Slider
قوائم

قانون حماية المرأة في الشمال السوريّ … رتوشٌ تجميليّة لواقعٍ مرّ

نبال زيتونة

دخل قانون “حماية المرأة”، الذي أقرته الإدارة الذاتية الكرديّة ‏في ‏مناطق نفوذها في الشمال السوريّ، دخل حيّز التنفيذ عام ‏‏2014. ويعتمد هذا القانون ‏مبدأ المناصفة والتشاركيّة في إدارة المؤسّسات كافة. ويقضي ‏بـ “المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في جميع ‏مجالات الحياة، العامة ‏والخاصة. كما يقضي بحقّ المرأة في تشكيل تنظيمات سياسية واجتماعيـة واقتصاديـة ‏وثقافيـة”.

فإذا نظرنا إلى هذا القانون، نجده متقدّماً في ردم الفجوة التي ناضلت المرأة لردمها منذ عقود. وهو أشبه بالقوانين ‏التشريعيّة المدنيّة المعمول بها في أوروبا، كما ويعكس رؤية ‏زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان لدور ‏المرأة.‏

فالتجربة ظاهريّاً تستحقّ التوقّف عندها، باعتبارها نموذجاً مهماً في ‏اعتماد مشاركة المرأة كركيزة أساسية لإدارة المجتمع وتنظيمه، ‏والمساهمة في بناء سوريا ديمقراطية، تصان فيها الحقوق والحريّات، وتحقّق ‏المساواة الكاملة بين المرأة ‏والرجل، كما ورد في نصوص ذلك ‏القانون.‏

لكن، هل نطمئنّ إلى إنصاف المرأة في ظلّ سلطة، صدرت بحقّها عشرات التقارير التي توثّق انتهاكاتها لحقوق الإنسان؟

لقد علّمتنا نُظُم الاستبداد أنّ العتمة لا تولّد إلا العتمة، وما قوانينها سوى رتوشٍ تجميليّة لواقع مرّ. إذ ليس من المنطقيّ أن تأخذ المرأة حقوقها كاملة، في ظلّ سلطة تمتلئ سجونها ‏بمعتقلي الرأي من النساء والرجال، وحتى الأطفال؟!.. فضلاً عن مخالفتها قوانين حقوق الإنسان حيناً، وارتكابها جرائم على أسس عرقيّة أحياناً أخرى.

وما ذلك إلا أسلوب قديم، لفرض رؤية أيديولوجيّة شموليّة، تسلب المرأة حقّها في الاختلاف.

فالمرأة المختلفة أيديولوجيّاً هناك، تعرّضت كما الرجل؛ للاعتقال والتعذيب حتى الموت أحياناً، كما طالها التغييب ‏القسريّ والتهجير.

وفي الوقت الذي تجيز فيه سلطة الإدارة الذاتيّة الحقّ للمرأة بتشكيل تنظيمات سياسيّة ومدنيّة، نجدها تعمل على إغلاق مقرّات الأحزاب السياسيّة الكرديّة، ومنظّمات المجتمع ‏المدني، والمرأة في مناطق سيطرتها بحجة عدم الترخيص حيناً، ولدواعٍ أمنيّةٍ أحياناً أخرى. ‏وقد ترافقت مع حالات اعتقال وخطف، وحرق للمقرّات، في محاولة ‏منها لحظر تلك الأحزاب، والاستفراد بالحكم، حسب الكاتب الكرديّ ‏‏”هوشنك أوسي”. وما ذلك إلا دليل على الاستبداد والفاشيّة التي ‏تمارسها هذه السلطة، كما يرى أوسي.

أما الكاتب والسياسيّ، “أحمد موسى”، فيرى أنّ “سياسة إغلاق المقرّات ‏وحرقها، إنّما للضغط على تلك الأحزاب للاعتراف بالإدارة الذاتيّة ‏وشرعنتها بالقوّة.‏

وقد تمّ إغلاق أكثر من عشرين منظمة مدنيّة، وذلك لدواعٍ أمنيّة ‏حسب زعم سلطة الإدارة الذاتيّة.

أمّا فيما يتعلّق بالحراك النسوي في المناطق الكردية، فلم تكن أكثر من منظمات توعويّة وتبعيّة سياسيّة حسب الباحثة والناشطة الحقوقيّة “ميديا محمود”، حيث فشلت هذه المنظّمات في خلق حراكٍ نسويّ. ‏ويعود السبب برأي ميديا إلى استلاب منظّمات المجتمع المدني عموماً، والتنظيمات النسويّة خصوصاً من قبل الجماعة السياسيّة. وحقوق المرأة جزء من حقوق الإنسان، فمن ينتهك حقوق المرأة، ينتهك حقوق الإنسان. ومن لا يؤمن بالتعدّدية، لا يمكن أن ينظر ‏بعين ‏الاعتبار إلى تنظيمات لا تتبعه إيديولوجيا.

وقد اتّبعت الإدارة الذاتيّة سياسة الأدلجة حتى في العمليّة التعليميّة، إذ استندت هذه العمليّة إلى ثلاث قواعد رئيسيّة، تتصدّرها ‏المتطلبات الأيديولوجية، وثانيها اعتماد اللغة الكردية، والقاعدة ‏الثالثة مرتبطة بضرورات التغيير وإعادة تأهيل البنى التعليمية. وهذا ما ‏أوصى به المؤتمر الثاني لمؤسسة اللّغة الكرديّة، الذي عقد ‏في مدينة عفرين، إضافة إلى ترسيخ النظام ‏التعليمي وفق مبادئ الأمة الديمقراطية، واستناداً إلى فلسفة قائد ‏الشعب الكردي عبد الله أوجلان، ووجوب خضوع جميع ‏الأعضاء للتدريب الأيديولوجي، والثقافي والمسلكي.‏

تجنيد القاصرات

تمنع قوانين حماية المرأة في مناطق الإدارة الذاتيّة تزويج القاصرات، وتعدّه جرماً يحاسب عليه القانون. لكنّها لا تتوانى عن ‏تجنيدهن كمقاتلات في صفوفها، واستقطابهن إلى ‏معسكرات ‏التدريب ‏التي تقيمها بهذا الخصوص، بالترغيب ‏حيناً، ‏وبالإكراه والخطف ‏أحياناً أخرى. ‏على الرغم من إعلانها السنّ القانونيّة للتجنيد ثمانية عشر عاماً..

وكان الناطق باسم هذه القوّات، عزا ‏التحاق ‏القاصرات ‏بالفصائل ‏العسكريّة كمتطوّعات، وليس ‏كتجنيد، ‏لظروف نفسيّة أو ‏اجتماعيّة أو ‏عاطفيّة، أو لقناعات ‏سياسيّة أحياناً.‏

ولاشكّ أنّ هذه السياسة التي تتبعها قوّات الإدارة الذاتيّة في ملفّ ‏القاصرات، تنطوي ‏على تناقضات واضحة. حيث يُمنع تزويجهن من جهة، ‏ومن جهة أخرى يُتاح لهنّ حريّة الالتحاق بالوحدات العسكريّة ‏المقاتلة.

وقد تمّ توثيق عدد من حوادث خطف القاصرات من قبل ‏وحدات ‏حماية ‏الشعب الكرديّة. حيث اختطفت الطفلة “لافا أنور ‏حنان” ‏‏(14 ‏عاماً)، من أمام منزلها في قرية “معراتة” التابعة ‏لمدينة ‏عفرين، ‏واقتيدت لأحد مراكز التدريب التابعة لهم.‏

كما تمّ توثيق تجنيد الطفلة “جيمن 14 عاماً”، تحت ‏تهديد ‏السلاح. ‏وكانت ‏وحدات الحماية الشعبية اعتقلتها من حرم ‏مدرستها ‏‏”خولة ‏بنت ‏الأزور” في بلدة القحطانيّة. كما الطفلة ‏‏”نسرين فصيح ‏‏14 ‏عاماً”، ‏واعتقلت في سوق رأس العين، ‏و‏نقلوها ‏إلى ‏مركز للتدريب خارج المدينة. وأخبروا أهلها أنّ ‏ابنتهم ليست الوحيدة ‏هناك، ‏بل ‏يضمّ المركز آلاف الرفيقات ‏الأخريات.‏

أيضاً الفتاة “روسي مكرمو 13 عاماً” من ‏قرية ‏قولان ‏التابعة ‏للدرباسيّة، واختطفت من مدرستها أيضاً عام 2014.‏

وكانت السلطات نفسها التي منعت زواج طفلة في مدينة الدرباسيّة لا يتجاوز عمرها (16) عاماً، ‏قامت بخطف أختها “‏أفين ‏صاروخان” (11 عاماً)، ‏من ‏أمام ‏مدرستها في ‏المدينة ‏نفسها، وفي وضح النهار.‏

وفي حالات أخرى، يتمّ زواج القاصرات بعد دفع ذويهنّ رشوة ‏ماليّة لمسؤولي الإدارة الذاتية.‏

وقد ذكرت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها لعام ‏‏2015، ‏تحت ‏عنوان “قوّات كرديّة تنتهك حظر تجنيد الأطفال”؛ ‏أنّ ‏وحدات ‏حماية الشعب وقعّت عام 2014، “صكّ التزام” مع ‏منظّمة ‏‏”نداء ‏جنيف” غير الحكوميّة، تعهّدت فيه بتسريح جميع ‏المقاتلين ‏دون ‏سنّ الثامنة عشرة في غضون شهر. لكن رغم ‏الوعود التي قدّمتها، إلا أنّه تمّ توثيق التحاق ‏العديد ‏من الأطفال في ‏معارك 2015، ويبدو أن بعضهم قد قتل.‏

وحسب “هيومن رايتس ووتش”، فإنّ عشرة من بين 59 ‏طفلاً، ‏دون ‏سنّ الثامنة عشرة، قد التحقوا بصفوف وحدات ‏حماية ‏الشعب، ‏ووحدات حماية المرأة خلال عام 2015. وبحسب ‏التقرير ‏أيضاً، ‏فإنّ قوّات “الأسايش” جنّدت عام 2016، اثني ‏عشر طفلاً ‏في ‏صفوفها قسراً. رغم أن قانون التجنيد الإجباري ‏المعتمد لديهم يحدّد السنّ ‏بين ‏‏18 – 30 عاماً، وعلى كلّ عائلة أن ‏تقدّم شاباً أو فتاة. لكن ‏رغم ‏ذلك استمرّ تجنيد الفتيان والفتيات دون ‏سنّ الثامنة عشرة.‏

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش أصدرت ‏تقريراً، طالبت فيه ‏دول ‏التحالف‏ بالكفّ عن ‏التنسيق ‏مع، أو مساعدة الجماعات ‏المسلحة ‏التي تجنّد ‏الأطفال، والتي ‏لا ‏تسرّحهم من صفوفها، وأنّ ‏وحدات ‏الحماية ‏الكرديّة ‏تخرق ‏منذ العام ‏‏2013، ‏جميع ‏التوصيات الدوليّة الخاصة بعدم ‏تجنيد ‏الأطفال.‏

التهجير

لم تتوانَ قوّات الإدارة الذاتيّة عن تهجير المدنيين، وجلّهم من النساء ‏والأطفال، وهدم منازلهم بتهمة مناصرة “داعش”. وقد وثّقت منظمة ‏العفو الدوليّة في تقريرها لعام 2016 – 2017، أن قوّات الإدارة ‏الذاتيّة سيطرت خلال عام 2016، على معظم المناطق الحدوديّة في ‏الشمال السوريّ، وارتكبت عدّة مجازر بحقّ المدنيين العرب في تل ‏تمر التابع لمحافظة الحسكة، وهدمت منازلهم بتهمة مناصرة ‏‏”داعش”. وقد اعتمدت المنظمة على تقرير المفوضيّة السامية للأمم ‏المتحدة لشؤون اللاجئين.‏

وفي تقرير عام 2015 – 2016، أشارت العفو الدليّة إلى أنّ ‏قوّات الإدارة الذاتيّة سيطرت على مدينتي عفرين وكوباني “عين ‏العرب”، وعدّة قرى محيطة بهما، ورحّلت مجموعاتٍ سكّانيّة قسراً ‏من عشر قرىً وبلدات. ومنعت النازحين ‏من ‏العودة إلى ‏ديارهم في ‏بلدة سلوك التابعة لمحافظة الرقة ‏في تموز 2016.‏

وفي تقرير العفو الدوليّة لعام 2015، وهو بعنوان “لا ‏مكان ‏نذهب إليه”؛ ذكرت المنظّمة أنّ قوات الإدارة الذاتيّة أحرقت ‏قرىً عربيّة وتركمانيّة شمالي ‏سوريا، وأجبرت سكّانها، وغالبيّتهم ‏من النساء والأطفال، على ‏المغادرة تحت التهديد بالقتل. واعتمدت ‏المنظّمة في تقريرها على ‏صور ملتقطة من الأقمار الصناعيّة، ‏وشهادات سكّان محليين وشهود ‏عيان. وقد صنّفت المنظّمة هذه ‏الإجراءات في إطار “الإبادة ‏الجماعيّة”، و”التطهير العرقيّ”.‏

وكانت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، أشارت إلى أن الانتهاكات الواسعة لقوات الإدارة ‏الذاتيّة ‏في ‏المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي ترافقت في بعض ‏الأحيان ‏مع ‏صبغة عرقيّة، أدّت إلى فرار عشرات الآلاف من ‏سكان ‏تلك ‏المناطق.

كما وثق تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام ‏‏2016، قتل أعداد من المدنيين بينهم 43 امرأة و51 طفلاً، على ‏يد قوات حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات الإدارة الذاتية.‏

وقدم التقرير إحصائية للمعتقلين لدى قوات حزب الاتحاد ‏الديمقراطي وقوات الإدارة الذاتية الكرديّة، التي بلغت ما لايقل ‏عن 1651 شخصاً، بينهم 111 طفلاً، و88 سيدة، بينما بلغ عدد ‏الضحايا بسبب التعذيب ما لايقل عن 16 شخصاً.‏

وأكد التقرير أن الإدارة الذاتية انتهكت وعلى نحو ‏واسع ‏القانون الدولي لحقوق الإنسان لسكان يقبعون تحت ‏سلطتها ‏العسكرية، عبر عمليّات الاعتقال التعسفيّ والتعذيب، ‏ومارست ‏انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي عبر عمليات ‏القتل خارج نطاق القانون، ‏والتعذيب والتشريد القسريّ، ونهب ‏الممتلكات، والقصف العشوائي، وهي ترقى إلى جرائم ‏حرب.‏

‏العنف ضدّ المرأة والاغتصاب

وفيما يخصّ حالات العنف والاغتصاب، فمن المفروض أن تظهر على الأرض نتائج تطبيق قانون حماية المرأة بتخفيف هذه الحالات وصولاً إلى إنهائها. وكان مجلس “العدالة الاجتماعية” التابع للإدارة الذاتية، وثق ‏ ‏‏213 حالة عنف ضد المرأة خلال عام 2017، في محافظة ‏الحسكة الخاضعة لسيطرتها شمالي شرقي سوريا.‏ وصلت 160 حالة منها إلى المحاكم. كما وثّق 30 حالة زواج ثانية، و‏‏13 حالة زواج قاصرات، وثلاث حالات عنف جسدي، وسبع حالات ‏اغتصاب، في حين لم يتحدّث عن تجنيد القاصرات..‏

أمّا منظمة “سارا” لمناهضة العنف ضد المرأة، والمساواة بين ‏الجنسين، فقد سجّلت أكثر من (4000) حالة عنف ضد المرأة في ‏مناطق الإدارة الذاتيّة الثلاثة (الجزيرة وكوباني وعفرين). توزّعت ‏بين القتل، والانتحار، والتحرّش والاغتصاب، وتعدّد الزوجات، ‏وزواج القاصرات. لكنّها أيضاً لم تأتِ على ذكر تجنيد القاصرات لا ‏من قريبٍ، ولا من بعيد.

وأخيراً، لابدّ أن نقول؛ أنّ سلطة الأمر الواقع “الإدارة الذاتيّة”، لا تستطيع سنّ القوانين لعدم شرعيّتها، إذ تستوجب الفيدراليّة نصّاً دستوريّاً لإقرارها وتطبيقها. ولا عجب أن يكون القانون مطوّعاً لخدمة أجندتها، فهي المالك الحصريّ والوحيد لكلّ ما هو تحت سلطتها!

خاص “شبكة المرأة السورية”

المادة تعبّر عن رأي كاتبتها

اترك رد

مواضيع ذات صلة