Slider
قوائم

نسيم … الطفلة التي هامت على وجهها

 

د. صباح ضميراوي                                                                         

عندما زارت عيادة القابلة القانونية، والتي توهم الجميع بأنها دكتورة ومختصة بالعقم، كانت الصبايا الحوامل صغيرات بل صغيرات جداً. سألت التي بجانبها بأي شهر حامل وكم عمرها، وقبل ان تجيب  نهرتها  المرأة التي تجلس بالطرف الآخر وقالت لها: “وماعلاقتك بعمرها؟”، قالت لها: “أحسست أن عمرها صغير على الحمل والولادة وتربية طفل وتأسيس أسرة”. قالت: “تزوجت وعمرها 15 عاماً، هل هي صغيرة؟ ابنة جارتنا لديها ولد على حضنها وعمرها 14 عاماً”.

صمتت  ونظرت الى غرفة الانتظار المليئة بالطفلات الحوامل، اللاتي يرتسم الخوف والبراءة على وجوههن الحزينة، والتي يبدو عليها الشحوب والتعب. تساءلت: “لماذا قبلن بالزواج المبكر الذي أصبح ظاهرة في مناطقنا؟”، عندها تذكرت أم أمين التي هربت مع أولادها من قصف البراميل المتفجرة، وتركت زوجاً مقعدا بسبب طلق ناري أصابه في ظهره  العام الماضي، ليصلها خبر وفاته بسبب قصف بيتهم فيما بعد.

بعد أن نزحت جلست أم أمين مع أولادها في خيمة قرب إحدى القرى وحاولت أن تجد عملاً في الزراعة لتعيل أولادها لأن ابن زوجها الذي انفصل عنهم لا يقدم  لهم شيئاً،  فكانت تشتغل فترة وتقعد فترات، إلى أن كلفتها المرأة التي خيمتها بقربهم لتحرس المحصول من الكوسا والجبس والفليفلة والتي بدأت جموع النازحين  تقطف منها، أما أمين ابنها الوحيد صاحب العشرة أعوام فقد أصبح يسرح بغنمات إحدى عائلات البدو المستقرين ببيوت منذ زمن طويل بقربها، لقاء سطل لبن أو خاثر كما يسمونه هناك، أو أي شيء مما يزرعونه في ارضهم. أما بناتها، فالكبيرة والتي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها الآن فقد تزوجت منذ عامين ولديها ثلاثة أولاد لأنها أنجبت توأما منذ سبعة أشهر.

أما الهم الأكبر لأم أمين فكان في ابنتها الصغيرة نسيم التي بلغت من العمر 13 ربيعاً منذ شهرين، والتي تغنى بجمالها كل من عرفها، فقد كان أخوها من أبيها يريد أن يستر عليها بزواج يحجبها عن الجميع، كما نصحه الشرعي الذي في الفصيل الذي يجاهد به. وقد التحق أخوها بهذا الفصيل ليس عن قناعة بالجهاد ولا حباً في الدين، بل سعياً وراء لقمة العيش، وهو الذي يتعاطى الحبوب، أو يحبحب كما يقال عنه في المنطقة، مع أنه تخلى عن الأهل ومد يد العون لهم وما كان منه إلا أن باع أخته الجميلة نسيم  كزوجة لراعي غنم بعد أن  دفع له خمسين الف ليرة على أن يشتري لها غيارين من الثياب أو بدلين كما يقال في المنطقة، حيث يقيمون وأعطاه إياها في ليلة مافيها ضوء قمر، كما يقولون.

بعد أشهر كانت نسيم تدق باب المرأة التي تحرس عندها أمها وكان اسمها أم  ياسر وطلبت منها أن تتخبأ عندهم من زوج يضربها في الليل ويجبرها على معاشرته غصبا عنها كل يوم، فهي لم تعد تطيق حياته ورائحته وقلة نظافته. قالت لها أم  ياسر: “اجلسي وسنرى ماسيحصل، ولكن أين هو زوجك؟”، أجابت نسيم: “تركته ينتظرها على الطريق العام بسيارة أجرة ريثما تطمئن على أمها”، وبعد فترة كان الباب يدق بقوة وصوت سائل عن نسيم، وصرخ الزوج الذي كان هائجاً كالثور: “أريد زوجتي نسيم قالوا لي أنها  دخلت لعندكم”، أجابت أم ياسر المرأة القوية والتي لاتخاف كلمة الحق: “نعم هي عندنا، لكننا لن نعيدها إليك لأنك تظلمها بل سنسلمها لأهلها كي تتفاهم معهم، وهي لم تعد تريد العيش معك”. ذهب وبدأ يبحث عن اخيها الذي زوجه إياها فلم يجده، وهناك كان خالها فطلب منه أن  يعيدها إليه. ذهب الخال فشرحت ام ياسر له حال نسيم فقال لها لتبقى عندكم، أنا لدي أولادي الذين طفشت أمهم إلى أهلها لأَنِّي سأتزوج زوجة أخي الشهيد لأعيل أولاده أيضاً، والتي بعد أشهر أيضاً سافرت أمهم إلى  البلد المجاور وتركت لي الهموم”.

ولما علم زوج نسيم بأن الخال لن يفعل شيئا نصحه سائق السيارة التي أتى بها أن  يشتكي للفصيل الموجود بالمنطقة. ذهب الزوج الراعي واشتكى للفصيل الموجود في المنطقة وأحضر مجموعة منهم  معه. بدأ رئيس المجموعة سؤال أم ياسر بأي حق  تخبئ زوجة عن  زوجها وهذا مخالف لله وللشرع، قالت لهم: “هي التي هربت من ظلمه ولجأت إلينا”، وشرحت لهم وضع نسيم. لم يأخذوا بكلامها وطلبوا من الخال أن  يأخذها لعنده لأسبوع فقط وبعدها تعود نسيم إلى حيث القهر والذل والعنف في بيت زوجها. رضخت أم  ياسر لطلباتهم فهي لاتزيد أن تجر البلاء لأسرتها أولادها وزوجها، وأعطت نسيم لخالها درءاً للمشاكل التي يمكن ان تلحقها من هذا الفصيل الظالم.

في اليوم الثاني ذهبت أم ياسر لتطمئن على نسيم الطفلة  الجميلة  فلم تجدها لأن خالها كان قد أعادها لزوجها بعد ان رحل الفصيل الحاكم، وبعد أن رفض الخال بقاءها لأن اللي فيه بكفيه كما قال ولأن أخاها رفض أن تقيم مع أمها أم أمين كما طلبت أم أمين وتوسلت إليه، فقبر المرأة بيت زوجها ولأنه يريد أن  يستر عليها كما كان يردد دائماً.

بعد أيام كان الزوج الراعي أمام باب خيمة أم أمين  ليسأل عن نسيم ثانية، والتي لم تكن عند أم ياسر هذه المرة، بل هامت على وجهها في رحاب الأرض الواسعة.

ملحوظة: نسيم، أم أمين، أم ياسر شخصيات حقيقية في ريف ادلب الشمالي.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة