Slider
قوائم

فرجينيا وولف … أمامك أيها الموت، لن أستسلم

محمد الأعسر

فرجينيا وولف، روائية إنجليزية شهيرة، معروفة برواياتها اللامعة التي يقول عنها كثير من النقاد إنها من أبرز الوجوه في القرن العشرين. تعلمت منزليا من خلال مكتبة والدها فقط. ولدت عام 1882، وفي عام 1912 تزوجت من الناقد والمتخصص في علوم الاقتصاد ليونارد وولف، وقاما بتأسيس دار نشر هوجارت برس عام 1917. وكان بيتهما مزارا لكثير من الكتاب والنقاد والفنانين.

كان هم فرجينيا الأساسي في البداية أن تمثل ذلك التدفق الذي يسري في التجارب البشرية، ولم تركز على نمو العقدة أو التشخيص في رواياتها بل ركزت على الأفكار والمشاعر فيما عرف بعد ذلك بظاهرة “تيار الوعي” وتعتبر هي أول من أسست لهذه الظاهرة الأدبية.

تعتبر روايتها “الأمواج” أبرز أعمالها الروائية، حيث يرتكن السرد فيها على الشعر والرمز والصور البصرية. من رواياتها “الخروج للنزهة” (1915)، “النهار والليل” (1919)، “غرفة يعقوب” (1922)، “السيدة دالاواي” (1925)، “المنارة”(1927)، “الأمواج” (1931)، “السنين” (1937)، “وآخرها “بين فصلين” (1941).

ظلت فرجينيا تعاني من اضطراب عصبي ذهني فترة طويلة منذ 1895 حتى 1915، وقامت بإغراق نفسها في النهر عام 1941 بسبب خشيتها من انهيار عصبي قد لا تشفى منه. وقام زوجها بعد وفاتها بتحرير معظم كتبها.

طفولة وحشية

في طفولتها كانت فرجينيا وولف تصطاد الفراشات بعنف وقسوة، ومع إخوتها وأخواتها كانت تلطخ جذوع الشجر بعسل السكر لجذب واصطياد الحشرات ثم يدبسونها كالجثث على فلين بالورق وأجنحتها مفرودة. كانت هذه هوايتها التي تصر عليها في فترة بلوغها، وحينما اكتشفت أحد رفاقها يهوى ذلك كانت تصطحبه معها في الحقول حول “لونج بارن” في مدينة “كنت” التي تبعد ميلين عن مدينة “نول”، مسقط رأس أمها.

في أحد المرات عند الظهيرة، كانت تهيم على العشب الطويل بالشباك في يدها حيث لم تكن اصطادت شيئا، توقفت فجأة كمقاتل بدائي يتكئ على رمحه، ثم قالت لرفيقها “هذا الحيوان يبدو كأنه يتصرف كطفل”. رد رفيقها مأخوذا “فرجينيا، أنت التي تتصرفين كالطفل”

يبدو أن باعثها على ذلك هو تكوين تلك الصورة التي ظهرت لبطلها “جيمس” في روايتها “المنارة”. رد رفيقها “لكن، هل كنت سعيدة وأنت طفلة؟” ولا تنتظروا الإجابة فمعظم رواياتها سجلت مراحل طفولتها كما لم يفعل كاتب من قبل. كانت طفولة تعيسة ومضطربة.

وصف ما سيحدث

ماتت أمها وهي في الثالثة عشرة، وكذلك أختها غير الشقيقة وهي في الخامسة عشرة، وفي عمر الثانية والعشرين فقدت أباها، وبعد عامين فقدت أخاها توبي ثم أصيبت إحدى أخواتها غير الشقيقات بلوثة واحتجزت في مستشفى عقلي.

أما فرجينيا نفسها وهي لا تزال صغيرة بعد كانت تعاني من نوبات حادة من الاكتئاب المزمن، وربما الذهان العقلي. كما اغتصبها أخوها غير الشقيق وهي في سن صغيرة للغاية ليفهم تلك المشاعر البدائية التي تنتاب الصغار نحو اللذة. نتج عن هذه السلسلة من النكبات خلل كبير في فترة الشباب. لكنها كانت في منتهى الشجاعة والمرونة وحب المغامرة.

وقد كشفت في خطاباتها ويومياتها المبكرة عن متاعبها أكثر مما فعلت في كتابتها عن ذكرياتها الأخيرة. لقد كبرت بصورة ناضجة، ورغم أنها لم تكن ناجحة في المجال الاجتماعي، إلا أنها كانت موهوبة في تكوين الصداقات منذ بدايات عمرها والتي حولتها جميعا إلى مادة للكتابة بخبرة كلماتها الخصبة. في إحدى المرات التي اصطادت فيها الفراشات قالت “لا شيء يحدث في الواقع حتى أصفه، ويرتاح الألم وتتضاعف البهجة بتسجيل ما سوف يحدث.”

كانت شخصا يحب الركون للبيت، وتعشق الخريف أكثر من الصيف، وتسعد كثيرا بوضع يديها على مدفأة بها كتل الخشب، وكانت كثيرة الكلام، حديثها عميق ويبدو في صوت رقيق كالأغنية. وحينما تستغرق في الكلام ترمي بشعرها للوراء بعيدا عن جبهتها وكأنها تسمح لعقلها بالركون إلى الوضوح. أو تضع يدها تحت ذقنها وهي تتأمل الحياة في تعجب وكثير من الدهشة.

لم تكن جميلة، لكن كان لها مذاق الطفولة في محياها والذي كان يمنحها طعم الجمال. لم تكن فرجينيا تتأنق في ملبسها، ويبدو مظهرها دائما أقرب إلى الطبيعي، فقد كانت تكره الماكياج أو تجريب الملابس في المحلات، وتشتري الملابس الفضفاضة، غير اللافتة للنظر.

هل زوجها متهم؟

من ذكرياتها التي كتبها أحد رفاقها عنها تلك الزيارة التي قامت بها راقصة الباليه ليديا لوبوكوفا وزوجها حيث قابلتها فرجينيا وزوجها ليونارد. دار النقاش حول أشياء كثيرة، وبصورة حميمة، وكانت فرجينيا تجلس جنب المدفأة، فنهض زوجها ليونارد فجأة من كرسيه ولمسها برقة على الكتف.

دون استفسار أو احتجاج تبعته خارجة من الغرفة، ثم غابا لمدة ربع الساعة، ولم يعلق أحد عليهما وقت أن عادا. لقد كانت فرجينيا تتجاوز حدود العقل أحيانا، وحين يلاحظ زوجها أي شيء غير عادي كان يأخذها بهدوء ويهدئ خواطرها.

وهذا يعكس صورة مختلفة عما كتبته عنها بعض الناشطات من جماعات “النسوية”، التي اتهمت زوجها بإهمالها كثيرا، وبأنه هو الذي دفعها للانتحار. تركت فرجينيا ثلاث رسائل صغيرة بعزمها على الانتحار، ويعتقد أنها كتبت جميعا في نفس اليوم الذي انتحرت فيه، وهي محفوظة كلها الآن في المكتبة البريطانية.

ويمكن لنا أن نستنتج من قراءة هذه الرسائل أنها حاولت قتل نفسها بداية في 18 مارس 1941، أخبرت زوجها ليونارد أنها وقعت صدفة في مصرف ممتلئ بالماء، وهو لم يعثر يومئذ على إحدى هذه الرسائل التي قررت فيها عزمها على الانتحار ولم يشك في شيء يومها.

أسمم حياتك

تقول آخر رسالة: “عزيزي، أحس أني سأجن ثانية، وأحس بأنني لم أعد أطيق الاستمرار مع هذه الحياة المفزعة التي نحياها. وأظن بأني لن أشفى هذه المرة. لقد بدأت أسمع أصواتا ولا أستطيع التركيز. ولهذا فقد قررت أن أفعل ما أرى أنه أفضل شيء.

“أنت منحتني أكبر سعادة ممكنة، وكنت تبذل كل ما في وسعك للتخفيف عني. ولا أعتقد أنه كان يوجد اثنان أكثر سعادة منا حتى حلت هذه الكارثة. لا أستطيع المقاومة أكثر من ذلك. وأعرف أنني أسمم حياتك حتى أنك بدوني ستعيش أفضل. وسوف تفعل ذلك كما أعرف. ترى أنني لا أكتب حتى هذه الورقة بالصورة الصحيحة الواجبة. فأنا لا أستطيع القراءة.

“ما أريد أقوله هو أنني مدينة لك بالكثير من السعادة التي حاولت أن تمنحها لي طيلة حياتي معك. لقد كنت شديد الصبر معي وعطوفا للغاية. أريد أن أقول ـ كل امرئ يعرف ذلك. ولو كان هناك أي امرئ حاول أن ينقذني فهو أنت. لقد راح مني كل شيء عدا تصرفك اللطيف معي بالتأكيد. ولا أستطيع أن أواصل إفساد حياتك من بعد.”

بعد كتابة هذه الرسالة عاشت فرجينيا عشرة أيام، وضمن يومياتها استمرت تكتب حتى 24 مارس، ولم تكن هناك أية لمحة حتى لما تنوي أن تفعله أو تقصد القيام به. كتبت خطابا شبيها لأختها فانيسا، لكنها أخفته مع خطابها لزوجها ليونارد، لتظل الأمور هادئة وعلى ما هي عليه.

ورغم أن ليونارد كان على وعي كامل أنها على شفا حفرة من الانهيار العصبي، إلا أنه فكر إن كان قد تصرف معها بما يسيء أو ضايقها، أو قام بأي تصرف ولو عابر فهمت منه أنه يهينها. وحاول إقناعها مرارا أن تذهب لاستشارة الطبيب في برايتون يوم 27 مارس قبل يوم من انتحارها.

لكن تلك الاستشارة لم تترك أي أثر يذكر على حالتها التي كانت تتدهور بصورة خطيرة. وفي نفس اليوم أيضا كتبت رسالة إلى جون ليمان تخبره فيها ألا ينشر روايتها “بين فصلين”، قالت له فيها “إنها سخيفة وتافهة”.

شجاعة موت

في صباح الجمعة 28 مارس 1941 ذهبت كالمعتاد إلى كوخها في الحديقة وقضت بعض الوقت هناك بمفردها، كتبت هناك رسالة أخرى لكنها قصيرة هذه المرة إلى زوجها ليونارد، كررت فيها تلك الأحاسيس التي كتبتها في الرسالة الأولى.

تركت الرسالة في الكوخ ثم أخذت رسالتيها الأخريين للمنزل ووضعتهما بحيث يتمكن ليونارد من العثور عليهما. وفي منتصف النهار تقريبا سارت حوالي نصف ميل إلى نهر “أوز” وملأت جيوب معطفها الفرو بحجارة كبيرة، ثم ألقت بنفسها في الماء. ورغم أنها كانت تستطيع السباحة بصورة ممتازة إلا أنها كفت عن أداء أية حركة يمكن أن تنقذها. وكانت ميتة فظيعة.

حين اكتشف ليونارد رسائلها فتش على طول ضفة النهر لكن لم يستطع أن يعثر على أي أثر لجثتها تطفو مع التيار. أدرك أخيرا ما حدث. وكتب ساعتها يقول “لا أتمنى أن أرى في الصحف أو أسمع في الإذاعات ذلك الشيء الفظيع الذي حدث لفرجينيا…”

لم يتم العثور على الجثة سريعا حيث أن التيار كان قد أخذها لبعيد، لكن بعد ثلاثة أسابيع عثر بعض الصبية على شيء اعتقدوا في البداية أنه جزء طاف من شجرة مليء بالأعشاب، ثم اتضح لهم الأمر بعد ذلك، ولا يبتعد المكان الذي وجدوها فيه كثيرا عن البقعة الذي قامت بإغراق نفسها فيها.

بعد استجوابات من الشرطة، تم إحراق جثتها في برايتون وكان زوجها هو الوحيد هناك الذي قام بذر رمادها في حديقة رودميل، وكتب على شاهدة القبر آخر الكلمات التي كتبتها في روايتها الشهيرة “الأمواج”: “أمامك سوف أقذف نفسي غير مقهورة، أيها الموت، ولن أستسلم!”

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة