Slider
قوائم

هذه جرائمهم، فليخجلوا هم بها

نضال أيوب

عملية حسابيّة بسيطة، تجعلني أنتبه إلى أنني حاولت كتابة تجربتي عن العنف الجنسي مئاتالمرّات. أكثر من عشر سنوات وأنا أحاول. محاولاتٌ باءت جميعها بالفشل. يمكنني أن أحصيَ عددالنصوص غير المكتملة. مجموعة لا يتعدى الواحد منها بضعة أسطر. أقول لنفسي، هذا النصسيقتلني يوماً ما. ما الفائدة من أن نعيش المأساة مرّات عدّة. ما الفائدة من أن نتذكر؟ الكتابةعن الموضوع تشعرني أنني شخص مازوشي يحمل سوطاً ويقوم بجلد نفسه. ثم أتساءل، لماذاأكتب أصلاً؟ لماذا لا أنسى؟ ثم لا ألبث أن أشعر بالخيانة. يجب علي أن أكتب. فالأمر لم ينتهِ، ولايمكن أن ينتهيَ ما دام كثرٌ وكثيراتٌ يتعرضون للأمر نفسه. يجب أن أكتبَ. لا لأحاكمَ أحداً ولا بغيةَاللوم، بل لأعتذرَ، متأخرةً، من الطفلة التي كنتُها ومن المرأة التي صرتُها. أريد أن أكتبَ كي أعتذرَمن جسدي الذي لم أنفكّ يوماً عن كرهه ولومه.

ما زلت حتى يومي هذا أتساءل، أكان يجدر بهم تعليمنا الكلام ما داموا لاحقاً سيمنعوننا عنهويرغموننا على السكوت عن أشياء كثيرة تؤلمنا؟ما يحدث في المنزل يجب أن يبقى فيه”،يقولون. أحداث نتعلّم أن نتستّر عليها خوفاً منالجرصة“. يتحول الجميع إلى شرطة تحذرك منالكلام. “غسيلنالا يجدر بنا نشره على الملأ.

**

المرّة الأولى التي تكلمت فيها عن الموضوع كانت في الجامعة. كان يجب أن نكتب قصة نقومبتمثيلها عن حادثة موجعة حصلت معنا، أو مع آخرين، وأثّرت بنا.

كانت فرصتي الأولى، وقررت أن أستغلها. كتبت. أجريت تعديلات كثيرة خوفاً من أن يفطن أحد إلىأنني أكتب عن نفسي. كان علينا أن نقرأ نصوصنا أمام الجميع. أذكر جيداً كيف كان صوتي يختنقوأنا أقرأ. أن تملك فرصة الكلام عن أمر مؤلم أُجبرت على السكوت عنه لسنوات ليس بالأمرالسهل. مربكٌ الأمر. كأنك تتعرى أمام الجميع. لا أعرف كم احتجت من الوقت لأستطيع إكمالالنص. بدا لي أن قراءته استغرقت ساعات.

رافقني الألم طيلة فترة تمرّني على تمثيل النص. كنت أبكي في كل مرة، كأنها الأولى. ألمي كان يصل إلى الذروة في المشهدِ الذي أخبر فيه أمي، فلا تصدّقني. وهو ما أزعجَ أستاذي، فقاطعنيفي إحدى المرات عند هذا المشهد وسألني: “أيهما مؤلمٌ أكثر، الفعل نفسه أو أن أمّك لمتصدقك؟“.

بالنسبة إليّ، عدم تصديق أمي لي، كان هو المأساة الأشد. لم يعجبه جوابي وصرخ بي غاضباً. “غلط! إذا حدا دقّ باصبعك وإنت ما بدك، لازم يزعجك أكتر من أي شي!”.

كيف أشرح له أن التشكيك يؤلم أكثر، ودعم المحيطين يخفف هول المأساة ويجعلها تمرّ بأذى أقل،وأن لا أحد يحقّ له أن يمليَ علينا أحاسيسنا أو أولوياتنا؟

طوال هذه السنوات وحتى اليوم، يؤلمني ويستفزني من يسكت عن التحرش ويبرر له، أكثر منالمتحرشين أنفسهم. في كل مرة يتم التشكيك بفتاة تتكلم، أشعر أن الأمر موجه لي شخصياً.يعود الألم نفسه. أتذكر المشهد، أعود طفلة أصرخ وأبكيصدقيني مش مروبصة ولا عم هلوس“.

**

لم أكن أكذب، لكن أمي أصرت على أنها أحلام وتهيّؤات. شككت بنفسي، ولاحقاً حين كان يكررالأمر معي، صرت أتظاهر بالنوم. ولسنوات كثيرة لاحقة لم أعد أتكلم ولم أعد أنام.

حين بدأت قريبة لنا بالتحرش بي، التزمت الصمت أيضاً، من يصدقني؟ قد تكون تهيّؤات هي أيضاً.ظننت أن المشكلة مني وإلا لماذا لا يتوقف الجميع عن التحرش بي؟ ولماذا حاول صديقي لاحقااغتصابي؟

سنتعلم الصمت. كل مرة لسبب. المرة الأولى خوفا على أعمدة منزل قد تنهار. المرّة الثانية  لكيلا نُلام. الثالثة لأن أحداً لن يصدّق. الرابعة خوفا من جريمة محتملة. الخامسة كي لا نخسروظيفتناالمرة المليار لأننا تعوّدنا، وتعبنا.

تناسيت الموضوع، تجاهلته. سنوات كثيرة مرّت. ظننت أن الأمر انتهى، وتجاوزته. لكن كيفأستطيع الشفاء من وجع مزمن؟ كيف أنسى ومئات الحوادث المشابهة تحصل معي ومع غيريبشكل شبه يومي؟ كيف أنسى وما حصل كان سبب هاجسي الأكبر؟ ماذا عن خوفي من الليل،والصراخ أثناء النوم؟ مَن يعوض عليّ ليالٍ لا تنتهي من الكوابيس؟

لسنوات طويلة كرهت جسدي، أليس جسدي هو السبب؟ نعم حقدت عليه. أمّا الجنس، بالنسبةلي، فكان أمرا مخيفا ومؤلما. انتهاك آخر لجسدي، لا أستطيع حياله شيئاً وأرغم نفسي علىالقيام به.

عمري الآن تسعة وعشرون سنة. احتجت إلى سنوات بدت أنها لن تنتهي، والعديد من جلساتالعلاج النفسي. اليوم يمكنني أن أقول إن الجنس لم يعد مشكلتي. منذ بضعة أشهر فقط،اكتشفت أنه يمكن للجنس أن يكون ممتعاً، وأنه يمكنني أن لا أشعر بالخوف أو الخطر إذا لمسأحدهم جسدي. بل أنه يمكنني أن أسعد بذلك وأرغب به. لم أعد أتقيأ بعد الجنس، حتى أنمشكلةالعصبي بالمعدةوالتقيؤ اليومي، التي قال الأطباء إن لا علاج لها، لم تعد موجودة أصلا.

أقف أمام المرآة عارية، أحدّق بجسدي، أتأمل كل تفصيل به، أنتبه فجأة إلى أنه ليس قبيحاً.  علىالعكس، أجده جميلا، وجميلا جدا. لماذا عاقبته على ذنب لم يرتكبه أي منّا؟ أندم على سنواتكرهي له. كان سوء تفاهم. أعتذر منه، تتساقط دموعي، لم يكن ذنبه، لم يكن ذنبي.

يمكننا دائماً أن نختار الصمت. وهذا الخيار من الممكن أن يكون مفيداً للجميعِ عدانا نحنالمتضررون. الصمت يجعلنا نراكم عقدنا إلى أن يستحيل التخلص منها. يمكننا أن نغضب ونشتمفي جلساتنا مع الرفاق، سنرتاح قليلاً. لكن الغضب وحده لا يكفي. الألم لا يختفي، لكن بإمكانهأن يخفّ، في كل مرّة نقوله أو نكتبه. لا يوجد ما هو خاص وما هو عام، العنف الجنسي ليس حالةفردية.

هذا الكابوس لا يمكن أن ينتهي إن لم نبدأ جميعنا بالبوح. فلنطرق رأس هذا الكون الذي يصمّأذنيه عمداً، ولنخبر ناسه عن كل مرّة انتهكت فيها أجسادنا وتعرضنا للعنف الجنسي. ليسمِّ كلّواحد، هكذا ومن دون مقدمات، جميع من اغتصبوه أو تحرشوا به. فلنبدأ من الأقرباء: “أبياغتصبني، أخي تحرش بي، عمي اغتصبني، خالي تحرش بي، عمتي تحرشت بي…”.

تعالواننشر غسيلنا” على الملأ. هي ليستجرصتنا“. لسنا نحن من يجدر بنا الخجل. هذهجرائمهم، فليخجلوا هم بها.

**

المصدر: “صوت النسوة”

اترك رد

مواضيع ذات صلة