوق وأن الأعمال المنزلية ليست حكراً عليها وأن العمل خارج المنزل الذي يؤمن الاستقلال الاقتصادي لها هو حق لها وأيضاً واجب عليها.

نبال زيتونة: أعتقد أن كاتبة نزق المرأة أجابت عن هذا السؤال بأن التغييرات يجب أن تتم عن طريق السياسة والبرلمان. وهنا أفهم اتّساع هامش الحريات. بهذا المعنى ينتفي سبب مناقشة النتائج كالحجاب وغيرها.

أمل العلي: عزيزتي التغير فعلاً يجب أن يكون عن طريق السياسة والبرلمان مترافق مع عمل منظمات المجتمع المدني على نشر ثقافة هذا التغير. مثال على ذلك في القانون وحسب الشريعة يحق للمرأة أن ترث نصف ما يحق للذكر ولكن وفق الثقافة والتربية في غالب الأحيان هذا القانون لاينفذ بسبب النظرة السيئة التي تؤخذ عن الفتاة التي تريد أن تأخذ حقها. طبعاً مشكورة رحاب على الحديث عن تجربتك ومؤكد تجارب الآخرين مجرد معرفتها تزيدنا معرفة وفائدة. وأعتذر إن كنت قد خرجت عن الموضوع.

رحاب: لا أناقش موضوع الحجاب كموضوع ديني، ولكن يبدو أن المحجبات بحاجة إلى سلطة دينية، وأنا لست سلطة دينية. من سيستمع لي إذا قلت أن الحجاب ليس من الدين، أو أنه فرض؟ هل ستستمعين لي؟ شخصياً أرى الحجاب ليس من صلب الإسلام في عهد الرسول، ولكنه الآن كذلك، فرض نفسه اجتماعياً. ولكني لا أحاول أن أعطي رأيي ثقلاً ربانياً ولا أقف خارج التاريخ. ولا داع أن تعتذري يا أمل، فأنت لم تخرجي عن الموضوع. أفهم تعقيد الأمور وعدم استعداد الكثير من الناس لتلقي وجهات نظر مختلفة، أو غير دينية. ولكن هذا يجب ألا يشلنا ويحبسنا ضمن النطاق الذي يحددونه. هناك زوايا للرؤية غير التي عهدناها، وهناك تجارب بشرية غنية نحتاج للإطلاع عليها واستخلاص مايناسبنا. وهناك أدوات تختلف عن أدواتنا وقد تساعدنا على فك حصار الشريعة قليلاً، والشريعة ليست عدداً محدوداً من الآيات، وإنما ركام هائل من النصوص البشرية الذكورية، وسيبقى الأمر شائكاً دائماً كما قلت.

أمل العلي: أعتقدعزيزتي رحاب أننا تطرقنا إلى الحجاب لأنه مثال ورد عبر كلامك ولكن تدخل الشريعة في القوانين هذا ما يجحف حق المرأة لأنه يتدخل في صلب حياتها الشخصية، من زواج وطلاق وجنسية أولاد وولاية و وصاية. أعتقد الحجاب آخر الأشياء التي يمكن أن تناقش، لأنه من الممكن أن يبقى خياراً فردياً، ولكن عندما يصبح فرض على جماعة على أساس لباس شرعي، ويكون رمزاً دينياً يصبح من الواجب مناقشته مثل باقي القوانين التي تحد من شخصية المرأة وتجعلها مواطناً من الدرجة الثانية.

رحاب: إذن نحن متفقتان إلى حد كبير

القسم الثاني: نادي القراءة للنساء

رحاب شاكر: العام الماضي فكرت بتنظيم حلقة قراءة للنساء، عرضت الفكرة على الشبكة وفعلاً رحبت الشبكة أن تتم الدعوة إلى حلقة القراءة باسمها.  هدفي من نادي القراءة هو سد الفجوة الثقافية والفكرية التي يمر بها المهاجر في (بداية) حياته في بلده الجديد بسبب عدم اتقانه للغة البلد وعدم توفر الكتب والنشاطات الثقافية باللغة العربية، ولأن معظم النشاطات الثقافية في البلد لا تلامس هموم المهاجر مباشرة وغالباً لا تجذبه حتى ولو تعلم اللغة . أنا كمهاجرة عانيت في السنوات العشرة الأولى من الفراغ الثقافي القاتل الذي يعيشه كل مهاجر، كل شيء جديد ولا نملك مفاتيح العالم الجديد وليس عندنا من يوجهنا، ولغتنا الأم التي نتطور من خلالها غير صالحة للاستخدام أو بمعنى آخر أفلست. هاجرنا إلى هولندا قبل عصر الإنترنت والفضائيات العربية. هذا كان يجعل كل مهاجر يعيش حالة من النكوص والكسل الثقافي والفكري والانعزال الاجتماعي، قلما يتمكن من تعويضها تماماً في وقت لاحق. هذا ينطبق على الجميع، الصغار والكبار. قليلون هم المؤهلون لتعلم اللغة الجديدة إلى درجة تنفتح لهم ثقافة البلد من غير عراقيل. وإذا كانوا مؤهلين للتعلم فالأمر يحتاج دائماً إلى سنوات طويلة قبل أن يتمكنوا من قراءة كتاب كامل بارتياح.

طبعاً الوضع أفضل الآن  بسبب انتشار الفضائيات والإنترنت، ولكن لو نظرنا بالعمق، نرى أن الفراغ الثقافي موجود أيضاً عند المهاجرين الجدد، الإنترنت يحل فقط جزءاً صغيراً من المشكلة، والأغلب يخفيها تحت البساط من غير أن تختفي.  فكرت أن أستفيد من خبرتي كمهاجرة قديمة لسد هذه الفجوة للمحيطين بي من اللاجئين السوريين وخلق جو ثقافي صغير ولكن عميق باللغة العربية، تفعيل اللغة العربية في حياتهم. ومن هنا نشأت فكرة حلقة القراءة باللغة العربية للنساء.

الشهر القادم سيكون لقاؤنا الخامس. إلى الآن تقييم النساء للنشاط إيجابي. ومعظم النساء صارت لاتتردد عندما أدعوها لحلقة جديدة. من الردود التي وصلتني من السيدات أذكر لكن مايلي: ” حسيت حالي إني عايشة، هموم البيت والأطفال أبعدوني تماماً عن هيك أجواء، حلقة القراءة رجعتلي حالي اللي كنتها من زمان”. وعندما كنا نناقش كتاب”اللغز الأنثوي” للكاتبة الأمريكية بيتي فريدان قالت سيدة أخرى بما معنى أنها كانت تظن أن عندها مشكلة نفسية ولكنها اكتشفت الآن أن نساء غيرها عندهن نفس المشكلة وأن الذي تشعر به هو طبيعي نتيجة ظرفها.

والذي لاحظته أن النساء غير مهتمات بغطاء الشبكة لحلقة القراءة، هن غالباً لايفتحن الرابط عن الشبكة الذي أرسله مع الدعوة. المهم أنهن يعرفنني وواثقات من إدارتي للقاء.

بعد مرور عدة لقاءات فكرت أن هذه الحلقة من الممكن أن تكون أكثر من حالة سد للفراغ الثقافي، من الممكن أن تكون طريقة لمساعدة النساء على فهم أنفسهن. في ستينيات القرن الماضي انتشرت في هولندا حلقات الكلام. كانت النساء تجتمع وتحكي مع بعضها بطريقة منظمة.  كانت حلقات الكلام من الأدوات التي استخدمتها النسويات بكثرة لوعي ذاتها ونسويتها. برأيي من الصعب استيراد حلقات الكلام النسوي بشكل حرفي إلى الوضع العربي، بسبب درجة المحرمات الكبيرة التي نعاني منها، وحالة التفكك التي سببتها الحرب، ولكن من الممكن عن طريق حلقات الكتاب أن نتكلم، نحن النساء، بشكل بناء ولكن غير مباشر عن ذواتنا ونتعرف عليها، وتحل حلقات الكتاب محل حلقات الكلام المنظمة التي انتشرت في هولندا/أوروبا أثناء الموجة النسوية الثانية.  الكتاب كان دائماً عامل ترميم لي، وأتمنى أن ينطبق هذا على كل امرأة تشارك في حلقة القراءة. وأتمنى أن أكون قدمت مثالاً صغيراً نشتغل عليه، فتنتشر بؤر القراءة بين السوريات، ولايكون هدفها التثقيف فقط، وإنما ملامسة ذات المرأة المثقلة والتعرف عليها. هو مشوار طويل ولكن يحصل أن تعيش واحدتنا فجأة قفزة في تطورها واللقاء مع الكتاب يساعد بكل تأكيد.

 

فضيلة الشامي: ربما كان لصالحك يا رحاب أنه لم يكن هناك إنترنت و قنوات فضائية عربية عندما هاجرت. أنت كسبت الجامعة و تعليم لغة البلد، كنت متفرغة.

خولة دنيا: كنت أريد تناول الجانب المتعلق بالأنشطة، لنفهم أكثر عن طبيعة النشاط الذي تقومين به، وأهميته بالنسبة للاجئين الجدد وخاصة النساء، وكيف ممكن دمج نشاط ثقافي مع نشاط مجتمعي بنفس الوقت. أحبيت أيضاً فكرة المطبخ مع الكتاب لأن هذا يعطي حماساً لشريحة جديدة كي تدخل ويكون وقتاً ممتعاً للجميع ومشجعاً على الاستمرار بالحضور.

رحاب: صحيح، نحن عندما نجتمع نتناول الغذاء سوية أولاً.  هذا ما تقصدينه بالمطبخ؟

خولة دنيا: نعم. من الأسئلة التي أريد طرحها أيضاً: كم عدد النساء بالمجموعة؟ وهل واجهت صعوبة باقناعهن بالفكرة، وكيف كانت علاقتهن بالكتاب والقراءة خاصة أنه بمجتمعاتنا نعاني حالياً من قلة القراءة، و”نزق” القراءة. على أي اساس وضعتن خطة القراءة خاصة أنها تحتوي على كتب فكرية، وبحاجة لأساس ثقافي سابق، واهتمام بموضوع النقاش. هل هناك خطة لفترة أطول؟ وهل تساهم السيدات بهذه الخطة؟

 

رحاب: قمت من زمان بنشاطات ثقافية مع لجنة دعم الثورة من هولندا، وواجهت صعوبات بتشجيع الناس على الحضور، وكان البعض يلغي الموعد بآخر لحظة. لذلك عندما بدأت بحلقة القراءة كنت صارمة منذ البداية. غالباً أنا التي تنظم كل شيء والبنات متجاوبات إلى حد معقول. فقط الأمهات يلاقين صعوبة بترك الأطفال في البيت والحضور. خطتي أن نقرأ كل الكتب التي جلبتها من لبنان. وبما أنه عندي ست نسخ فقط من كل كتاب أنوي أن أنظم حلقتين لكل كتاب. أي أن يتم قراءة الكتاب من قبل 12 سيدة. بالرغم من أن التنظيم بطيء (نحتاج إلى شهرين لقراءة الكتاب) إلا أني مستمرة وليس لدي نية للتوقف. وأعتقد أن مبادرة الصبايا مع الوقت ستتحسن وهي تتحسن بالفعل.

 

أسامة عاشور: فكرة حلقة القراءة مهمة، وهي خطوة جيدة جداً لاكتساب الوعي وفهم المعاناة والسير في طريق التحرر.

صبا حكيم: ماهو المستوى الثقافي للنساء المشاركات في حلقة الكتاب؟ وأتمنى أن توضحي لي عبارة الكتاب كان عامل ترميم لي.

 

رحاب: المستويات الثقافية للنساء مختلفة، هناك قارئات حقيقيات، هناك متعلمات ولكن لا يقرأن، وهناك من قرأت لأول مرة كتاباً ضمن المجموعة. أحاول عندما أختار مجموعة الصبايا أن تكون المجموعة متنوعة وأن تكون السيدات متفاهمات فيما بينهن. أما عملية الترميم، لفترة ما كان الكتاب بالنسبة لي بمثابة الشفاء من هموم الحياة وأساها.

حرية دمشق: تحية طيبة للجميع. عزيزتي رحاب المجتمع العربي يختلف كلياً عن المجتمع الغربي. مثلاً كل فرد تقريباً، ذكر أو أنثى، يهتم بالقراءة. تعلموا هذه العادة منذ الصغر. أما البنت والشب في مجتمنا فآخر همهم القراءة. وعلى البنت بعد أن تنهي واجباتها المدرسية أن تقوم بمساعدة والدتها في البيت والاهتمام بأخوتها. أما الصبي يخرج ليمضي وقته مع أصدقائه، لا وقت لممارسة هذه الهواية. مارأيك؟

رحاب: حتى الشباب الهولندي لا يحب القراءة كثيراً. الجميع يمضي وقته على الموبايل فقط. والدولة تعتبر هذا أحد همومها التي يجب الاشتغال عليها. فلماذا تشتغل هي ونستسلم نحن؟ ليس صحيحاً تماماً أن الجميع لا يقرأ، ربما الظروف غير متوفرة، هناك نساء قرأن معي لأول مرة وخرجن من عندي وهن طائرات كالعصافير.

حرية دمشق: طبعاً التعميم خطأ. ولكن يجب معالجة الأمور التي تؤثر على تطور المرأة والمجتمع بشكل عام.

نبال زيتونة: هل تشاركين النساء رأيهن في اختيار العنوان، أم يكون ذلك عن طريق اختياراتك لهن؟ وما الكتب التي تستهوي هذه الشريحة من النساء؟

رحاب: في البداية كنت أنوي قراءة كتب نسوية فقط، ولكن رأيت أن رغبة السيدات هي قراءة ثقافية عامة وليس فقط نسويات. لذلك نوعت الكتب وأدخلت الروايات والفكر. أما العناوين فتقريباً اخترتها أنا (ما عدا عنوانين). في المستقبل أريد التحول لنظام تمويل جماعي وعندها تشتري السيدة الكتاب الذي تختاره. لكن حتى ننتهي من الكتب التي بين أيدينا نحتاج إلى سنتين. ونسيت أن أقول أني سأعرض الكتب التي قرأناها للإعارة. يعني إذا أراد شخص إدارة حلقة قراءة يمكنه/ا استخدام كتبنا.

 

سناء حويجة: أود أن أبدء بأنني لست مع النسوية وخصوصاً في هذه المرحلة التي يمر بها مجتمعنا من تعقيدات وتغييرات على كل البنى المجتمعية. لأن مصيرنا الجماعي كشعب مجهول ولاأرى أي ملامح أو أي بديل، أقول البديل ولا أقول المصير، لأن الأول يؤكد على عنصر الاختيار في مصيرنا الجماعي. ولكن ربما نستطيع أن نصنع شيئاً ونضيف قدرة الإنسان على التغيير ولصنع تاريخه. وباعتقادي ليس هناك كلمة سحرية، لتفتح وتخترق كل التابوهات الموجودة للجميع عامة. هل القراءة والاطلاع ومتابعة آثار النسويات هو الحل لمشاكل مجتمعنا؟ أراه مهم ولكن لايبنى عليه ، لأننا نكاد أن ننقرض إذا لم نتابع الحلول التي تناسبنا.

 

نبال زيتونة: ألا تعتقدين يا سناء أن ما يحصل اليوم هو نتيجة لمراحل سابقة ومجتمعات شوّهتها قيم الذكورة وانعدام العدالة وغياب الحريات؟

 

سناء حويجة: الموضوع أراه أعقد من قيم الذكورة. لأن ماينال المرأة يطال الجميع.

رحاب شاكر: أعتقد العكس تماماً، خصوصاً في هذه المرحلة أنا مع النسوية. الميزة الإيجابية الوحيدة لهذه الحقبة أنها جعلتنا نحب العمل، عمل أي شيء. وبرأيي أن هذه المرحلة خلقت بعض الفرص وإن كانت متواضعة ولكنها لم تكن متواجدة من قبل، منها مثلاً هذا التكتل النسائي (وأتمنى النسوي) في الشبكة. الحراك النسوي يبدأ دائماً بالتكتل وبالتداول فيما بيننا نحن النساء. لم يحصل أني تكلمت مع هذا العدد الكبير من النساء الجميلات قبل اليوم. من الممكن أن نكوّن سوية موجة لو تنظمنا بشكل أفضل ولو آمنا أن عندنا قضية تخصنا فعلاً. هناك من يرى أن الثورة لم تأت بعد، أود أن أصدقه، وفي كل الأحوال ثورة من غير تيار نسوي لا تشبه الثورة بشيء.

 

خولة دنيا: في نهاية ورشتنا هذه، كل الشكر للزميلة رحاب شاكر، لجهدها ومتابعتها ومشاركتنا لتجربتها.
وكل الشكر لجميع الزميلات والزملاء في الشبكة على هذا النقاش الجميل والمتنوع.

ونلتقي في ورشة جديدة قريباً.

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة