Slider
قوائم

مراهقات أرامل … ضحايا المجتمع و القانون و الحرب

اعداد: جمال الرفاعي

تعد ظاهرة الزواج المبكر قديمة جديدة، تتغير مؤشراتها صعوداً أو نزولاً وفق الظروف، إلا أنها بقيت أكثر انتشاراً عند النساء عن مستواها عند الرجال، وقد شهدت هذه الظاهرة انخفاضاً قبيل العام 2011 بنسب متفاوتة حسب مناطق تواجد السوريين، حيث تتوفر بعض الاحصاءات الرسمية لهذه الظاهرة في مخيمات وبلاد اللجوء وفق تقارير الأمم المتحدة، لكن في الداخل السوري ومع صعوبة الظروف تكاد ان تنعدم أي إحصائيات.

ويتباين الاختلاف حول تعريف الزواج المبكر، ومن يؤيده ويعارضه، فالبعض يعتبر أن الزواج المبكر قبل سن البلوغ، ومن المعروف أن هناك حالات لفتيات صغيرات بالسن يدخلن سن البلوغ في عامهن التاسع، وذهب البعض لتعريفه أنه الزواج دون عمر الثامنة عشرة مستندين إلى أنه سن الرشد وفق اتفاقية حقوق الطفل التي تقول” أن الطفل هو كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة”.

فلا يمكن للآن الاتفاق حول تعريف للزواج المبكر فالاعتماد على اتفاقية حقوق الطفل بأن الطفل هو كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة له أصوات معارضة من منظورها الاجتماعي والديني الغريب على مجتمعنا والمستمد من عرف وتقاليد غربية وخاصة أن الجانب الديني لم يحدد بشكل واضح سن الزواج.

فيما الأصوات الأخرى المعارضة من نشطاء ونفسيين ومن الناحية الطبية، يستندون على ما يرتبه الزواج المبكر من انعكاسات سلبية على الفتاة وبالتالي على الأطفال والأسرة والمجتمع مستقبلاً بشكل عام، وخاصة ان الزواج المبكر يحرم الفتاة من التطور والنمو الاعتيادي الطبيعي جسدياً وعاطفياً وعلى شخصيتها كامرأة ستقوم على تنشئة اسرة يفترض أن تكون اسرة طبيعية خالية من أي اضطرابات نفسية تنقلها للأطفال ومخاوف لبناتها وكيفية وأسلوب انخراطهن بمجتمعهن المحيط.

فالفتاة التي تبلغ من العمر أربعة عشر عاماً لا يمكن تحويلها إلى ام دون الأخذ بالاعتبار مرحلة المراهقة وما تمر به الفتاة من اضطرابات النمو والتكوين في شخصيتها وتكوين ثقافتها التي ستنقلها لأطفالها، كلها عوائق في التكوين الطبيعي لشخصية الفتاة في هذا السن المبكرة.

فيما النص القانوني من قانون الأحوال الشخصية يحمل تناقض في مواده فقد حددت المادة (16) أهلية سن الزواج للفتى (18 ) عام و الفتاة (17 ) عام ” إلا أن المادة 18 من نفس القانون تنص: إذا أدعى المراهق البلوغ بعد إكمال الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمال الثالثة عشرة وطلبا الزواج يأذن القاضي إذا تبين صدق دعواهما واحتمال جسميهما. “فيما يختلف تحديد سن الزواج بالنسبة للديانة المسيحية، للذكر 18 سنة والأنثى 15 سنة ويؤذن لهما في غير ذلك إذا كانت الصحة والبيئة تؤهلانهما للزواج” نلحظ في تناقض هذه المواد غبن و ظلم على الطرفين فأهلية انشاء العقد ثمانية عشرة عاماً و من الأهمية أن يقوم عقد الزواج على الأهلية و الرضا حيث نص قانون الأحوال الشخصية على أن سن الطلاق الثامنة عشرة و يحمل فيه مخالفة للاتفاقيات الدولية

1-الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل 1989 التي تقول إن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة

2-إعلان وبرنامج عمل بكين 1995 على الدول الالتزام بإصدار القوانين الصارمة لتحديد السن الدنيا للزواج والرضا بما يتلاءم مع إنسانية الإنسان.

المادة 16 الفقرة ب من اتفاقية ” سيداو “حيث تقول لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أثر قانوني…

لهذا كله نحن بحاجة لتعديل الحد الأدنى للزواج بعمر 18 سنة علما أن العديد من الدول العربية عدلت في سن الزواج ففي المغرب الزواج للطرفين في عمر 18 عام وفي الجزائر للفتى 21 عام وللفتاة 18 عام، وتونس 20 للفتى و17 للفتاة.

لكم الأهم في طرح موضوع الزواج المبكر ليس استعراض النصوص القانونية و الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل و الآراء المختلفة حول من يعارضها أو يؤيدها فيعتبرها البعض ترفاً في ظل ما تعيشه البلاد، وتضرر كافة شرائح المجتمع السوري منها و تركت و ستترك أثاراً سلبية لا يمكن معالجتها بسهولة و تركت شروخاً مجتمعية لن تردم فيما بين أبناء الوطن الواحد لأجيال ولعل القاسم المشترك الذي يجمع أبناء المجتمع السوري هو الشريحة الأكبر  من أطراف النزاع و ألا و هي المرأة السورية المتضرر الأكبر من الحرب العبثية التي تدور رحاها على الأرض السورية مخلفة نساء و فتيات أرامل و معتقلات و مخطوفات و معيلات لأسرهن و ذويهن.

ولعل الزواج المبكر من اهم القضايا التي تدل على الانعكاسات السلبية لقضايا لم يتم معالجتها في أيام الأمن و السلم و كانت عواقبها كارثية في الأيام التي نعيشها الان و ما ستترتب عليه من انعكاسات سلبية على الجيل القادم من أبناء هذه الأمهات.

وفي معرض بحثنا تطرقنا لحالات بعض الفتيات، أو بالأحرى طفلات ومراهقات سُلبت طفولتهن وأحلامهن، و لم ينصفهم نص قانوني ليتركن الان في ظل هذه الحرب ضحايا لتقصير سابق يصارعن من اجل اعالة انفسهن و على ملامحهم تبدوا واضحة غصة لما اقترفه جهل الآباء والفقر.

في حالة سمر الفتاة التي تبلغ تسعة عشر ربيعاً وملامحها الطفولية لا تزال واضحة وهي تحاول أن توبخ طفلها أحمد ابن الأربع سنوات في حيرة واضحة لتعاملها معه، احمد يعاني من نقص أكسجة وزوجها متوفي من سنتين في جوبر ليس لها معيل إلا ما يتصدق الأقارب به. هي المعيل الوحيد لطفلها المعاق، تقول: “لم أكمل دراستي وصلت للصف السادس وتزوجت بعمر الأربعة عشر عاماً وأنا أعيش حاليا مع بيت جدي”.

أما خلود ابنة التاسعة عشر عاماً لا تختلف عن حالة سمر كثيراً، فهي أم لطفلتين الأولى أربع سنوات والثانية سنتين. توفي زوجها من عام ونصف في أحداث الغوطة، كما تقول، وترفض الزواج لأنها لا تريد ان تؤذي طفلتيها. ترغب بالعودة للدراسة لتحصل على الثانوية العامة كي يتسنى لها إيجاد فرصة عمل لإعالة طفلتيها. تعيش حاليا مع أهلها في بلدة بقين بعد نزوحهم من الغوطة العام الماضي.

أما بيان الشابة ذات الثلاثين عاماً فلها قصة أخرى تختلف عن سابقاتها، فقد تزوجت بعمر الثانية عشرة من زوج اختها الذي يكبرها بثمانية عشرة عاماً، تردف قائلة: “لم اهنأ طوال فترة زواجي الاثني عشر عاماً، عانيت كثيراً من الأمراض و عدم الراحة، ولم أرتح إلا عندما توفي زوجي. ليست لي الرغبة أبداً بالزواج ثانية، فأنا أكره كل الرجال. عندما كنت بسن الثانية عشرة كنت أقوم بكل أعباء المنزل مكبوتة لا صوت لي من زوج يكبرني بثمانية عشر عاماً، فأنا أم لخمسة شباب و صبايا هم أبناء أختي و بناتها و أصغرهم ولاء التي كنت ادرس معها في نفس الصف”.

أمام هذه الحالات وما تركته من أثار نفسية سلبية على تلك العينة من الأمهات والاثار المادية والاجتماعية ما الذي تستطيع أن تعلمه هذه الأمهات لأطفالهن الذين سيكونون جيل المستقبل القريب؟

 خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة