Slider
قوائم

في تراجيديا اللا حرب واللا سلم في خريف سورية 2018

غالية الريش

يسود مناخ ضبابي وسديمي، سورية الجريحة، المعذبة، التي ما أن تنتهي حرب في ربع من ربوعها حتى تبدأ حرب أشد وأقسى وسط تجاذب وتنافر القوى الإقليمية والدولية المشاركة في الحرب على / وفي سورية التي يتعزز حضورها وخفوت صوتها تبعاً لمجريات الميدان، أو تمهلاً في انتظار تسوية تاريخية تصيغ سورية مابعد صيغتها القديمة ( سايكس بيكو والنظام الاستثنائي الذي تمخض في نهاياته) إلى صيغة تعكس موازين القوى الجديدة وخاصة المحيطة منها، وهو ما يعتبر  تبدلا نوعياً. فذاك الكيان الذي تمخض عن صيغة سايكس بيكو في لحظة انهيار الامبراطورية العثمانية، نرى اليوم مشهد نهاياته، وتبلور مشروع كيان  في خضم صراعات عالمية مستجدة لاتعكس حضور القوى  الاستعمارية القديمة وأوزانها، بل يشهد قدرة قوى إقليمية ودولية فاعلة : تركيا- ايران- روسيا الصاعدة – اسرائيل ” في وعي حسابات تلك القوى الاقليمية والدولية، وأيضا وسط تراجعات بينة  للهيمنة الأمريكية على المنطقة، لم تصل إلى درجة الإنحسار، رغم كل المحاولات الترامبية وحلفاءه في المنطقة لاستعادة توازن تلك الهيمنة وترسيخ مقومات وجودها.

في سوريا اليوم وسط محاولات النظام الحثيثة لاستعادة سيطرته على مناطق شاسعة من سورية، تستغرق البلاد حالة من اللا حرب واللا سلم القلق التي بمقدور أي حالة “لاسلم” أن تتحول بعدها إلى حرب ضارية بأبعاد دولية وإقليمية، ما يعني درءاً لكل تفاؤل زائف أن قطار الحل السياسي لم يصل بعدُ إلى محطته الحاسمة في ظل تضارب الصيغ والأولويات بدءاً من التحضيرات لصياغة دستور جديد يحمل أفخاخاً لاحصر لها من التعقيدات والمماطلات والغموض، الذي يتوخاه حلفاء النظام من الروس والإيرانيين.

وفيما يبتعد شبح المعركة الكبرى عن محافظة إدلب على ضوء التفاهمات التركية-  الروسية والتنسيق العسكري والأمني المشترك، تسود أجواء من الخلافات والفوضى داخل فصائل المعارضة بصدد الاتفاق توافقاً أو رفضاً مع ضغط الوقت الذي يمر ثقيلا عليهاً،  يفضي لتحقيق مفاعيل الاتفاق على الأرض وتكريس منطقة منزوعة السلاح تسعى كل الاطراف من خلالها لتأسيس نواة وخميرة حلّ سياسي قادم بناء على الاعترافات الحاسمة في موضوعية وجود القوى، وتبادل المصالح وهو مايسعى الروسي اليوم لتحقيقه رغم الخسارات المريرة التي يتعرض لها والتي كان آخرها سقوط طيارة تابعة له فوق البحر الأبيض المتزسط وقتل 14 ضابط وعسكري روسي، وهو ما أدى إلى أزمة سياسية بينه وبين اسرائيل على خلفية الحادث، كما على خلفية الكثير من الاختراقات الاسرائيلية للأجواء السورية التي صارت موسكو اليوم تعتبرها ضمن مجالها الامبراطوري حكماً. وصولا إلى عودة الصخب مجدداً بخصوص مشاريع إعادة الإعمار، فيما أصدرت السلطات السورية قراراً جمدت من خلاله أي عملية لإعادة ترميم البيوت أو إصلاحها أو حتى بنائها في منطقة الغوطة الشرقية، -وذلك بحسب ما أشار به أحد سكان مدينة حرستا الذي قرر العودة إلى منزله المدمر بنسبة 70% والذي منعته من البناء، و وصل ذلك لتهديده بهدم ما سيتم تعميره بحجة  أن الحكومة أصدرت قرارا جمدت به حركة هذه المناطق لتنفيذ خططتها المرسومة على الورق-  تعمل ماكينات إعلامها على تقديم صورة عن واقع مغاير يشي أن الحرب على أبواب نهاياتها، وأن سلام الأمس” الكاذب”، أي ماقبل 2011 سيعود، وأن ورشة إعادة الإعمار تتأهب للإقلاع  وهي التي تحتاج لدهر من العمر لتنفذ، في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراكدة، ما فتح الباب أمام دخول سماسرة عقارات الذين يحاولون شراء البيوت من الأهالي، بأسعار زهيدة جداً، فالمنزل المهدم بشكل كامل أقل من 5 مليون ليرة سورية سواء كان طابق أو أكثر ولا يتعدى 7 مليون ليرة سورية في حال كان متهدماً بشكل جزئي ليتم التعاقد مع السمسار من دون معرفة المشتري الحقيقي للعقار، ما جعل الشك يحوم حول العديد من رجال الأعمال في البلد، والذين يدفعون هؤلاء السماسرة لشراء المنازل لصالحهم، وبالتالي يتم استغلال حالة المدنيين لعدم قدرتهم على إعادة ترميم منازلهم  نتيجة ضعف قدراتهم المالية.

مصدر حكومي يؤكد وجود شركات أجنبية أعدت العدة وتنتظر الموافقة للبدء بعملية الأعمار في بعض المناطق السورية، لافتاً إلى وجود العديد من الاجتماعات التي عقدت في لبنان ودبي من قبل رجال أعمال ومستثمرين سوريين بتوجيه حكومي، من أجل جذب الشركات العالمية.

وبحسب المعلومات الواردة في التقرير الاقتصادي الصادر عن محافظة ريف دمشق والذي نشرته صحيفة ” الأيام”، فإن عدد المنازل المدمرة في ريف دمشق بشكل كامل 500 ألف منزل، و400 ألف منزل بشكل جزئي، فضلاً عن تضرر البنية الأساسية لـ 350 ألف منزل، وأضاف التقرير أن النصيب الأكبر من عمليات التدمير تركزت في المناطق غير الرسمية، التي يعيش فيها الفقراء

وبين خبراء اقتصاديون، أنه لغاية تاريخه لا يوجد رقم محدد وموثوق أو معتمد رسميا أو متفق عليه، حول التكاليف المادية لعملية إعادة الإعمار في سورية، مؤكدين أن الأضرار والخسائر تتزايد كل يوم بمبالغ كبيرة طالما الأزمة مستمرة ولم تنتهِ، علماً أن التقديرات التي يتم الحديث عنها تتراوح بين 80 و220 مليار دولار.

يقول الاقتصاديون، إن التكهنات لإنجاز عملية إعادة الأعمار تحتاج إلى ما بين 5 سنوات – 15 سنة، وأنه في حال كان عمل اللجنة المكلّفة من قبل الحكومة هو الكشف عن الأضرار في الجملة الإنشائية للأبنية، فذلك يقع على عاتق لجان فنية متخصصة مشكّلة من نقابة المهندسين، لأنها الوحيدة المخوّل لها بالقانون مزاولة المهنة الهندسية لتقييم سلامة المنشأة، ويجب أن يشارك تلك اللجنة اختصاصات هندسية أخرى تقيّم بقية الأضرار التي تصيب البنية التحتية والأبنية السكنية، لذلك فمن المتوقع أن تكون اللجان المشكلة ليست لجانًا مثالية تعمل بشكل كامل على تقييم الأضرار من جميع النواحي، كما أن لجنة واحدة لا تكفي لمسح منطقة كالغوطة الشرقية، بل تحتاج المنطقة إلى عشرات اللجان.

وبقدر مايبدو التلفيق واختراع الوقائع لصالح سردية إعلامية تتضمن  سلاسة ويسر العودة للنازحين واللاجئين السوريين من بلاد المغترب أو المحيط، من لبنان والأردن وتركيا، تتراجع إدارة النظام لهذا الملف الحساس لتكون بإشراف روسي، باعتباره الضامن – هل نقول الوصي؟- أيضا على القرار السوري  مايدحض ادعاءات النظام وإعلامه الديماغوجي والكاذب على حد سواء بدعاوى الاستقلالية والقرار الوطني المستقل.الروس من جهتهم يفرضون على السلطات السورية صفة الإلزام في تطبيق توجهاتهم، مايشير بوضوح إلى الدور الوظيفي المنوط تحقيقه في دائرة الاستراتيجية الروسية في سياق إطباق هيمنتها على الملف السوري بكل أبعاده ومستوياته.

فرادة المشهد السوري تنبئ بكثير من التطورات الخصبة والقلقة على حد سواء، ما يضع موازين اللا حرب واللا سلم بالتقابل من جديد وسط انهيار اقتصادي وداخل يتآكل ببطئ وسلطة تفترس مواطنيها، وتحافظ على من تبقى، منهم فقط… لتحطيمهم.

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة