Slider
قوائم

غول الشرق

منتهى شريف

الرِّياح الصَّفراءُ عَصَفَت, مباغتةً البيادر والبيوت، والعتمة الكالحة أكتست الدروب، فتناثر الهلع والرهبة، ولا من بصيص نورٍ يُؤنس الوحشة هناك.

وقفت سلمى أمام العليَّة تحدِّق باتجاه الشرق, حيث حدود القرية الممتدة باتجاه لا متناه مع البادية. كانت الشمس بدأت تشرق بقرصها الأرجواني, وخيالات غريبة تتزاحم معها, لتمتزج بألوان الشفق الحزين. عادت لذاكرتها تلك اللحظات جواب جدتها على سؤال طفولتها الملّح:

  • “وين بتروح الشمس ياستي؟”

وقبل أن تجيبها الجدة وتبدأ بحكايتها، أتاها صوت جدها ساخراً: “بياكلها الغوولّ!”

نجح يومها كلامه بإخافتها, وبيدٍ مرتجفةٍ أمسكت ثوب جدتها, واختبأت بحضنها مرعوبة ًتراقب الغروب الذي أصبح بالنسبة لها وداعاً ثقيلاً، وبقي شروق الشمس كفيلاً بإزاحة ثقله عن روحها.

بقيت تراقبُ شروقَ الشمس لسنوات, فتنهض كل صباح, راكضة للنافذة, لتطمئن بأنها نجت مجدداً من أنياب الغول.

الجدة التي  ناهزت بعمرها الثمانين, بقيت على عادتها تجلس بنفس المكان وبعينيها الضيقتين تراقب المدى الممتد أمامها, وسلمى التي أصبحت معلمة لازالت معلقة بثوب جدتها. وفي كل مرة تسألها نفس السؤال: “ليش بعدك قاعدة هون ياستي؟”

تردعليها مبتسمة: “عم أحرس لك الشمس من الغول.”

الجدة الثمانينية وحدها رأتهم يعبرون باكراً إلى التَّلة مع الكثير من العتاد. ظنَّ الجميعُ  أنَّها تهذي, عندما نبهتهم قائلة: “خايفة يهجموا بالليل, لازم تحرسوا القرية مليح.”

أهل القرية البسطاء, الذين خذلتهم الأرض بتصحرها وباتوا رهناً للسفر والهجرة  والعمل غير المستقر, كانوا مشغولين بتعداد خيباتهم, ولم يستمعوا   لكلامها وسخروا منها, غير مكترثين, فالسلطات التي أحضرت أولئك (الإرهابيين), وساعدتهم بالاستقرار جانب القرية أكدت لهم  أنه ما من خوف منهم.

كان هؤلاء الغرباء  استطاعوا أن يبنوا علاقة مع “أبو ياسر”،  أحد تجار  القرية, فأمن لهم كل ما يحتاجونه لقاء أضعاف ثمنه الحقيقي وساعدهم أن يستقروا هناك.

عندما رأته الجدة قبل أيام يعبر عائداً من التّلة, أوقفته فجأة بعكازها, وقالت منبهةً: “الذئب لما بيهجم لا يميّز بين الغنم يا أبو ياسر!”

قال لها يومها ساخراً: “ما عاد في ذئاب, لا تخافي.”

أجابته مبتسمة: “لكن هناك غول مختبئ داخل كثيرين.”

يومها فر هارباً من نظراتها ونعتها: بـ”الخرفانة”.

كانت نوافذ القرية وأبوابها المتعددة, كالعادة مشرعة للريح. وحدها العصافيرُ وكلام الجدة من أنذر بالكارثةِ, فالأرض التي كانت  تَهتزُّ تحت أقدامهم، والغبار المتناثر كغيمةٍ من بعيد, كلها تكاد أن تكون إشارات لم يكتشف سرها سواها.

قبل الهزيع الأخير, استيقظوا على صوت غريب للطيور, كان يشبه النحيب!

هرعَ  أبو جواد  للاطمئنان على عصافيره, لكن التيار الكهربائي قُطع فجأة، وعندما وصل لباب الحظيرة,  فوجئ  ببنادقهم فركض للاختباء بالداخل, وما هي إلا لحظات حتى سُمع  صوتُ الرصاص, فتناثر الريش والدم  بالمكان .

تسللت زوجته لتتصل بالجيران، لكن شبكة الاتصالات أيضا كانت معطلة، وكأن كل شيء مخطط لذلك الموت الأسود.

أولئك الغرباء استطاعوا خلال وقت قصير أن يقتلوا  بقانصاتهم البعيدة  كل من استيقظ وفتح الباب، أو حاول أن يضيء فانوساً ليرى ما يجرى, وعاثوا خلال ساعات خراباً مثيرين الرعب والهلع والموت, ثم قاموا بتجميع كل من بقي  حياً من نساء وأطفال في بيوت القرية النائية وأجبروهم أن يسيروا أمامهم  كدروع بشرية, فمشوا لساحة القرية, غير مصدقين ما يجري, يدفع النساء الرعب والخوف  على أطفالهن.

نجحت سلمى قبل وصولهم لحارتها بجمع بعض صغار الحي المرعوبين، وخبأتهم ببيت جدتها القديم داخل غرفة خاصة بالمؤنة. ورغم أن ضجيج الموت كان يلفَّ المكان ويزاحم الأنفاس، إلا أنها حافظت قدر الإمكان على ابتسامتها في ووجهم لتهدأ من روعهم. طلبت منهم أن يلتزموا الصمت وألا يخرجوا من هناك مهما حصل, وتركتهم وذهبت  لتساعد ما تبقى من أطفال لا مأمن لديهم, راجيةً الجدة ألا تخرج أيضاً من مخبئها.

حاول الأطفال  كما وعدوا سلمى أن يلتزمو الصمت داخل” الكوارة” الطينية الرطبة، وأن يتخيلوا شيئاً جميلاً ريثما تنتهي لعبة الاختباء القسرية.

في تلك اللحظات التي ظنوا  أن كل شيء انتهى,عادت أجسادهم  ترتعش خوفاً عندما سمعوا وقع اقدام كثيرة تقترب. كانت مجموعة من الرجال تصرخ بشكل عنيف ويحطمون ما يصل لايديهم في البيت وكأنهم يفتشون عن شيء ما.

قفز قلب الجدة عندما رأتهم  يقتربون من (الكوارة) وبدوا مستعدين لتحطيمها،  فخرجت  فجأة من مخبأها وقالت حاسمةً: “شو بدكم قولوا لي؟”

ضحك احدهم وقال: “بدنا الذهب إلي عندك، وطربوشك”, قالت لهم: “مين خبركم عن الطربوش؟  أبو ياسر مش هيك؟”

ردوا صارخين بوجهها: “يالله ما عنا وقت.”

وبصوت  حاسم أجابت: “لازم يكون كمان خبركم  أني  لا أخبئ شيئاً ثميناً داخل البيت. تعالوا معي.”

لهجتها الجدية الواثقة جعلتهم يسيرون خلفها تاركين البيت وعيونهم معها وهي تشير بعكازها لمكان بعيد عن القرية .

بعد مدة ليست بقصيرةٍ, عادت سلمى مسرعة, وبدأت تنادي الأطفال, مطمئنة إياهم أنهم باتوا بأمان, فخرجوا شبه مختنقين وعيونهم المرتعبة أوحَت لسلمى أن شيئاً ما قد حصل.

بدأت تنادي جدتها, لكن بلا جدوى!

وما إن أخبرها الصغار بما حصل, حتى صرخت راكضة ورائهم, لكنهم كانوا قد ابتعدوا هاربين ومعهم الكثير من النساء والأطفال, وخيال جدتها يلوح بينهم.

بقيت القرية قيد الخوف, وما من حكايات بقيت تروى سوى ما جرى في ليلة الرعب تلك. الجميع  يبدو جاهزاً بسلاحه لمعركة جديدة منتظرة, والعيون القلقة متجهة صوب الشرق, ورائحة الأرواح عالقةً بين التلالِ الوعرة, وأصوات اللواتي اختطفن يخرسها رعب لن يفهمه أطفالهن واصوات الانين كفزاعة توقظ القرية من صدمتها. وسلمى لازالت واقفة هناك, تنتظر أن تخرج حارسة شمسها من فم الغول.

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة