Slider
قوائم

فقر دم

د. صباح ضميراوي

عادت “مرام” إلى  بيت أهلها بعد أن فقدت زوجها الذي اعتقل على أحد الحواجز عندما ذهب لإحضار رواتبه المتراكمة لعدة أشهر بعد أن فقد الأمل بإيجاد عمل لإعالة زوجته وأولاده الأربعة الصغار وحاجتهم الماسة لمورد يقيهم الجوع والبرد. وبدأ شريط الذكريات يمر أمامها، تذكرت عندما تركت المدرسة وهي في الصف السادس لأن المدرسة في القرية المجاورة وأبوها لا يقبل ان تذهب إليها كل يوم، تذكرت كيف منعها فيما بعد أخوها أن تذهب عند خياطة أمها لتتعلم عندها مهنة الخياطة لأنه لايقبل أن تذهب لوحدها كل يوم وبيت الخياطة بعيد عن بيتهم،  ولذا لم يكن أمام أهلها إلا أن يقبلوا بأول متقدم لها، لأن الزواج سترة للبنت، كما يقال، أولاً وراحة للأهل من مصروفها ثانيا، ولذا  وبسبب الفقر والحاجة، زوجوها وهي في الخامسة عشر قبل أن تكمل تعليمها أو تتعلم أي مهنة تكون سنداً لها في مثل هذه الأيام. جاءت  بأولادها الأربعة لبيت أهلها والكبير فيهم عمره تسع سنوات، وعادت إلى بيت أهلها والذي كان عبارة عن غرفة كبيرة واحدة، ومطبخ صغير تتحول عتبته إلى حمام  كل أسبوع يتناوب  عليه أهل البيت جميعاً.

وفي إحدى الليالي، و بعد أن نامت  الأرملة مرام، التي تشاطر أبويها  السكن مع أطفالها الأربعة، قالت الأم للأب: “وضعك الصحي لايعجبني، أنت تزداد نحولاً يوماً بعد يوم، والسعال يرافقك كل ليلة بسبب الدخان اللف الثقيل الذي تدخنه بشكل كبير. عليك الذهاب لرؤية الحكيم، وبأسرع وقت، فالله قد خلق الداء وخلق له الدواء أيضاً. ثم إذا بركت في الفراش لا سمح الله فلن نجد من يسأل علينا أويدق بابنا ليعطينا ولو ربطة خبز، فأولادنا فقدنا اثنين منهما، الأول بالتفجير الذي ألم بمكان عمله بالمنطقة الصناعية المكتظة بالعمال، والثاني الذي مات بسبب رصاصة طائشة عندما كان جمع من الشباب يتقاتلون في سوق الخضار في العام الفائت. أما البقية فهم موزعون في بلاد الغربة، فداء الإبنة الكبرى مع زوجها وأولادها في هولندا، بعد أن عانت ماعانته بعد أن فقدت ابنها البكر الذي استشهد في إحدى المعارك وهو لم يبلغ السابعة عشرة من العمر، وفاتن مع زوجها وأولادها في تركيا، التي لجأوا إليها بعد أن  تم قصف مدرسة أولادها وحرمانهم من التعليم، ولا أعتقد أنها ستعود بعد أن حصلت على الجنسية هناك وأولادها ينعمون بمدارس مثالية. أما جمال والذي يعمل في أحد مطاعم اليونان بعد أن علق هناك ولم يستطع  العبور إلى  أوروبا في قوارب الموت ولا العودة إلينا حيث ترك أولاده مع امهم عند أهلها ينتظرون الفرج من عند الله كي يلحقوا به، والأمل ضعيف بذلك”.

استمع الأب لكلام زوجته وقال لها بعد صمت طويل: “أنت أدرى بوضعنا وحالتنا، وتعرفين أيضاً أنه ألا  قدرة لي  على الدكاترة وما يتطلب ذلك من تحاليل وأدوية وسواها”. وأنهى حديثه بأن الله وحده الشافي والمعافي وعليه الإتكال. لكن الأم  ومن خوفها عليه أصرت أن يذهب عند الطبيب لتطمئن على وضعه الصحي، وحسمت الأمر بأن تأخذه مهما كلّف الأمر. وفي اليوم التالي بحثا عن مستوصف حكومي فلم يجدا لأن القصف كان قد سبقهم إليه ولم يتم ترميمه أو تأهيله حتى الآن، حتى الأطفال بسبب تدميره حرموا من اللقاحات الضرورية لهم، ولذلك لم يكن هناك بد من الذهاب الى عيادة أحد الأطباء حيث يقيمون، والذي حول إحدى غرف منزله الخاص إلى عيادة له، من جهة يوفر أجرها، ومن جهة أخرى يتلافى مصروف الطريق ومخاطره.

شرحت الأم للطبيب حالة زوجها،t وبعد أن فحصه  جيداً واستمع إلى نبضات قلبه وقاس حرارته وبحلق في لسانه وحلقه وعينيه وأذنيه وقام بقياس ضغطه،  طلب له بعض التحاليل الضرورية، بعد أن أكد له أن حالته ليست خطيرة، وعلى الأغلب، قال الطبيب : “معك فقر دم وضعف عام، وسأكتب لك بعض الفيتامينات والمقويات، ريثما تأتيني بنتيجة التحاليل، صحيح أن ثمن الأدوية  مرتفع بعض الشيء، لكنها ضرورية لك. وطبعا عليك الاهتمام بتغذيتك أكثر، عليك تناول اللحم الأحمر والفروج والسمك والخضار، إضافة إلى اللبن والحليب والبيض، والإكثار ما استطعت من الفواكه، وإلا الدواء وحده لا يفيد”.

نظر الأب النحيل إلى الطبيب وقال بسخرية مريرة : “يا دكتور، أنا  لو كنت أستطيع أن  أشتري كل هدول، ما كنت شفتني عندك”. ثم غادر والأم  العيادة والوصفة الطبية ماتزال في يد الطبيب، وكذلك وصفة التحاليل.

في الطريق لم يفتح كل منهما  فمه بحرف واحد، وحين وصلا إلى البيت وجلس كل في مكانه، حضرت مرام وسألت ماذا قال الطبيب لأبيها، أجاب  الأب  بعد صمت طويل: “مبسوطة أمك؟ ارتاحت الآن ؟ الألفين وخمسمائة ليرة اللي اخدهن الحكيم كانوا عايمين على قلبها؟ لأ وشو … طلب تحاليل كمان  وأكيد بدها ألفين وخمسمائة كمان”.

اطرقت الأم  برأسها. فعاد يسألها : “ليه ماعم تردي؟ كأنك خرسا، ولا  هلق خرستي؟ انطقي، أسمعيني صوتك”. وتحول الموضوع إلى شجار بينهما وبدأت الأم بالبكاء الشديد، وانهمر الدمع على خديها الشاحبين أيضاً.

وعندما رأى الحالة التي وصلت إليها، اقترب منها وضمها إليه  وبدأ  يمسح بكفيه دمعاتها وهو يتمتم  بصوت مكسور حنون: “لا تبكي يامرا. يلعن ابو الألفين وخمسمائة ليرة، يلعن أخت المصاري. والله دمعتك عندي أغلى من الدنيا ومن مال الدنيا”.

تمتمت الأم  بكلام غير مفهوم . لكنها كانت تريد أن تقول مافحواه : “إن الدمعة هي الراحة الوحيدة التي يحصل الفقراء عليها بالمجان. ثم فاضت عينا الجميع بالدموع وانهمروا في بكاء شديد.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة