Slider
قوائم

نساء حلب  يواجهن الحصار … لا معونات، والمحلات فارغة والموت على الأبواب

خولة غازي

يقول المثل الشعبي: “يلي ايدو بالمي مو متل يلي ايدو بالنار”، وهو مثل يصلح مقدمة لما يجري في حلب من رعب يومي و موت عبثي ومجاني ، ما بين حلب الشرقية وحلب الغربية قصص موت غير آدمي ، قصص تخطت حدود الخيال ، ملايين المظاهرات لن تطعم طفلاً ، ولا كتابة بوست شجب سوف يهدهد قلب طفل فقد والديه أمامه ، نعم قد تحرك ضمير الرأي العام العالمي، ولكنها لا تحرك ضمير أصحاب القرار لتتوقف هذه المقتلة اليومية.

الأطفال والنساء وكبار السن هم من يدفعون الضريبة الكبرى من هذا الحزن اليومي، صور أشلائهم ولحمهم المكوم تحت الحجارة، لن تهز شعرة ممن  يعيشون ويقتاتون على بقايا من تبقى حياً في تلك المناطق.

طحين وماء وسكر 

حاولت خلال الأسابيع الماضية أن اتصل بعدد من الأصدقاء الناشطين المدنيين في حلب، لسؤالهم إن كان بالإمكان إنقاذ عائلة، وتقديم الطعام لهم أو مخرج آمن إلى ريف حلب الشمالي، ولكن للأسف لم أحصل إلا على وعود، أعرف أنها كانت صادقة، ولكن ليس باليد حيلة، لا أحد يستطيع فعل شيء!

تلك العائلة مؤلفة من أم في مقتبل العمر وثلاثة أطفال أكبرهم فتاة بعمر الست سنوات، لا يوجد لديهم طعام، ونتيجة القصف الجوي ينزحون من مكان إلى آخر. الأطفال باتوا في حالة هزال شديد، يتبولون ليلاُ على أنفسهم من الخوف، الأم لا حول لها ولا قوة، آخر طعام قدمته لهم كان عبارة عن طحين  وماء وسكر، أما الغداء فكان بصلاً وخبزاً.

تلك ليست تراجيديا ولا فيلماً سينمائياً خيالياً، إنها حكاية شعب يتألم أمام قبح البشرية جمعاء.

عندما تكلمت معها وسألتها عن أحوالها قالت: الحمدلله “عايشين”!

نعم قياساُ بغيرهم هم في نعمة كبيرة، ولكن أية حياة هذه، وهم يحلمون بيوم راحة وطمأنينة.

أدعي لهم بالموت إن كان رحمة 

تقول السيدة أم صفوان: “ما يفصلني عن منزل ابني هو شارع فقط  أي مسير خمس دقائق فقط إلى منطقة السكري” ضمن المناطق المحاصرة، ولكنها كي تذهب إليهم عليها أن تسافر لمدة 15 ساعة كي تراه ، هذا كان قبل الحصار أما  الآن  فالأمر مستحيل.

سألتها إن كانت تتكلم مع ابنها وأولاده الأربعة، فقالت: “إن هذا أصبح من النادر، فغالباً الشبكة مقطوعة من شدة الطيران”.

وتتابع: “البارحة كانت ليلة شديدة عليهم، فكل قذيفة مدفع أسمعها قبل أن تنزل عليهم، والطيران يمر من فوق بيتي قبل أن يرمي على مناطقهم”.

سألتها وماهو شعورك؟

ردت بسخرية : “هل تعلمين أن مشاعري تجمدت! ، واليوم بالذات ، قلت يا ربي أنا لا أستطيع أن أعمل أي شئ لأي شخص ، أنت وكيلهم وتعرف أين الخير ، فاختره لهم وأياً يكن أنا راضية ، لو كان موتهم رحمة لهم و خيراً فاقسمه لهم  أنت العليم ولو به شر أبعده عنهم” .

“لقد أصبحت بحالة استسلام كامل وشلل، لا أستطيع فعل شيء، وتابعت: أنا واحدة أخرى غير التي تعرفينها”!

الفقير والمحاصر في خانة واحدة

تحتال المرأة الحلبية على الوضع المادي المتدهور باختراع بدائل للطعام، فالكنافة تصنعها من طحين المعكرونة بدلاً من السميد، ونظراً  لغلاء اللحوم، يضعن بدل “هبرة ” اللحمة في الكبة الخبز اليابس، أما اللحوم فأصبحت نادرة التواجد في البيوت، وأصبح الفروج إن وجد هو المادة الأساسية في موائد الحلبيين التي كان عمادها الأساس هو اللحم.

هذا كان قبل الحصار أما الآن فالأمر بات أكثر صعوبة.

فتقول السيدة أم شعبان: البيض والحليب والجبنة والزيتون لا يوجد أثر له، “الدنيا مسكرة والمحلات فاضية لا يوجد لودلين ولا دوا غسيل، الله لا يرويكي اش داحيكلك لا احكيلك ، ادعيلنا بس يفتح الطريق ويدخل أي شيء ، باكيت الدخان ب  5000 ليرة ان وجد ، ولي على  معلاقي العالم رايحة تجن”.

أما السيدة ضحى وهي في المناطق الغربية: الحال من بعضه ، لقد ضاقت الدنيا على الجميع، ويخيل لكم أن الأمر أفضل حالاً هنا ، فالفقير  يرى بأم عينه  ما لذ وطاب ولكنه لا يستطيع شراءه.

لقد زادت نسبة الفقر، ونسبة الأشخاص الفاقدين لأطرافهم في شوارع حلب، هناك سيدة في منطقة الجميلية بلا قدمين تشحذ في منتصف الطريق ، وقلة هم من يتعطّفون عليها، من  هول المنظر الذي هي به ، أو من ضيق الحال.

أموت أنا وأولادي 

السيدة رغداء، لديها مسكن في حلب الغربية وكانت قبل الحصار تستطيع أن تخرج وتجلس في بيتها، ولكن لديها شابان  مقاتلان في إحدى الكتائب المقاتلة ضد النظام.

تقول: “كيف لي أن أتركهم واجلس بأمان، رغم أنه لا يوجد أمان لأي حلبي؟”

لم أستطع أن ابتعد عنهم، ولدي أولاد ابني يتامى، لمن أتركهم؟ لقد ضاقت خياراتنا ، وأصبحنا نفاضل بين أنواع الموت .

وتضيف : الأرامل في المناطق الشرقية قبل الحصار كان لهن راتب شهري 100 دولار مع تأمين مسكن ومعونات اسبوعية، لذلك كثيرات منهن فضلن البقاء هناك، كما أن من لديه مسكن حتى لو كان معرضاً للقصف، يُفضًل أن يموت تحت سقف بيته من أن يموت مشرداً .

على ماذا أطمئنك؟

أجابتني السيدة كوثر بألم عندما قلت لها: “طمنيني عنكم” بالقول “على  ماذا أطمئنك؟ ضرب ليل مع نهار، مافيه أكل ما فيه شرب وما فيه مي ومافيه كهربا، قاعدين دايخين”.

وتابعت: “إذا رب العالمين كريم معنا أتمنى أن يسارع بأخذ أمانته، نعيش تحت فكرة الموت كل لحظة، عندما يموت أحد نقول ارتاح، بالأمس كان يجلس زوجي مع أصدقائه  الأربعة، اليوم كان يجلس مع واحد منهم فقط لأن الثلاثة ماتوا بالقصف. في الليل لا تسمعين إلا أصوات الأطفال وبكاءهم من الجوع. النساء يتكافلن، من لديها مواد غذائية تتشارك مع جاراتها، بحيث كل واحدة منهن تقدم ما تستطيع، ولكن المواد تنفد ولم يعد لدينا ما نستند عليه”.

حلب لا تستحق 

إن ما يدفعه المدنييون في هذه الحرب أكبر من طاقة احتمالهم، وعلى الرغم من تمسكهم ببيوتهم، إلا أن ضنك العيش قاتل، والموت ليس رحيماً بأحد، يأخذ عزيزهم من أمامهم، يدفنون قتلاهم ويعودون لتدبر أمور معيشتهم التي تكاد تنضب، على أمل أن يتم فتح ممرات للمساعدات الانسانية.

حلب وسكانها لا يستحقون ما جرى ويجري لهم كما كل شبر من أرض سوريا، وتبقى المرأة هي الرافعة الأساسية لأي عمل مدني فيه حياة وحب.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة