Slider
قوائم

نون الوطن ونائب الفاعل

فؤاد عزام

أوقف عدد من المسلحين ,على طريق منطقة الدويلعة  في دمشق سيّارة, وأنزلوا منها امرأة, فيما طلبوا من المرأة الأخرى أن تركن السيّارة في مكان مناسب، وحين عادت لم تجد صديقتها ولا المسلحين!

بعض الجدران في دمشق حملت صوراً لفتيات مفقودات، وكُتبت عليها عبارات تطلب ممّن يعرف عن أخبارهن شيئا, الاتصال على رقم كتب عند كلّ منشور. إلا أنّ صورة “بسمة” لم تكن بين الصور، على ذلك الجدار، الذي طالما اتكأ عليه المسلحون، يدخّنون غير عابئين بشيء.

تهمة الخطف لم توجّه للمسلحين من ميليشيات الشبيحة، بل بحسب مصدر في وزارة داخلية النظام كما نقلت عنه صحيفة “الوطن”، فإنّ معظم حالات الخطف التي تمّت في ضواحي دمشق كانت مفتعلة من الفتيات.. وحتى من بعض الشباب، وتتمّ “بإرادتهن، بهدف ابتزاز ذويهن. موضحاً أن إحدى الحالات كانت لفتاة هربت مع شاب بحكم أنه حبيبها, وفوّضت شاباً آخر بالاتصال بوالدها على أساس أنها مخطوفة لابتزازه، مشيراً إلى أنه طلب من والدها خمسة ملايين ليرة.

غير أن صديقة “بسمة” تقول إنّ حادثة الخطف تمّت في مكان غير بعيد عن حاجز النظام، الذي وجد بهدف حماية الناس من الإرهابيين، أو من المتفجرات كما يشيعون.. وتضيف أنّها ظنّت بداية أن توقيف سيارتها هو بهدف التفتيش، ولم تعر اهتماماً كبيراً لأحد المسلحين الذي حفظت صورة وجهه, حين طلب من بسمة النزول من السيّارة. لكنّها حائرة؟!.. لمن تتقدم بشكواها وضدّ من؟

فرع الأمن الجنائيّ في دمشق يقول بحسب المصدر السابق نفسه؛ إنّه ضبط العديد من الفتيات اللواتي يدّعين الاختطاف، وتبيّن فيما بعد أنّهن افتعلن حادثة الخطف لابتزاز ذويهن، والحصول على الأموال بهدف الزواج من الشباب الذين ذهبن معهم، أو التصرف بالمبلغ لمصالح شخصية.

من الصعب أن تقتنع صديقة “بسمة” بهذا الكلام، وهي الشاهدة على أن هناك فعلاً قد تمّ، وفاعلاً ومفعولاً به, رغم أن وزارة الداخلية نشرت على موقعها الرسمي قصص بعض الفتيات اللواتي ادّعين أنهن خطفن، وتبين أن الحوادث كانت مفتعلة، ومنها أن فتاة تدعى (أ، ر) خطفت على يد مجموعة من الشباب، وتمّ الإبلاغ من ذويها على هذا الأساس وأن أحد الخاطفين ويدعى (م، ا) اتصل بأهلها لمفاوضتهم والحصول على مبلغ 500 ألف ليرة سوريّة.

لو سلمنا بأن تلك الواقعة التي أوردتها وزارة داخلية النظام صحيحة رغم صعوبة ذلك، فإنّها تبقى واحدة من بين آلاف حالات الاختطاف، التي تقوم بها الميليشيات التابعة له بهدف الابتزاز  والاغتصاب, ولا يوجد إحصائيات دقيقة بسبب صعوبة متابعة هذه الجرائم لأسباب تتعلق بالتواصل والتنقّل، إضافة إلى التقاليد الاجتماعية التي تدفع بعضهم إلى التكتّم على مثل تلك الجرائم خوفاً على شرف العائلة. فمعاناة الضحايا تمتدّ إلى مواجهة المجتمع الذي غالباً ما يكون سيفاً آخرَ مسلّطاً على المختطفة والمعتدى عليها.

يبدو أن الخطف يكمل رحلته على من ينجو من الموت في بلد أنهكه أسوأ ما فيه ضدّ أنبل ما فيه، وهو “الإنسان”. فقد يسطو المجرم على الناس وعقولهم وأفكارهم، وهذا مكمّل لحلقة الصراع بين الخير والشر. لكن أن يدّعي المجرم أنّه ضحيّة، فتلك هي القضية؛ يقدّم نفسه حامي الوطن، ويكيل الاتهامات لضحاياه.. تقول صحيفة الوطن أيضاً  في تقريرها؛ إنّ بعض الفتيات يمارسن أعمالاً لا أخلاقية، ولذلك فهنّ يرغبن بالحصول على الأموال بأيّ طريقة ممكنة، ولذلك يفتعلن أمر اختطافهن التي تسيء بشكل واضح للمجتمع وتجعله يعيش في حالة قلق وخوف.

ثمّة جمل في لغة النظام تبدو استمراراً لخطاب الطغاة عبر التاريخ العربي، فحين تمّ قتل العلامة غيلان الدمشقي على يد أحد الخلفاء، كان لا يريد أن يقرن اسمه بإعلان خبر مقتله، فأشار عليه مثقفوا بلاطه السلطاني أن يكون الإعلان على النحو التالي: قُتلَ غيلان الدمشقي. وليس قتلَ الخليفة غيلان الدمشقي.. ففي الجملة الأولى يظهر أن الفاعل هو غيلان نفسه، وقد قتل نفسه، إذ يتمّ إعرابه على أنه نائب فاعل على اعتبار أن “قُتل” هي فعل ماض مبنيّ للمجهول.

قد تحاكي بسمة الآن غيلان، فكلا الحادثتين وقعتا في المكان نفسه الذي كان يسمّى بستان هشام، ومثقفو الخليفة من أمثال الصحيفة المسماة باسم الوطن، مازالوا يكرّرون حكايا التاريخ. فليس ثمّة فاعل بنظرهم إلا الضحية “ذاتها”، فهي التي تقتل نفسها وتختطفها وتعذّبها وتعتقلها وتغتصبها.. هو اللاعقل الذي يجدّد ذاته مع كلّ عصر وكلّ شرّ، ولكن وإن غابت أشجار ذلك البستان وحلّ بدلاً عنها عشوائيات الرعاع، فإنّ تلك الصحيفة ستذهب ويبقى اسم الوطن.

خاص “شبكة المرأة السورية”

Comments

Amal
سنتين ago

كثيرا ما تكون الحقائق في حاضرنا امتداد لماضينا. نعم تاريخ الاستبداد لم يتغير ولن يتغير الا اذا كان لدينا اقلاما كقلمك تعبر عن صرخة المقهور و ارادة الثائر الحرة معا دون تزييف . أتمنى لك التوفيق استاذ فؤاد

    فؤاد عزام
    سنتين ago

    نعم صدقت Amal شكرا لك

اترك رد

مواضيع ذات صلة